أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رشيد عبد الرحمن النجاب - حجر الزار ،،، صدى الهجرة الأولى















المزيد.....

حجر الزار ،،، صدى الهجرة الأولى


رشيد عبد الرحمن النجاب
كاتب وباحث

(Rasheed Alnajjab)


الحوار المتمدن-العدد: 8679 - 2026 / 4 / 16 - 16:47
المحور: الادب والفن
    


ظل سيدة وقد أدارت ظهرها للرائي، هيكل إنسانة نحيفة ومعالم انحناءة، ولون رمادي، ظل مبعثر على الأرض دونما صورة محددة، ثمة جسم مشتعل في أعلى الصورة، في حين يسير الظل بمحاذاة كثبان رملية، أو هي أمواج بحرية اتخذت لون الرمل، أيا كان الأمر، فالصورة تشير إلى إبحار في المجهول بعيدا عن واقع أكثر مرارة وإيلاما، لم تكن تلك صورة في معرض للرسم، بل غلافا للرواية الموسومة "حجر الزار" للكاتبة مي الجليلي الصادرة عن دار "دال" للنشر في سوريا عام 2025. في نحو 175 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي الغلاف بهذه التفاصيل وثيق الصلة بمضامين السرد ابتداء من الفصل الأول المعنون بحر الرمال، ولم ينته بطقوس حجر الزار في نهاية الرواية.
وفي نص آخر من النصوص الموازية متمثلا في الإهداء الذي جاء مختلفا عما تعود عليه القارئ ، كأنه إهداء إلى روح والدها، لكنها استبدلت العبارات الموجزة ذات الدلالات المختلفة التي تستخدم في الإهداء عادة، بنص استطال حتى شغل صفحة كاملة أو أكثر، تضمن مشاهدا لصورة الوالد اللاجئ الآمل بالعودة إلى البيت الكبير في طبريا، وإشارات لخوف ورفض لرحيل مزمع تعكسه نداءات الوالد الغاضبة، ثمة في مستهل الإهداء تشبث بتقاليد حجر الزار:" أملا في النجاة من عواقب الحرب: "سأدور مثل مراوح الريح حول حجر الزار لعلني أنجو من عفاريت الحرب وسم الذل والطرق على أبواب الغرباء" ص 5.
ستبقى مقاطع من هذا الإهداء تتردد في فصول السرد، سيما في تخاطبها مع زوجها ربما للتذكير المستمر بأثر الغربة، ومشاهد التنقل بين مرافئ التشرد ومافيات المهربين، المتبوعة بكآبة الحال في "مخيمات اللجوء في الدول الأوروبية " إنما هي صدى الغربة الأولى ومأساة الرحيل من طبريا إلى المخيمات في سوريا ودول الشتات.
يأتي السرد في هذه الرواية بصيغة المتكلم، لسان حال السيدة المهاجرة التي تشرح تفاصيل انتقالها من سوريا، عبر ممرات وموانئ التهريب في تركيا واليونان، هل هي سيرة ذاتية أو جزء منها؟ أما عساها تكون شكلا من أشكال أدب الرحلات؟ أم مزيجا من كل هذا؟ ربما! لكنها حتما كانت صورة لقصص آلاف المهاجرين الناجين، أما الألاف الآخرين الذي تربص بهم القدر بين كثبان الرمال، أو من على ظهر القوارب فقد وصلت رحلتهم إلى نهاية غابت كل تفاصيلها ولم تتهيأ الفرصة لكتابتها.
أما وقد اجتازت رحلتها البرية بأهوالها، وتخطت ميليشيات التشدد العابثة، وأوكار التهريب وحكايات البائسين الهاربين من قدر إلى قدر، هناك على البر التركي المواجه لأوروبا يعود الإهداء ليتجلى في صورة تأملها للجزر اليونانية، هي ذي تخاطب والدها بقدر من الملامة القاسية، ترى هل تلومه أم تلوم الظرف العام؟! تقول:" لا تحزن يا أبي ولا تلمني، أنت ذقت مرارة الهجرة من بلدك وحملتني الذل على ظهري مثل نصول السكاكين" ص 40.
لم تكن الرحلة بمجملها نزهة ولا رحلة استجمام، بل محطات رعب ومخاطر ومواجهة للموت بصور متعددة ما بين ثعالب التهريب، إلى "وحوش بحر إيجة التي انسعرت" ص49 إلى بيت مطل على بحر الشمال في هولندا عبر عديد من معسكرات اللجوء، ومشاعر لا تنتهي من الشعور بالغربة، والوحدة، والقلق، والكآبة. في هذه الرحلة الطويلة تلتقي بأشخاص، وتروي حكايات فتغدو الرواية مجموعة من القصص القصيرة، والقصيرة جدا، تقرأ التجارب الإنسانية وأشكال العذاب من زوايا وأوجه متعددة.
