|
|
ضوءان... وجرح واحد || د. أحمد ناصر
ريتا عودة
الحوار المتمدن-العدد: 8739 - 2026 / 6 / 17 - 19:42
المحور:
الادب والفن
"ضوءان... وجرح واحد": شعريّة الحوار ووحدة الوجع الفلسطينيّ قراءة في ديوان “ضوءان، وجرح واحد: مراوغات فلسطينيّة” للشاعرين إياد شماسنة وريتا عودة أحمد كامل ناصر 2026 / 6 / 15
يقدّم ديوان “ضوءان، وجرح واحد: مراوغات فلسطينيّة” (2026) للشاعرين إياد شماسنة وريتا عودة تجربة شعريّة تنبع من عمق المعاناة الإنسانيّة والوطنيّة، وتعتمد على الحوار وتبادل الأصوات لبناء نصّ مشترك يحمل همًا واحدًا ورؤية متقاربة. ويظهر الديوان بوصفه مساحة يلتقي فيها الصوتان في تجربة إنسانيّة وفنيّة تجمع بين المشاعر الشخصيّة والوجع الفلسطينيّ العامّ. ويحمل عنوان الديوان دلالة واضحة؛ فالضوءان يشيران إلى صوتين شعريين لكلّ منهما لغته وحساسيته الخاصّة، بينما يرمز الجرح الواحد إلى القضيّة الفلسطينيّة التي تجمعهما في تجربة واحدة. ومنذ العنوان يضع الديوان القارئ أمام كتابة تقوم على التنوّع والتكامل، فلا يطغى صوت على آخر، بل يلتقيان في قصيدة واحدة تتسع للاختلاف وتمنحه معنى أعمق، ليصبح هذا التفاعل بين الشاعرين مصدر قوّة يضفي على النصّ مزيدًا من الصدق والاتساع. يقوم البناء الفنيّ في هذا الديوان على الومضة الشعريّة القصيرة والمكثفة، وعلى أسلوب السؤال والجواب الذي يمنح النصّ حيوية خاصّة. فالأسئلة لا تأتي بحثًا عن إجابات مباشرة، لكّنها تفتح باب التأمل، بينما تتحوّل الإجابات إلى بداية لأسئلة جديدة، مما يخلق حوارًا مستمرًا داخل القصيدة. وتتوزّع النصوص على مئة وثلاثين مقطعًا مرقمًا، في بناء متصل يمنح الديوان إيقاعًا متدفقًا وحركة داخليّة متواصلة. وتمتاز هذه الومضات بقصرها وكثافتها، وبقدرتها على التقاط المشهد أو الفكرة بسرعة، مع ما تحمله من صور مؤثرة وشحنات عاطفيّة تجعل أثرها يصل مباشرة إلى القارئ. عند الاقتراب من تفاصيل القصائد، يتضح أنّ الديوان يعالج موضوعات الحب والوطن والحرب والمنفى والكتابة في نسيج واحد. ففي المقاطع الأولى يبرز التلازم بين الحبّ والحريّة من خلال صورة الطائر والنافذة، إذ تقول الومضة الأولى: "ما دام القلب عصفورا / لم يخف النافذة / إذا فتحت؟ / لأن القفص / حين يمكث طويلا / يقنع الطائر / أن السماء / خطأ". ومن خلال هذه الصورة يلفت النصّ إلى خطورة الاعتياد على القيد حتى يصبح الحرمان أمرًا طبيعيًا. وتأتي الومضة الثانية لتقدّم رؤية متوازنة للحب، إذ تؤكّد أنّ العلاقة الحقيقيّة لا تقوم على السبق أو الغلبة، إنّما على المشاركة والتكامل: "في الحب / لا يسبق أحد أحدا؛ / المعجزة تحدث / جملة واحدة" وتنتقل القصائد بعد ذلك إلى التأمّل في الذاكرة والخسارة وما يتركه الألم في النفس الإنسانيّة. ففي الومضة الرابعة يبدو الإنسان محاطًا بجراحه وآثاره التي لا تزول، كما تقول: "لكننا نحيا في غابة / تترك فينا الندوب تلو الندوب / التي كلما لمسها الضوء كتبتنا / بعبراتها". وهكذا يتحوّل الألم في الديوان إلى جزء من الذاكرة والهويّة، وإلى مادة تصنع التجربة الإنسانيّة وتمنحها