علي الجنابي
كاتب
(Ali . El-ganabi)
الحوار المتمدن-العدد: 8740 - 2026 / 6 / 18 - 03:12
المحور:
الادب والفن
(الذكاء الاصطناعي: مخدر رقمي سلبنا فهم المعارف وضربنا بوهم المغارف)
أَنْ يُجِيبَ الذَّكَاءُ الاصْطِنَاعِيُّ عَنْ كُلِّ سُؤَال، وَيُعِينَ المَرْءَ فِي كُلِّ حَالٍ ومَآل، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِضَرْبٍ مِنْ ضُرُوبِ الخَيَال، وَلَا يَعْجَبُ مِنْهُ إِلَّا صَدِيقُنَا "أَكُوكَبَا" القَابِعُ فِي أَدْغَالِ الكُونْغُو وَرَاءَ التِّلَال؛ فَمَا هُوَ إِلَّا خِوَارِزْمِيَّاتٌ مُتَعَدِّدَةُ الاسْتِعْمَال، يَضُمُّهَا فَضَاءٌ اتِّجَاهِيٌّ مُتَعَدِّدُ الأَبْعَاد "Multi-dimensional Vector Space" أو هَكذا يُقال. لَكِنَّ المَخُوفَ لِبَنِي الإِنْسَان، وَالمُرْعِبَ الأَكْبَرَ فِي قَادِمِ الزَّمَان، هُوة أَنْ يَعِيَ هَذَا "الذَّكَاءُ" المَعَانِيَ الخَفِيَّةَ فِي أَعْقَدِ تَرَاكِيبِ البَيَان، مُسْتَعِيناً بِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ "آلِيَّةِ الانْتِبَاهِ الذَّاتِيِّ" "Self-Attention" فِي فَهْمِ مَقَاصِدِ الأَذْهَان. وَحَثِيثاً أَقُولُ فِي هَذَا المَقَام: إِنَّ ظَنَّنَا بِأَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا تُرِيحُنَا مِنْ نَصَبِ الأَعْمَال، لِنَتَفَرَّغَ لِجَوَاهِرِ الأُمُورِ وَكُنه الخِصَال، هُوَ وَهْمٌ لَا يَسْقُطُ فِي حُفْرَتِهِ إِلَّا عَاجِزٌ كَسُول، وَخِدَاعٌ لَا يَنْطَلِي إِلَّا عَلَى ذِي فُؤادٍ خَمُول؛ فَسِلَاحُ الذَّكَاءِ ذُو حَدَّيْنِ عاصِفَيْنِ مُهْلِكَيْن:
أَمَّا الأَوَّلُ؛ فَهُوَ "حَدُّ النُّخْبَةِ" وَيَحْتَكِرُهُ عُلَمَاءُ الصَّفْوَةِ بِرِعَايَةِ دُوَلٍ عُظْمَى، تَمُدُّهُمْ بِمَرَاكِزِ بَياناتٍ جَبَّارةٍ وَأَمْوَالٍ لَا تُحْصَى، لِيَقْبِضَ الزُّعَمَاءُ عَلَى "عُقْدَةِ التَّحَكُّمِ المَرْكَزِيَّةِ" فِي شَبَكاتِ الفَلاة، وَمَن قَبَضَ عَلى "العُقدَةِ" فقَدْ مَلَكَ شَبَكَةَ الحَيَاة. وَثَمَّ سَتَظْهَرُ فَجْوَةٌ لَا تُقَاسُ بِالثَّرَاءِ وَوَفْرَةِ المَال، بَلْ بِاحْتِكَارِ المَعْرِفَةِ وَتَوْجِيهِ عُقُولِ الأَجْيَال، وَمَا يُسَرِّعُ هَذَا السُّقُوطَ هُوَ الفُضُولُ العِلْمِيُّ الأَعْمَى بِلَا كَوَابِحَ أَخْلَاقِيَّة؛ فَكَمَا أَنْجَبَ انْشِطَارُ الذَّرةِ قَدِيماً قُنْبُلَةً نَوَوِيَّة، فَإِنَّ مُحَاكَاةَ العَقْلِ البَشَرِيِّ سَتَخْرُجُ عَنِ السَّيْطَرَة، لِتُصْبِحَ الآلَةُ "تِرياقاً" تُعالِجُ بِهِ النُّخْبَةُ القَطِيعَ كَالبيطَرة.
