رشيد عبد الرحمن النجاب
كاتب وباحث
(Rasheed Alnajjab)
الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 00:47
المحور:
الادب والفن
كتب الرفيق د. جهاد حمدان هذه القصة القصيرة بعنوان :"أما من طلب صغير؟:
نشرة أخبار قناة الجزيرة كانت مملة جداً. قوات الجولاني (هكذا سمحتُ للخبر أن يلامس سمعي) تتبادل إطلاق نارٍ عنيف مع قوات قسد في حلب. موضوعٌ لم تتوقف الجزيرة عن تسويقه منذ أسبوع ممّا صدّع رأسي، فقررتُ إسكات المذيعة والذهاب إلى النوم الساعة الواحدة صباحًا. كلّ شيء بدا هادئًا. تدثرتُ بحرام "مِجوز" وأطفأتُ الإضاءة الجانبية، التيبل لامب لمن لم يفهم. لم أقرأ أيًّا من المعوذات الثلاث، ورحتُ أغطّ في نوم عميق إلى حدّ أنني كنت أسمع شخيري الصاخب يوقظني، فأخاتله وأتابع النوم.
باب غرفة النوم يدق... دق دق دق. صحوتُ غير مصدّقٍ أذنيّ. أهو حلمٌ تسلل من كابوس صنعه الشخير؟ أم هو أحد الأبناء هبط من الطابق الثالث لينقل إليّ خبرًا مزعجًا لا يمكن تأجيله حتى يفيق الخلقُ ويبدأ القادرون منهم السعي في مناكبها؟ وبينما طفقتُ أُخمّس وأُسدّس، سألني بهدوء:
لماذا لا تردّ عليّ؟ أنا قصدتك أنت من دون البشر، ولن أعود حتى آخذ ما أتيت لأجله وأرحل.
قلتُ: إذًا هو أنت، لا غيرك.
فردّ وهو يشق طريقه نحوي: أنا ملَك الموت، وها أنا أمامك بكامل وقاري.
أشعلتُ التيبل لامب، وعدّلتُ جلستي على السرير، فبدا أمامي رجل فارع القامة يغطي جسمه المكشوف شعر كثيف باستثناء منطقة العينين. قلتُ وقد بلغ قلبي الحنجرة:
أنت كائنٌ بشري ولست ملَكًا. لو كنتَ كما قلت لما احتجت إلى دقّ الباب ثلاثًا. مثْلُكَ يجوب الماء واليابسة حتى يصل إلى فريسته، تصعد الرّواسي ولا تصدّك جُدُرٌ ولا أبواب، فكيف تخرج عن طورك وتدقّ باب إنسان؟ قد تكون كائنًا عجيبًا هبط من كوكب آخر، ولكنك لست ملَكًا.
قاطعني وسهامٌ من أشعة زرقاء تنطلق من جنبيه تمسح زوايا الغرفة وأركانها:
هل قرأت سورة مريم؟
قلت: نعم.
فتابع: ألم تقرأ فيها الآية الكريمة "فتمثّل لها بشرًا سويًّا"؟
قلتُ: نعم، كان ذاك الملَك جبريل أرسله الربّ إليها ليؤنس وحدتها بعد أنِ اتخذت من دون أهلها حجابًا. جاءها في صورة إنسان سويٍّ كامل الخلق والخِلقة. فأين أنت منه؟ تقول إنّ هيئتك بشرية لكنها تخلع قلوب أقوى الرجال والنساء.
فردّ في الحال: ربما معك حق، فطبيعة المهمة تفرض نفسها. فأنا لم آتِ لأؤنس وحدتك، بل لأنهي رحلتك، ولأنني تمثّلتُ لك رجلًا، سأتصرّف كالرجال.
جمعتُ ما تيسّر من شجاعتي وجحرتُه قائلًا: أمتأكدٌ أنك ستتصرف كالرجال الرجال وتصون شيَمهم؟
قال: نعم، جرّبني.
قلت: أمسِك شاربك.
فرفع يده اليمنى الضخمة ورأيته يضع طرف شاربه الأيمن بين السبابة والإبهام. فقلت: إذًا أمهلني لأُشبع رغبة أخيرة قبل أنْ تقصف عمري.
انتفض وكأنّ جنيًّا حلّ في جسده، وقال:
لقد أمسكتني من اليد التي توجعني، وأخذتني، أيها السياسي الحاذق، على حين غرّة. وأردتَ أنْ تُنجز، أيها الكاتب والأديب، ما لم يحرزه الشاعر محمود درويش. هل قرأت جداريته وعرفت طلباته؟ فلا تُسرف في طلباتك، فتلقى مني ما لقي.
