أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رشيد عبد الرحمن النجاب - جليلة،،، التنوير في عهد السيدة الحرة















المزيد.....

جليلة،،، التنوير في عهد السيدة الحرة


رشيد عبد الرحمن النجاب
كاتب وباحث

(Rasheed Alnajjab)


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 16:13
المحور: الادب والفن
    


اهتمت الكاتبة اليمنية " أناستاسيا الغشم" بتهيئة القارئ للدخول في أجواء الرواية قبل الغوص في تفاصيل روايتها الموسومة "جليلة"، الصادرة عام 2025 عن الأهلية للنشر والتوزيع في العاصمة الأردنية عمان وتقع في نحو 400 صفحة من القطع المتوسط، وقد استعانت من أجل ذلك بعدد من النصوص الموازية متمثلة في الغلاف والعنوان والإهداء.
فقد تلون الغلاف في جزئه العلوي بلون السماء التي تلبدت بالغيوم الداكنة المبشرة بالمطر وما يتبعه من خير عميم، في وصف لأجواء المناطق التي كانت مسرحا للأحداث في هذه الرواية سيما ما بين "جبلة" و "جبل التعكر" من محافظة إبْ، وقد حفل السرد بإشارات ترصد التغيرات الجوية وسقوط الأمطار في أكثر من موقع، بينما تجلت في الجزء السفلي من الغلاف نماذج من المعمار اليمني بمواصفاته المميزة، لكن ما يثير الانتباه حقا تلك الصورة التعبيرية لفتاة يمنية صغيرة، بعينيها اللوزيتين، وزيّها وزينتها وما يحملانه من هوية اليمن. حيث يطل القارئ على ملامح فتاة ذات شخصية قوية واثقة وطموحة، وهو ما يتوافق مع شخصية جليلة التي تكونت ثم تنامت عبر السرد على نسق وظفته الكاتبة للرسالة الأقوى التي حملتها الرواية خصوصا ذلك الترابط بين تعليم المرأة وحسن نشأتها، وبين نهضة الأمة وتطورها
ويظهر عنوان الرواية في جزأين؛ أولهما "جليلة" وقد تصدر الغلاف بخط كبير، وهو وإن بدا اسم علم مؤنث ربما منسجم مع أسماء البنات في اليمن في تلك الحقبة، إلا أنه ربما حمل بعض الدلالات التي تشير إلى دور المرأة ومكانتها في (عهد السيدة الحرة) وهو الجزء الثاني من العنوان، أما السيدة الحرة فهي الملكة أروى بنت أحمد الصليحي، التي حكمت اليمن ما بين القرنين الرابع والخامس من التقويم الهجري، وهي الاسم الحقيقي الوحيد من بين شخصيات الرواية بينما جاءت الأسماء والشخصيات الأخرى من نسج الخيال.
وجدير بالذكر الإشارة إلى ارتباط الأسرة الصليحية بالحكم الفاطمي في مصر. ولكن لا يمكن اعتبار هذه الرواية تاريخية، فمعظم الأحداث تتناول حياة أفراد الأسرة التي عاشت وفقا للكاتبة في عهد الملكة أروى، والتي يرأسها "الجد عبد الرحمن" وتعكس العلاقات الاجتماعية السائدة في تلك الحقبة الزمانية المبكرة.
كما لا يتضمن السرد إشارة إلى حروب خاضتها الدولة الصليحية، أو أحداث تاريخية أخرى من أي نوع، وإنما تعكس اهتمام الملكة أروى بتنمية الإنسان وبنائه من خلال رعايتها للتعليم وقد ازدهرت المؤسسات التعليمية للبنين وللبنات، وكان للملكة دور مباشر في توجيهها والإشراف عليها.
أما الإهداء من الكاتبة لوالدها فيأتي بمثابة شهادة عصرية على "عهد السيدة الحرة" وأثر التعليم والتنشئة سيما تلك الموجهة للبنات، في توجيه المجتمع نحو النهضة والتنوير