معناها. يتحوّل المفهوم الجماليّ في الومضة السادسة إلى معيار يقوم على الصدق بوصفه قيمة عليا، إذ تقول: "المرأة إذا أحبت / والقصيدة إذا صدقت؛ / وأجمل العشق / أن تصير المرأة قصيدة". وفي هذا السياق تتقاطع التجربة الإنسانيّة مع التجربة الشعريّة في مستوى واحد من الصفاء والصدق. وتحضر الجغرافيا الفلسطينيّة في الديوان بوصفها حضورًا حيًا لا يقتصر على الأسماء، فغزة وحيفا ويافا والقدس تتحوّل إلى علامات للهويّة والذاكرة وإعادة تعريف الوجود. وفي الومضة الثانية عشرة يظهر حضور المرأة بوصفه امتدادًا مكانيًا ومعنويًا، إذ تقول: "لأنها / لا تدلني على الطريق / بل تعيد تعريفه؛ / فإذا حضرت / استقامت الجهات / وظهرت ملامح المدى". أمّا القدس فتتجلّى في الومضة الحادية والعشرين رمزًا للانتماء والمقاومة، حيث يرتبط العشق بالثبات لا بالنجاة: "لو كان العشق حصارا، / والمعشوقة هي القدس، / أتطلب النجاة؟ / لا؛ / فبعض الحصار وطن، / وبعض النجاة خيانة". وفي القسم الثاني من الديوان تشتدّ نبرة الواقع الفلسطينيّ تحت القصف والتهجير وحياة الخيام، ويصبح القلب الفلسطينيّ مساحة تتسع للألم والناس معًا، كما في الومضة السادسة والعشرين: "لأن القلب الفلسطيني / ليس عضوا / بل ميدان / كلما زاد فيه الوجع / تمدد ليحتوي البلاد / بمن فيها". وتتجلّى قسوة المشهد الإنسانيّ في صور شعريّة مكثفة، مثل: تصوير القمر ككائن متضامن يخفف ضوءه كي لا ترصد الطائرات أحلام الأطفال، أو في مشهد الشجرة التي لا ينفعها الاعتذار بعد أن كسرت، إذ يبقى الألم أكبر من أي ترميم متأخر. وتصل المأساة إلى ذروتها في صورة الطفولة بعد القصف، حين يحاول الطفل جمع أجزاء جسد مبعثر كما لو كانت لعبة بازل، في مشهد يلخص حجم الفقد الإنسانيّ وعمق الكارثة. يمتدً هذا الوجع في الومضة التاسعة والتسعين إلى حوار طفوليّ مؤلم يبحث عن معنى للحياة وسط الموت، إذ يقول النصّ: "تعال ندفن يدك المعطوبة لعلها تنمو.. الأيدي لا تنمو في الأرض، بل في القلوب التي تؤمن بالحب". ويكشف هذا المقطع عن محاولة بريئة لترميم الفقد بالإيمان والأمل، رغم قسوة الواقع. وتختصر الومضة الثالثة بعد المئة مأساة التعليم في زمن الحرب بصورة شديدة الدلالة، حيث تقول: "حاصل الضرب: أطفال في عدد الشهداء، وعار يضيء في العالم". وهنا يتحوّل الدرس إلى معادلة موجعة تكشف حجم الكارثة الإنسانيّة واستمرارها أمام صمت العالم. تتميز لغة هذا الديوان بالبساطة والوضوح، فهي قريبة من القارئ وسهلة التلقي، لكنّها لا تفقد عمقها الشعريّ. وقد اعتمد الشاعران على صور ورموز مستوحاة من عناصر الطبيعة البسيطة، مثل: العصافير والورد والشجر والقمر والمطر، لتمنح النصّ أبعادا إنسانية ووطنيّة واسعة. لذلك تبدو القصائد سلسة ومنسابة، تجمع بين سهولة التعبير وثراء المعنى، وتنجح في تحويل المفردة اليوميّة إلى حامل لأفكار ومشاعر كبيرة. أمّا على مستوى الأسلوب، فيعتمد الديوان على التكثيف والاقتصاد في اللغة، مبتعدًا عن الخطابة والإطالة، ومفضلًا الومضة الشعريّة السريعة التي تترك أثرها في النفس. ويبرز التناغم بين صوتي ريتا