أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية إلى مأزق التحول الديمقراطي















المزيد.....

جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية إلى مأزق التحول الديمقراطي


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 06:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


إن ما تشهده ليبيا اليوم من نزاعات وتصدعات ليس إلا صدىً لذاكرة وطنية مثقلة بحروب أهلية متراكمة بدأت فصولها منذ عقود. وقد دأبت هذه الذاكرة على تسجيل تلك الحروب منذ العهد العثماني الأول، ثم استمرت كمتلازمة تاريخية في العهد العثماني الثاني وفي فترة الاستعمار الإيطالي. وبذلك تشكّلت السردية الليبية عبر قرون من الصراع على الزعامة والموارد، وبرزت محطات فارقة مثل حروب القرنين السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. وحتى في ذروة الحلم الوطني (1946–1949)، ظهرت إرهاصات الانقسام، كدليل على قدرة العامل الخارجي على استثمار الجروح التاريخية. ومن هنا، يفرض هذا التكرار التاريخي علينا إعادة قراءة الذاكرة الوطنية، لا بوصفها سجلًا للماضي فحسب، بل كمرآة لفهم سياقات الحاضر.
في هذا السياق، يمكن فهم مسببات النزاع في ليبيا بوصفها نابعة من بنية اجتماعية ذات طابع قبلي. فهناك صراعات بنيوية على الموارد الاقتصادية، لكنها غالبًا ما لا تبقى على مستوى المنافسة العادية. إذ تتحول هذه المنافسة بسرعة إلى مواجهات وجودية عندما تتدخل مراكز السلطة المركزية أو جهات خارجية أو عابرة للحدود وتقوم بدور في إذكاء الصراع. وهنا يصبح النزاع أكثر من كونه خلافًا على مصالح مادية؛ بل يتحول إلى صراع على الانتماء والهوية. تعتمد هذه الديناميكية على نظام الولاءات الأولية: يبدأ بالأسرة، ثم العائلة الممتدة، ثم العشيرة والقبيلة. وفي العادة يبقى البيت أو العائلة الممتدة هي الوحدة الاجتماعية الأكثر رسوخًا، وتمنح الفرد شعورًا قويًا بالانتماء والتماسك. لكن في ظل ضعف مؤسسات الدولة أو غيابها، لا تبقى قيم التكافل داخل الجماعة مجرد آليات اجتماعية للتعاون، بل قد تتحول إلى وسائل لإدارة النزاع بطرق عنيفة مثل الثأر والخصومات الجماعية. وبذلك يندفع الصراع من المطالبة بالموارد أو الحقوق إلى طابع صراع على الهوية؛ فيتم استدعاء الذاكرة القبلية لتبرير العنف، وتثبيت الانقسام بدل تجاوزه.
رغم قسوة النزاعات، يمتلك المجتمع الليبي قدرة استثنائية على التعافي الذاتي. فبعد كل حرب، يعود إلى الواجهة خطاب السلم والحوار والاجتماع، مدفوعًا بقناعة جمعيّة بأن ما يجمع الليبيين وطنيًا أقوى من لحظات الانقسام. وتظهر هذه المرونة الاجتماعية في القبول بفكرة الطرف الثالث بوصفها آلية توافقيّة تكسر الجمود الذي يفرضه الصراع على السلطة.
ويمكن تفسير العودة إلى التعايش السلمي بوصفها نتيجة محركات بنيوية متداخلة، أهمها:
1. تحييد المحرّض؛ سواء كان داخليًا أو خارجيًا أو عابرًا للحدود، لأن استمرار وجوده يقيّد مساحة التهدئة. وعندما يضعف تأثيره يهدأ الفضاء العام وتقل التعبئة.
2. عندما يصبح ثمن الحرب مرتفعًا لدرجة تهديد مصادر العيش، يتحول المزاج العام نحو عقلانية الضرورة؛ أي اختيار ما يحفظ الحياة بدل ما يمدد الدمار.
3. بروز أشخاص أو رموز تاريخيين نجحوا في تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الشخصية أو القبلية الضيقة. وقدمت الشخصيات الوطنية مثالًا في تغليب الذاكرة المشتركة على الأحقاد، مثل : أحمد القرمانلي وصولًا إلى عمر المختار وبشير السعداوي. ولعل مقولة بشير السعداوي: فقدنا السلطة وكسبنا الوطن تختصر هذا المعنى بوصفه مرجعية أخلاقية تعيد صياغة الهزيمة السياسية إلى انتصار وطني.
إن ما يجمع الوجدان الليبي يظل صعبًا على التفتت، حتى عندما يظهر في الأفق ما يوحي بتمزق البلاد. فخبرة التاريخ الليبي تشير إلى أن لحظات التأزم الشديدة غالبًا ما تكون مرحلة مخاض تعيد إنتاج وعي الوحدة وتفتح مجال حوار الاجتماع الوطني. وتقوم هذه الفلسفة على افتراضية اجتماعية ثابتة: قد ترتفع حدة العتب، وقد يتسع الغضب، وقد تحدث مواجهات، لكن التقسيم يظل في المخيال الجمعي خطًا أحمر. بمعنى آخر، تمزيق الجغرافيا الليبية لا يعني فقط تغيير حدود سياسية، بل يهدد الهوية المشتركة ذاتها، ولذلك لا يستطيع المجتمع الليبي تحمل تبعاته.