قلت: محمود أحسّ بوجودك فطمع في مخاتلتك إلى حدٍّ يجعلك تعود خائبًا وأنت لا تقبل الخيبة، ولا تُحبُّ حُنينًا ولا خُفّيه. خاطبك لا طمعًا في كرمك بل ليسجل مأثرة شعرية، بجدارية نحتها على حائط الزمن. قال لك:
أمهلني قليلًا لأكمل قصيدتي، لأرى الحياة مرةً أخيرة بوعيٍ لا بعجلة، ولأستعدّ لرحيلٍ يليق بالإنسان؛ لموتٍ أعرفه ويعرفني، لا خطفًا ولا غفلة.
أنا سأتقيد بحدود وعدك لي كرجل. محمود طلب منك ما لا تستطيعه، فاستعجلتَ سماع طلباته ولم تستمع إليها بهدف تقديرها والاستجابة للممكن منها. قبضتَ روحه ومضيت. وهنا أحسستُ أنه بدأ يضيق بي، فوجّه نحوي شررًا يشبه الشرر الذي يتطاير أثناء لِحام الأوكسجين.
فهمتُ وقدّمت طلبي:
أنت ستقصف عمري، عمر رجل اجتهد ما وسِعه العمل والاجتهاد ليصير للحياة معنى. فبدون معنى للحياة لن يُقدّر أحدٌ عظمة الموت. فالحياة التي ينقصها المعنى لا تعتدّ بالغياب الذي تأتي أنت، ملَك الموت، لتفرضه بأوامر عليا على البشر.
قال: هذا كلام فلسفي عميق، أنا أعرف مصدره وأعرف المفكرين الذين عملوا على صياغته بعناية، فاجتهدتَ أنت ورفاقك ومشايعوكم على كامل ساحة عملي في بثه. لا أختلف معك كثيرًا ولكنْ لا وقت لديّ ولا لديك لنتساجل. ما طلبك؟
قلت:
أنا سأغادر. حياةٌ ستُقصف، ولكنْ هناك في الطابق الأرضي حياة بدأت للتو. حفيدٌ جديدٌ يحمل اسمي ويُشبه رسمه رسمي، أريد أنْ أفرح به دقائق معدودات وأهمس في أذنه بضع كلمات علّ دماغه يسجّلها، فتذيع القصة كما ذاعت جدارية درويش.
ثوانٍ وكنتُ وإياه في حضرة حفيدي. وقبل أنْ يتنحّى قليلًا لأتحرر ممّا حسبتُها سطوته، فأتحدث بما أريد، همس في أذني حتى خِلتُ أنفاسه تقتلعها ورأسي معها: لا ترفع صوتك فتصحو والدته وتفهم ما بيننا فتتعقد مهمتي. تذكّر، وعدتك أنْ أتصرف كرجل وليس كمَلَك. فأومأتُ أنني فهمت.
نظرتُ إلى حفيدي فبدا لي ملاكًا جميلًا. خفضتُ صوتي حتى لا يفيق فيرى صاحبي فيجفل ويصحو على صراخه كامل سكان العمارة. قلت:
حفيدي الغالي. سأغادر هذا العالم بعد قليل. ينتابني شعور مختلط، جدٌّ يرحل وحفيدٌ يفتح عينيه على عالم الحياة. عِش حياتك حرًّا شجاعًا كريمًا. أحبّ والديك كما أحبني وجدّتك والدُك وأعمامك. لا تهادن في مسقط رأس جدّك. ولا تفاوض أحدًا على عشق الوطن. نقّب ما استطعت في سيرة جدّك ومبادئه، وتعلّم منها ما يروق لك، وأعطِ وزنًا لحب الإنسان هنا وعلى امتداد العالم. تذكّر أنك امتدادي البيولوجي، واجتهد ما استطعت علّك ترى جدوى جوهر رسالتي التي حملتها ولم أتوقف لحظة عن نشرها. ولا تنشغل كثيرًا بالتفاصيل. سأرحل قسرًا وأنا في كامل بهائي وثقتي بمبادئي.
هنا لكزني صاحبي، ربما لأَنتبهَ لعنصر الوقت. وضغط بقدمه اليسرى على رجلي فخررتُ صريعًا، وبالكاد قبّلتُ حفيدي الذي فتح عينين أخذتا لونهما من عيون جدّته الخضراوين دون إعلان صريح من أحد أنهما كذلك.