عودة وإياد شماسنة بوصفه أحد أهمّ عناصر التجديد في هذه التجربة، إذ لا تبدو الكتابة المشتركة مجرّد جمع لنصوص متفرقة، إنّما نسيجًا واحدًا تتكامل فيه الأسئلة والأجوبة، ويتحوّل الحوار بين الصوتين إلى مصدر لإنتاج دلالات أكثر عمقًا واتساعًا. تكشف الكتابة المشتركة في هذا الديوان عن علاقة إبداعيّة قائمة على الانسجام والإنصات المتبادل بين ريتا عودة وإياد شماسنة، بعيدًا عن أي تنافس بين الصوتين. فكلّ منهما يكمل الآخر، وتبدو القصائد وكأنّها تنبض بروح واحدة تتقاسم الإحساس ذاته والهمّ نفسه. ويتجلّى هذا التلاقي في الومضة الثانية والعشرين التي تقول: "إن كانت الكلمات مرآة القلب / فهل أرى في كلماتك وجهي، أم أراك؟ / ترينك / وأراني؛ / فالكلمات الصادقة / مرآة / للقلبين"، حيث تصبح الكلمة مساحة مشتركة يرى فيها كلّ منهما ذاته والآخر . كما تؤكّد الومضة السابعة والسبعون هذا التأثير المتبادل، إذ يقول أحد الصوتين: "حرفك المضيء يحرّر من شرنقتها مفرداتي ويلبسها بعض الهالات.. إلى أن تتعب اللغة من حدودها، وتصبح مفرداتك نورا لا يعود إلى شرنقته". ومن خلال هذا التفاعل الإبداعيّ تبدو القصيدة ثمرة شغف مشترك، حيث يلتقي صوتان مختلفان ليشكلا نغمة واحدة تمنح القصيدة أقصى درجات الدفء، والضوء والصدق الإنساني..
الطيرة - 15.6.2026
Ahmad Nassir@
#ريتا_عودة (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
قراءة نقديّة في رواية -العاشرة عشقًا || د. أحمد ناصر
-
الأسطورة، الهوية، والنجاة في رواية -إلى أن يُزهِر الصبّار-
-
قراءة في - نقّار الصّمت / طارق الأسمر
-
قراءة في ثنائيّة الجسد والرُّوح في رواية -أحلام القعيد-
-
خلفَ القفصِ... شمسٌ
-
خارج إعراب العتمة
-
القطّ والقبّعة
-
لا أكذب ولا أَتجمَّل
-
نقّار الصّمت| رواية 2026
-
جرحان وضوء واحد
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || قراءة نقديّة
-
كتاباتٌ من جوفِ الحوت
-
في حضرة الانتظار
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
-
أيُّها الطُّغاة
-
خبزُ الأوجاعِ الكونيّ
-
عقيدةُ الأَرضِ
-
Hillary Hitler Avy || بنغلادش
-
هوانغ سانغ سون || شاعر كوري
-
شُعَرَاء دَوْلِيُّون || كانغ بيونغ-تشيول
المزيد.....
-
-المسرح يتنفس-... فرقة دمشق المسرحية تعلن انطلاق -بروفة... ي
...
-
روبيو: مفاوضات الفرق الفنية حول إيران ستستمر الأسبوع المقبل
...
-
بعد سنوات من التحضير.. خلاف ينهي مشروع فيلم السيرة الذاتية ل
...
-
المخرجة رشا شربتجي والكاتب سامر رضوان معًا في رمضان 2027
-
مدفيديف: عندما لا يفهمونك تحدث بالروسية.. وسنستخدم جميع الآل
...
-
Iran Pushes Back Against Trump-s Claims About Frozen Assets
...
-
الغرب ونهاية قرون الهيمنة.. مآلات المشروع الإمبريالي والصراع
...
-
حين يلتقي المال بالذكاء الاصطناعي.. فيلم عن سام ألتمان يشعل
...
-
غيزينغر يحتفي بثقافة البيرة في ميونيخ ويسعى لموقع في مهرجان
...
-
من الجزائر إلى تشيلي: انطلاق المرحلة الدولية لمسابقة -كاردو-
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|