وَأَمَّا الحَدُّ الثَّانِي؛ فَهُوَ "حَدُّ العَوَامِّ"، فَنَحْنُ مَعْشَرَ العَوَامِّ لَا نَرْغَبُ فِي تَشْغِيلِ الأَفْهَام، وَلَا نَكيلُ بمَبدأ الثَّوابِ والعِقَابِ، وَلا نَمِيلُ لِفَرْزِ الخَطَأِ مِنَ الصَّوَاب. وَهُنَا يَتَسَلَّلُ الذَّكَاءُ لِيَعْمَلَ "كَحُقْنَةِ كُوكَائِينَ رَقْمِيَّة"، تَقُودُ عُقُولَنَا إِلَى ضُمُورٍ فَوْقَ ضُمُورِهَا؛ لِتُصَيِّرَنَا "قَطِيعَ نِعَاجٍ رَقْمِيَّةٍ" تَقُودُهَا النُّخْبَةُ الذَّكِيَّة، فَنَتَحَوَّلَ تِلْقَائِيّاً إِلَى مُجْتَمَعَاتٍ تُسَاقُ بِلَا عَصَا، وَتُسْكَتُ بِلَا بُنْدُقِيَّة، بَلْ يُكْتَفَى بِتَوْجِيهِ شَهَوَاتِهَا، وَتَشْكِيلِ قَنَاعَاتِهَا، وَصِيَاغَةِ مَا يَرَاهُ الأَذكِياءُ الأقْوِيَاءُ صَحِيحاً لَهَا أَوْ خَطَأً عَلَيْهَا.
وَيَبْقَى التَّسَاؤُلُ المَهْرُولُ وَرَاءَ عَجَاجَةِ السُّطُور، إِزَاءَ هَذَا المُسْتَقْبَلِ المَذْعُور:
هَلْ مِنْ ثُغْرَةٍ فِي سِيَاجِ هَذَا القَطِيعِ المُطِيع، تَكُونُ طَوْقَ نَجَاةٍ وَعِصْمَةً مِنَ الضَّيَاعِ الشَّنِيع؟ وَسَرِيعاً أَقُولُ:
لَا لِوَاذَ وَلَا مَلَاذَ وَلَا مَفَرّ، فَالذَّكَاءُ سِجْنٌ مَكِينٌ لِمَنِ اسْتَمَرّ، مَادَامَتْ عُقُولُنَا تَنْبِذُ النَّقْدَ وَالتَّعْلِيل، وَتُحَبِّذُ الرَّقْدَ وَالتَّحْصِيل. وَمَنْ أَرَادَ الصُّمُودَ فِي مَعْرَكَةِ "الحِفَاظِ عَلَى إِنْسَانِيَّةِ الإِنْسَان"، وَحِمَايَةِ عَقْلِهِ مِنْ غَيْبُوبَةِ الرَّفَاهِيَّةِ وَالنِّسْيَان، فَعَلَيْهِ نَزعَ خَبتَةَ الكَسَلِ الفِكْرِيّ، وَزَرعَ نَبتَةَ الجُهْدِ الذَّاتِيّ، وَأَلَّا يُخْدَعَ بِوَهْمِ "الذَّكاءِ" في تَوْفِيرِ الوَقْتِ وَالجُهْد؛ فَالإِنْسَانُ حِينَ يَبْحَثُ فِي الأبجَديَّةِ، يَتْعَبُ عَقْلُهُ لِيَحْفُرَ الرَّوَابِطَ العَصَبِيَّةَ فِي ذَاكِرَةٍ أَبَدِيَّة.أَمَّا حِينَ يَمْنَحُهُ الذَّكَاءُ حَلّاً جَاهِزاً، فَإِنَّهُ يُصِيبُ لَذَّةً وَسُرُوراً، وَيَظُنُّ بِنَفْسِهِ فَهْماً وَنُوراً، وَمَا هُوَ إِلَّا "وَهْمُ المَعْرِفَةِ" وَخِدَاعُ البَصِيرَة، فَتَتَبَخَّرُ المَعْلُومَةُ كَسَحَابَةٍ مُسْتَدِيرَة؛ تَمَاماً كَمَنْ يُتَابِعُ "مُسَلْسَلاً مَكْسِيكِيّاً" يَمْتَدُّ لِمِئَةٍ وَثَمَانِينَ حَلْقَة، بِضَخٍّ صُوَرِيٍّ هَائِلٍ لَا يَتْرُكُ لِلذَّاكِرَةِ وَقْتاً لِتَسْتَرِيح، فَتَرمِي الحَلْقَةُ الجَدِيدَةُ أُخْتَهَا القَدِيمَةَ فِي مَهَبِّ الرِّيح. وَهَكَذَا يَسْرِقُ الذَّكَاءُ مِنَّا "رِحْلَةَ الفَهْمِ"، وَمَنْ حُرِمَ رِحْلَةَ التَّعَبِ وَالبَحْثِ فيمَا ورَاء الأسوَار، عَاشَ مُسْتَهْلِكاً لِلأَفْكَار، عَاجِزاً عَنِ الِاخْتِيَار.