صورة الزوجة أم البنات التي رحلت وبناتها عن الزوج الذي اهتم بالراقصة، كان نموذجا لقصة قصيرة جدا أما القصص لقصيرة فحدث ولا حرج عن حكايات ركاب الحافلة المتجه للشمال، إلى فرحان الذي قاد مركب الهروب ولم يكتمل فرحه فكان ضحية لوحوش بحر إيجة، إلى فوز التي نكأت جراح فراق الشقيقة "منى" بالسرطان، والتي اختارت نوعا آخر من الهجرة فتزوجت من رجل يوناني، إلى ماري، ورفيق رحلة القطار، وهناء المسكونة بأحلام إنشاء مسجد على ظهر مبنى الكلية في هولندا، وبين هذه الحكايات ثمة تفاصيل أخرى لا تتسع لها هذه السطور.
قالت لصديقتها فوز وهي تدعوها لتطيل الإقامة في زيارتها "حكايتي لم تكتمل " ص 78، وحكايتها لم تكتمل أيضا عندما أدت التغييرات في شكل شعرها ولونه من لوازم التنكر والهروب إلى ألا تتعرف ابنتها عليها في محطة القطار في ألمانيا، ترى هل اكتملت الحكاية بعد كل تفاصيل الغربة وذلك البيت في البلدة المعزولة في شمال هولندا؟ هل انتهت بعبور امتحان اللغة والحصول على الجنسية الهولندية؟
كانت العودة إلى دمشق بجواز سفر غريب بداية مشهد آخر من الاغتراب لعله الأشد قسوة، أن يسمح لها بالعودة أو لا يسمح لم يكن هو لب الحكاية فهي عادت كسيدة هولندية، دخلت أوروبا بشقارها المشوه وهويتها المزورة، وها هي تعود أكثر تشوها وأكثر اغترابا فقد باتت "هولندية" ولم تعد ابنة اللاجئ الذي قضى وهو يتمسك بأمل العودة إلى طبريا، أما الأم التي ورثت قلق الأب حول مصير ابنته وترحالها فقد أسلمت الروح حال رؤيتها، ولم تأبه بتفاصيل ما بعد هذه العودة المنقوصة، فلا الديار ديار، ولا البيوت بيوت، حتى الزوج الذي طالما استدعته وناجته عبر الرواية وأوصته بنقل رسائلها إلى الوالد قالت له: "جلس خيالك جانبي بالقطار، وضعت يدك على كتفي، سحبت تلك البكلة السوداء، وبدأت تسرح شعري، وأنا اتكأت على إفريز النافذة الباردة، همست لي: - لا تنامي كي لا يمضي بك القطار إلى مالا نهاية، وقفت بكامل حزنك قبلت رأسي وأعطيتني وجع الغربة، وغادرتني بمحطة مهجورة في غابة موحشة" ص 110، عندما عادت إلى دمشق كان برد النافذة التي اتكأت عليها قد أتى على جذوة الحب فمضى كل منهما في سبيله.
لا تكتفي هذه الرواية بنقل تفاصيل الهجرة إلى أوروبا، وعذابات الطريق وتعقيداتها، بل تمضي لتطل على واقع النفس المجروحة وتفاصيلها، بدءا من جرح موروث من الوالد الذي عانى اللجوء من فلسطين وظل يحلم بالعودة، إلى أحلام بوضع أفضل لم تتحقق عبرت عنها بنوع من الكوميديا السوداء فقالت: "يوم فحص التاريخ تنبأت بدرس اليقظة العربية لكن اليقظة لم تأت أبداً" ص 58 ثم تمضي بخيبات كرسها الواقع المؤلم الذي شكله تغير الصورة في سورية بفعل الفساد الداخلي، والعدوان الخارجي، تمضي على دروب الهجرة برغم نداءات تنهاها عن ذلك تمضي وفي النفس جراح تنعكس في رؤيتها للأشياء تقول وقد زاد ألمها بفراق شقيقتها :"كسرت مُنى كتفي من يوم رحيلها، تغيرتُ، مشيت بالدنيا بطابقين، قبو فارغ أعددته لحزن طويل، والدور الثاني سكنته حياتي التي تسرب مذاقها من النوافذ" ص73
بقي من صورة الحزن هذا المشهد الذي رسمته للمعسكر بعد العاصفة التي أطاحت به وبعد أن أعيد توزيع الخيام والبطانيات: "عاد كامب سودا كما كان ساكنا نظيفا مثل مقبرة مغسولة". ص65 وامتنِع أنا عن أي تعليق.
تنقل وكالات الأنباء أخبارا وتقارير عن الحروب والمجازر والاعتداءات، أو ما يحلو للبعض أن يختزلها إلى "نزاعات"، تتسابق المحطات الفضائية في تفاصيل صور الدمار، وعدد الضحايا، والجرحى والمساعدات الإنسانية التي لا تصل، وبعض المحاولات البائسة "لوقف العنف"، تتباكى المنظمات الإنسانية على صورة طفل ميت قرب الشاطئ.
ويبقى بعد ذلك كم هائل من المآسي والجراح والتجارب الإنسانية وتشظي النفس البشرية التي تخطئها القذائف ووسائل القتل أنى كانت تفاصيلها، تلك النفوس "الناجية" والمحسودة ربما على نعمة البقاء أيا كانت صورته هي ما ترويه الروايات والأعمال الأدبية الأخرى، وقد قدمت مي جليلي هذا العمل بلغة سلسة وأسلوب شيق، برغم مرارة الواقع ومأساوية الصور والحزن المخيم بين السطور، ذلك الذي حاولت أن تتجاوزه بلقطات من الكوميديا السوداء.