تضمنت الرواية وصفا لحياة أسرة عبد الرحمن وتفرعاتها وصولا إلى بيت الحفيد صالح والد جليلة، وقد أظهرت الرواية أنماطا مختلفة من الشخصيات الذكور منهم والإناث، واتخذ السرد مسارين؛ الأول يتحدث عن أسرة عبد الرحمن من خلال علاقتهم بالعائلة الناشئة للحفيد صالح، ويتناول الثاني مشاهد من داخل قصر الملكة أروى المعروف ب "دار العز" يطل القارئ من خلالها على مشاغل هذه الملكة واهتماماتها، إضافة إلى مشهد وحيد لزيارة الملكة إلى "دار علم السيدة، وهو معهد للتعليم تميز بصفوة مختارة من هيئة التعليم، و من الطلاب أيضا، وربما شمل ذلك خيارات دقيقة لمناهج التعليم. ويبدو أنه كان أقرب إلى معهد عال للتعليم، وإن بدأت صفوة مختارة من الطلاب الدراسة فيه في مرحلة مبكرة من أعمارهم على أن يستمروا حتى ينجزوا قدرا وافيا من التأهيل. تحدث الراوي بصيغة الغائب في جل فصول الرواية إلا إن مساحات كثيرة من السرد جاءت على صورة حوار بين شخصيتين أو أكثر من شخصيات الرواية.
والحديث عن الملكة وإنجازاتها يطول، ولعل الكاتبة خلقت قدرا كافيا من التشويق والتحفيز لحث القارئ على مواصلة البحث والاستزادة من المعلومات حول تلك السيدة وعهدها المميز بمستوى حضاري متقدم بمقياس ذلك الزمان.
عودة إلى أسرة عبد الرحمن، وهي أسرة تراعي التعاليم الدينية في عباداتها وفي تفاصيل حياتها اليومية، ويلمح القارئ برغم ذلك تفاوتا في الرأي تجاه كثير من المواقف بين أفراد الأسرة، فقد نجحت الكاتبة في توصيل رسالة مفادها أن الأفراد الأقرب للعلم كانوا أكثر قدرة على اتخاذ مواقف بعيدة عن التشدد ونابعة من فهم صحيح لحقائق الأمور، وكان الجد عبد الرحمن خير مثال لهذه الفئة، وقد استعرضت الكاتبة مشاهد من حياة هذه الأسرة في سرد مطول مفعم بالتفاصيل، ابتداء من الفرح كمدخل لتأسيس العائلة، وحتى مظاهر الحزن والفقد ومراسم الدفن والعزاء، بل امتد الوصف ليشمل مظاهر الاحتفال بأعياد الميلاد الشخصية لأفراد الأسرة، وإن بدت هذه الجزئية مثار تساؤل حول إمكان وجودها الفعلي في تلك الحقبة من الزمان.
وتتضمن الفقرات التالية إضاءة على أهم ملامح بعض الشخصيات من أفراد أسرة عبد الرحمن في مقدمتهم الجد "عبد الرحمن" وحفيده "صالح"، وابنة الحفيد "جليلة"، وشقيقة الحفيد "تباهر"، وقد يكون في التعرف على ملامح من شخصيات مثل "مصلح" والد صالح و"رحيمة" والدته، وزوجته، وعيفة صديقة جليلة، وعبد السلام صديق الطفولة لجليلة. استكمالا للصورة.
الجد عبد الرحمن:
مؤسس الأسرة وكبيرها، عمل في التجارة وكان له مكانته في المجتمع، وتحلى بقدر من الحكمة والتنوير، اتخذ لنفسه دورا مختلفا بعد أن خلفه أبناؤه في تسيير الأعمال بينما تفرغ هو للعلم والعبادة، ورعاية الأسرة الكبيرة بما يلزم من التوجيه والإرشاد.
ورث الجد عبد الرحمن عن أجداده عددا من المجلدات ذات القيمة العلمية المميزة انتفع بعلمها واكتسب بفعل السن والعلم قدرا واضحا من الحكمة، كان داعما وراعيا للبنات والأبناء ممن لمس لديهم اهتماما بالعلم، وفتح لهم المجلس "حيث كان يحفظ المجلدات" على مصراعيه للتزود بالعلم، وكان فوق ذلك ناصحا وموجها لهم وقد تجلى دوره فيما قدمه من دعم لحفيدته تباهر التي اختارت الطلاق من زوجها والعودة إلى عائلتها معززة مكرمة، مكرسة وقتها للعلم طالبة ومعلمة. كما كان خير ناصح لجليلة، داعيا إياها لتوخي العلم طلبا للعلم وليس هروبا من مشاكل ومواقف ومصائر محتملة، وكان معجبا وداعما للنهج المستقل الذي اختاره حفيده صالح لنفسه.
صالح:
ظهر صالح بن مصلح بن عبد الرحمن في الرواية منذ بداياتها كشخصية مستقلة، عمل في الزراعة بعيدا عن تجارة الأهل في الأقمشة، وسكن في بيت ارتضاه لنفسه وأسرته الصغيرة بعيدا عن بيت العائلة، لم يكن صالح شخصية متمردة، ولا فظا في معاملة والده ولا أي من أفراد أسرته الكبيرة، واستقر على رأيه بثبات رغم إلحاح والده "مصلح" وسخطه على هذا القرار، كان صالح يرفض ويصر، ولكن بأدب جم. تعامله مع زوجته وأخته والسيدات من حوله كان يشير إلى شخصية متميزة، خلافه مع ابن عمه حول مسألة النقاب عبر عنها بصراحة أشعرت الطرف الآخر بالاختلاف دون أن يسيء التعامل، ربما كان صالح بهذه المقدمات مؤهلا لأن يكون أبا مختلفا لجليلة يؤدبها صغيرة على قسوتها مع أبناء الجيران، ويمنحها الخيار في قرارها بالالتحاق بدار علم السيدة من عدمه وهي صغيرة، ويؤمنها من الخوف من زواج مبكر كما حدث لصديقتها "عيفة".
حديث عبد الرحمن مع جليلة عندما كبرت وأردت الالتحاق بدار علم السيدة عكس احترام الجد لنهج صالح وإقراره