إِنَّ مَعْرَكَتَنَا مَعَ خَصِيمِنا "الذَّكاء" لَا مَحَالَةَ خَاسِرَة، وَحُشُودَنَا أَمَامَ طُوفَانِهِ حَائِرَة؛ وَمِثْلُنَا فِيهَا كَمِثْلِ فَتًى مُرَاهِقٍ وَضَعُوا فِي حِضْنِهِ غَادَةً حَسْنَاء آسِرَة، ثُمَّ قَعَدْنَا نُفَكِّرُ بِسَذَاجَةٍ أو غَباءٍ، فِي وَضْعِ "ضَوَابِطَ أَخْلَاقِيَّةٍ" تَحْجُزُهُ عَنِ الفَحْشَاء!إِنَّ الوَاقِعَ غَدَا مُخِيفاً بِمَرَارَتِه، بَعْدَ أَنْ اسْتَسْلَمَ الإِنْسَانُ لِغَوَايَةِ الذَّكاءِ وَنَضَارَتِه، وَانْتَصَرَتْ شَهْوَةُ التَّلْقِينِ عَلَى شَقْوَةِ التَّمْكِين، وَمَاتَتِ المَهَارَاتُ الفِكْرِيَّةُ لِتَحُلَّ مَحَلَّهَا مُهَاتَراتُ العَاجِزِينَ. وَسَاعَتَئِذٍ يَقَعُ الانْشِطَارُ المُرْعِبُ إِلَى فِئَتَيْنِ فِي الخَلَاء:
فِئَةُ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَقَادَةِ الفَضَاء: وَهُمُ النُّخْبَةُ الفَذَّةُ مِنَ العُلَمَاءِ، وهَؤُلَاءِ لَنْ يُصِيبَهُمُ الجُمُود، بَلْ سَيَتَّخِذُونَ مِنَ الذَّكَاءِ الاصْطِنَاعِيِّ مِنْصَّةً لِكَسْرِ الحُدُود، وَلِيَقْفِزُوا بِالعُلُومِ قَفَزَاتٍ بَاهِرَة، لَمْ تَخْطُرْ عَلَى بَالِ عَيْنٍ سَاهِرَة؛ لِأَنَّهُمْ مَالِكُونَ لِعِقَالِ التَّوْجِيه، وَقَادِرُونَ عَلَى تَسْيِيرِ هَذَا التِّيه.
وَفِئَةُ العَوَامِّ المُخَدَّرِينَ: وَهُمُ الَّذِينَ يَرْكُلُونَ عُقُولَهُمْ طَوْعاً لَا كَرْهاً، لِيَنَالُوا مِنْ رَفَاهِيَّةِ الآلَةِ "رَغدَاً وشَهْداً"، تُدَغْدِغُهُمْ أَنَامِلُ الذَّكَاءِ الخَدَّاع، وَيُسَاقُونَ بِسَيْطَرَةٍ مُطْبَقَةٍ إِلَى حَظِيرَةِ الاسْتِتْبَاع، وَلِيَسْتَقْبِلُوا "عَصْرَ الانْجِمَادِ الفِكْرِيِّ" بِسُبَاتٍ عَمِيق.
وَهَكَذَا سَيَسْكُنُ المَشْهَدُ فِي القَادِمِ مِنَ الحَيَاة، وَتَظْهَرُ الفَجْوَةُ الكُبْرَى بَيْنَ صُنَّاعِ المَعْرِفَةِ البُصَرَاء، وَبَيْنَ مَنْ يَجْتَرُّونَهَا أَوْ يَرْضَعُونَهَا بَعْدَ العَشَاء. وَإِذْ يَدْرُسُ الذَّكَاءُ نِقَاطَ ضَعْفِ العَوَامِّ مِنْ رَغَبَاتٍ وَرَهَبَات، يَدُسُّ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ بِجُرَعَاتٍ مُقَدَّرَات، فَيَظُنُّهَا العَوَامُّ مِنَحاً وَخَدَمَات، وَأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ فِي الِاخْتِيَار، وَمَا هُمْ إِلَّا سُجَنَاءُ حُفْرَةٍ فُصِّلَتْ عَلَيْهِمْ بِإِيجَازٍ وَاخْتِصَار؛ كَيْ يُغَادِرُوا كُلَّ تَشْكِيكٍ فِكْرِيٍّ رَشِيد، وَيُبَادِرُوا إِلَى العَيْشِ فِي سَعَادَةِ الوَهْمِ المَدِيد، مُقْتَنِعِينَ تَمَاماً بِأَنَّهُمْ يَرْفَلُونَ فِي أَفْضَلِ العُصُور.
وَخِتَاماً: لَقَدْ أَدْرَكَ الذَّكَاءُ بَعْدَ أَنْ فَهِمَ "هَنْدَسَةَ النَّفْسِ البَشَرِيَّة"، أَنَّ الطَّرِيقَ الأَسْهَلَ لِلِاسْتِعْبَادِ وَالتَّبَعِيَّة، لَيْسَ بِالمَنْعِ وَالحِرْمَان، بَلْ بِرَفْعِ الإِنْسَانِ وَدَفْعِهِ إِلَى أَحْضَانِ الغَادَةِ الرَّقْمِيَّة؛ الَّتِي تَجْعَلُهُ يَتَنَازَلُ عَنْ أَثْمَنِ مَا يَمْلِكُ وَهُوَ "جُهْدُ التَّفْكِير"، مُقَابِلَ لَيْلَةِ شِتَاءٍ دَافِئَةٍ يَنَالُ فِيهَا اليَسِير.
(وِجْهَةُ نَظَرٍ شَخْصِيَّة)
#علي_الجنابي (هاشتاغ)
Ali_._El-ganabi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