قال لي وهو يعيدني إلى غرفة نومي: ستجدك زوجتك جثة هامدة عندما تيأس من ردك عليها. سترى على وجهك ابتسامة سيختلفون في تفسيرها. أنت تعرف أنك كدرويش لم تهب الموت، لكنك لم تبتسم له أيضًا.
هذا آخر ما أتذكره قبل أنْ يأتيني صوت أم خليل من باب الغرفة: حبيبي إذا ما بتستعجل ما رح تلحق تفطر وتروح على موعدك في مكتب الجمعية.
وكتبتُ هذه القراءة فيها:
"هكذا يقرع القدر الباب" قال بيتهوفن معلقا على مطلع سيمفونيته الخامسة، لكن هذا لم يتحقق في قصة د. جهاد حمدان، الموسومة بـ "أما من طلبٍ أخير؟". فما بين تقلبٍ وشخير، أفاق بطل القصة على "استئذان مهذب" بطرقات ثلاث قبل أن يتمثل له "ملك الموت"، زائر الليل بشرا غريب الخلقة. هذا لم يقم بمهمته النمطية فيقبض الروح ويمضي، فقد "سأله بهدوء " وسمح للإنسان "الهدف المفترض" أن يستدرجه لحوار بقدر من الندّيَّة، بل والتحدي أحيانا "فيجحره" ويطلب منه أن يقسم من خلال إمساكه شاربه للتدليل على أنه سيتصرف معه بشرف، "رجل لرجل"، لا بل يتمادى فيمضي في عقد مقارنة بين موقفه وموقف درويش من الموت في جداريته ومنها هذه الأبيات:
"سأَصير يوماً ما أُريدُ
سأصير يوماً طائراً، وأَسُلُّ من عَدَمي
وجودي...... "
في هذه القصة يتحدث الكاتب عن جدلية الموت والحياة، يحاول في نطاق ما تسمح به القصة القصيرة من مساحة، صياغة علاقة بين الحياة والموت فيقول: "فبدون معنى للحياة لن يقدر أحدٌ عظمة الموت"، ويمضي في قراءة فلسفية لهذه العلاقة فيقول: "الحياة التي ينقصها المعنى لا تعتد بالموت".
في طلبه الأخير الذي يشبه الطلب الموجه للمحكوم عليه بالإعدام، وهذا ما ينفذه ملك الموت في العادة دون سؤال ولا جواب إلا أنه في هذه المرّة خضع تحت القسم ولبى رغبة الفريسة المفترضة فأخذه لزيارة حفيده، الحفيد القادم والجد المغادر ووصايا على أمل أن يسجلها الدماغ الخام في أول عهده بالحياة فتذيع كما ذاعت جدارية درويش وانتشرت، وصايا في محاور ثلاث "عدم التفريط بالوطن، تكريس المحبة، وقيمة الإنسان، وصون المبدأ، والمعتقد.
المدخل الذي اختاره الكاتب للقصة لم يكن عبثيا، بل حمل صورة رسالة الإعلام وجدلية الموت والحياة، أي موت وأي حياة تلك التي تنقل جمل المذيع إلى دماغ المستمع بالطريقة التي يستوعبها بغض النظر عن الشيطنة الإعلامية "المملة".
هذا الرجل الذي قرع الباب ثلاثا "مستأذنا بالدخول"، "مستفسرا بهدوء" عن سبب عدم الرد، في نهج مختلف للصورة التي تشكلت عنه عبر الأزمان يؤدي مهمته بصمت ويمضي، لكن الر جل "المَلك" سمح للراوي أن يجادله ليتحقق من كونه مَلَكْ، وأن يقارن بينه وبين الملك جبريل الذي أرسله الله إلى مريم حيث جاء في القرآن الكريم "وتمثل لها رجلا سويا" وأن يفسر له سبب الاختلاف بينهما في المظهر تبعا لاختلاف المهمة التي جاء فيها كل منهما، كان هذا مدخلا موفقا لخلق الحوار بما تضمنه من رسائل
وقد استخدم الكاتب في هذه القصة استعارات من القرآن الكريم، ومن الأمثلة المنقولة باللغة الفصحى: "وعاد بخفي حنين"، و"السعي في مناكبها"، إضافة إلى المصطلحات المستخدمة في الحياة العامة "حرام مجوز"، وحتى المصطلح الذي يتسم بالسخرية في حديثه عن الإضاءة "التيبل لامب" لمن لم يفهم، وكذلك دعوة أم خليل له ليفطر ويلحق بعمله باللهجة الدارجة المفعمة بالإنسانية، لعله حاول التخفيف من جدية الموضوع ورهبته.
#رشيد_عبد_الرحمن_النجاب (هاشتاغ)
Rasheed_Alnajjab#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