تباهر
هي أخت صالح، كانت متزوجة ولم ترزق بالذكور فقرر زوجها الزواج من امرأة ثانية، وكان أيضا يكره متابعتها لدروس اللغة، هنا أيضا برز قرار الجد عبد الرحمن الداعم والمتفهم والمشجع لحفيدته أن تبقى في بيت العائلة معززة مكرمة إن هي أرادت ذلك خلافا لموقف والدها مصلح المتشدد، التحقت تباهر بدار علم السيدة ضمن أسرة التعليم، وكانت قدوة مقدرة لابنة أخيها "جليلة"

جليلة:
اكتسبت هذه الشخصية من بيئتها العائلية؛ من جدها "عبد الرحمن"، ووالدها صالح على وجه الخصوص ما ظنت أنه يؤهلها لتؤدب صديق الطفولة عبد السلام لأنها رأت أنه أساء معاملة البنات "صديقتها عيفة مثالا"، تلقت جليلة من والديها ما يقوِّم هذه التصرف بالطبع. وكان لعمتها "تباهر" دورا إضافيا في التأديب والتوجيه بشكل مباشر أحيانا ومن خلال دورها كقدوة في معظم الأحيان.
برزت قوة شخصية جليلة أمام الملكة أروى عندما عبرت بصراحة عن عدم يقينها من الرغبة بالالتحاق بدار علم السيدة في تلك السن المبكرة وميلها نحو حياة تعطي للطفولة مداها وإصرارها على هذا الموقف بالرغم من استغراب عمتها، موقف تمكن والدها صالح من تفهمه ودعمه في آن.
دعم صالح ابنته جليلة عندما جاءت مبدية قلقها إثر زواج صديقتها عيفة في هذا السن المبكر وأمنها أنها لن تجد نفسها في موقف مماثل، وشجعها على الالتحاق بدار علم السيدة إلا أن الجد عبد الرحمن كان له موقفا مغايرا حرص على توضيحه لحفيدته قبل أن يقرها على هذا التوجه كما جاء في فقرة سابقة من هذه المقالة.
كان ثمة أمثلة أخرى من الأحفاد والحفيدات الذين توجهوا نحو العلم واستزادوا منه بتشجيع من الجد الكبير، وكان في الرواية أمثلة على شخصيات تقليدية في التعامل مع الأمور والمواقف المختلفة، جاء مصلح والد صالح في مقدمتهم، وخلق هذا المزج بين الشخصيات المختلفة أجواء طبيعية كان من شأنها وسم الرواية بالواقعية.
مهدت الكاتبة لنهاية الرواية بوفاة الجد الكبير الذي كان بمكانه من العائلة ومكانته في المجتمع نموذجا موفقا للتوجه التنويري داخل الأسرة، والذي جاء مدعوما بالأجواء العامة في البلاد ممثلة بعهد الملكة أروى بن أحمد الصليحي وما ساده من نهضة وتنوير.


عمان في 03/07/2026



#رشيد_عبد_الرحمن_النجاب (هاشتاغ)       Rasheed_Alnajjab#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حجر الزار ،،، صدى الهجرة الأولى
- بيت جن مقر وممر
- قصة قصيرة -أما من طلب صغير؟- للدكتور جهاد حمدان وقراء فيها ب ...
- د. خالد تركي يتحدث عن الرفيق نبيل ناصر عويضة في نادي حيفا ال ...
- د.خالد تركي يقول: -نافذتي تطل على رواية الخروبة-
- قراءة في كتاب سفربرلك للدكتور خالد تركي
- قراءة في رواية -دار خولة-
- هامش أخير،،، قراءة في كتاب سيرة مختلف
- قراءة في المجموعة الموسومة -لحظة-
- قراءة في رواية -بطل من هذا الزمان- للكاتب الروسي ميخائيل لير ...
- سنة واحدة تكفي
- غرفة حنا دياب
- بيت الجاز،،،،جاذبية السرد
- ذئـــاب منوية ،،،، من يمتلك الحقيقة؟!!
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع
- الأشجار تمشي في الإسكندرية - من يملك حق محاكمة عهد عبد الناص ...
- تساؤلات تفضي إلى تساؤلات في رواية عين التينة
- الجهة السابعة،،، حيث يلوذ الأسير حتى لا يعيش السجن فيه
- يوميات الزيارة والمَزور ،،،،طاقات الإبداع ونوافذ الأمل
- الخروبة-مشاهد وصور من العذابات والالم


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رشيد عبد الرحمن النجاب - جليلة،،، التنوير في عهد السيدة الحرة