#رشيد_عبد_الرحمن_النجاب (هاشتاغ)       Rasheed_Alnajjab#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بيت جن مقر وممر
- قصة قصيرة -أما من طلب صغير؟- للدكتور جهاد حمدان وقراء فيها ب ...
- د. خالد تركي يتحدث عن الرفيق نبيل ناصر عويضة في نادي حيفا ال ...
- د.خالد تركي يقول: -نافذتي تطل على رواية الخروبة-
- قراءة في كتاب سفربرلك للدكتور خالد تركي
- قراءة في رواية -دار خولة-
- هامش أخير،،، قراءة في كتاب سيرة مختلف
- قراءة في المجموعة الموسومة -لحظة-
- قراءة في رواية -بطل من هذا الزمان- للكاتب الروسي ميخائيل لير ...
- سنة واحدة تكفي
- غرفة حنا دياب
- بيت الجاز،،،،جاذبية السرد
- ذئـــاب منوية ،،،، من يمتلك الحقيقة؟!!
- رواية الخروبة في ندوة اليوم السابع
- الأشجار تمشي في الإسكندرية - من يملك حق محاكمة عهد عبد الناص ...
- تساؤلات تفضي إلى تساؤلات في رواية عين التينة
- الجهة السابعة،،، حيث يلوذ الأسير حتى لا يعيش السجن فيه
- يوميات الزيارة والمَزور ،،،،طاقات الإبداع ونوافذ الأمل
- الخروبة-مشاهد وصور من العذابات والالم
- جزء ناقص من الحكاية،،، شغف اصطياد اللحظة


المزيد.....




- وجوه يسكنها الخداع
- سفير أمريكي سابق للجزيرة مباشر: هدنة ترمب -مسرحية عبثية- وإس ...
- معركة -السحابة- والكاميرا والصاروخ.. الرواية الأخرى لحرب إير ...
- زلزال سياسي في المجر: بيتر ماجار ينهي حقبة أوربان بمشهد -سين ...
- 115 كاتبا فرنسيا ينددون بتأثير الملياردير فانسان بولوريه على ...
- رحيل ليلى الجزائرية.. -اكتشاف فريد الأطرش- الذي خلدته السينم ...
- رئيس -شؤون الأتراك بالخارج-: برامج المنح التركية يربطنا بـ17 ...
- عالم -صراع العروش- يقتحم السينما رسميا بملحمة -غزو إيغون-
- -ورود يوم القيامة-.. حسين جلعاد يحرس بالشعر نوافذ غزة
- أمسية ثقافية عن الروائي المصري الراحل بهاء طاهر …


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رشيد عبد الرحمن النجاب - حجر الزار ،،، صدى الهجرة الأولى