ومن ناحية علم الاجتماع، يمكن النظر إلى التدفق البشري عبر التاريخ بوصفه دليلًا على وحدة عضوية مستمرة. إذ لم تكن الهجرات من الغرب أي طرابلس إلى الشرق أي برقة مجرد انتقال جغرافي، بل عملية تمازج اجتماعي أنتج علاقات مصاهرة ووشائج قرابة يصعب فصلها. وتُعد تجريدة حبيب عام 1633م شاهدًا على ذلك: فقد انتقلت كتل بشرية من مناطق مثل تاجوراء وزليتن ومصراتة وورفلة إلى الشرق، مما ساعد على أن يصبح النسيج الديموغرافي في مدن مثل بنغازي امتدادًا حيويًا للمنطقة الغربية. وبذلك يصبح التمازج عاملًا يعمّق الروابط التجارية والاجتماعية بين طرابلس وبنغازي، ويؤكد أن ليبيا كيان قائم على التشابك العضوي أكثر من كونه مجرد حدود أو إدارة سياسية متغيرة.
إن هذا التمازج الديموغرافي لم يكن باتجاه واحد؛ بل شكّل شبكة من الهجرة الداخلية المتبادلة. إذ استقرت في عمق الغرب الليبي قبائل ذات جذور شرقية، مثل وجود البراغثة من العواقير داخل قبيلة ورفلة، ووجود الرواجح من أولاد حمد في القره بوللي. وهكذا لم تعد العلاقة بين الجهات تُفهم بوصفها شرقًا مقابل غربًا، بل بوصفها تداخلًا بشريًا جعل النسيج القبلي شبكة مصالح وقرابات تتجاوز الحدود الإدارية.
ومن منظور سوسيولوجي، لم تكن القبيلة الليبية وحدة اجتماعية مغلقة، بل كانت تاريخيًا بمثابة دعامة داخلية لحماية العاصمة طرابلس. فقد قام المجتمع القبلي بدور أساسي في إسناد المقاومة ضد الغزاة، وفي الدفاع عن المدن حين تتغول السلطات وتتعسف.
كما أن العلاقات بين القبائل لم تُبنَ فقط على منطق الخصومة الدائمة، بل نظمت عبر نظام الصفوف: وهو نظام أحلاف اجتماعي-سياسي بالغ التعقيد، يقوم على مواثيق شرف تحفظ توازن القوى وتدير النزاعات. وعمل نظام الصفوف بوصفه آلية تقليدية للتحكم في الصراع؛ فكان يوفر ما يشبه سلمًا باردًا، يمنع انهيار المجتمع بالكامل حتى في الظروف القاسية. ومع تصاعد الخطر الوجودي، لا تظل هذه الأحلاف أسيرة الحسابات الضيقة؛ إذ يستفز الغزو الخارجي الوعي الوطني الكامن، ويدفع القبائل إلى الاصطفاف في جبهة موحدة لحماية الوطن.
وتبرز اتفاقية مسلاتة أو ميثاق مسلاتة كأحد أبرز تجليات هذا الوعي، إذ جسدت صلحًا تاريخيًا وتعهدًا وطنيًا تجاوز الخصومات القبلية لصالح مشروع وحدوي حديث مثل الجمهورية الطرابلسية. ويتجسد هذا الوعي أيضًا في معركة القرضابية، التي انصهرت فيها أقاليم ليبيا الثلاثة في مواجهة الاحتلال، لتظل هذه المحطات جزءًا من الذاكرة الجمعية بوصفها دليلًا على أن الوحدة الليبية أصل تاريخي، وأن ما عداها من بوادر فرقة يبقى في نظر المجتمع أمرًا طارئًا قابلًا للتجاوز.
إن تلك المشاهد التاريخية هي حلقات في ديناميكية اتصالية تؤكد أن ما تعانيه ليبيا المعاصرة هو إعادة إنتاج واستدعاء لترسبات بنيوية لم تُفكك في الذاكرة الجمعية. وعند الانتقال لتشخيص واقع ما بعد 2011م، نجد أنفسنا أمام ضرورة تفكيك الذاكرة وتجريدها من الأدلجة لرصد الظواهر في سياقها الموضوعي؛ حيث يمكن توصيف أحداث 2011م بأنها انفجار بنيوي واجتماعي ناتج عن تراكم الإحباطات والآمال المكبوتة للإطاحة بنظام تسلطي اتسم بالاستقرار الساكن المفروض قسراً. ومع ذلك، عانى هذا الحراك من فراغ أيديولوجي وغياب للمرجعية والقيادة السياسية المنظمة، مما جعله أقرب سوسيولوجياً لمفهوم الانتفاضة الشعبية أو الخروج على السلطة منه إلى مفهوم الثورة مكتملة الأركان البنيوية والتنظيمية.
لقد أدى استمرار النظام السابق لأكثر من أربعة عقود، تحت غطاء الضبط الاجتماعي والأمني القسري، إلى حدوث قطيعة جيلية عطلت التنشئة السياسية وتسلسل الخبرات المجتمعية في المناحي كافة.
فقد صُممت قواعد الهندسة السياسية لإقصاء أي فاعل اجتماعي أو سياسي محتمل، محولةً الدولة إلى هيكل يختزل المجال العام والمؤسسات في سلطة الفرد الكاريزمية المطلقة على قمة الهرم؛ فهو الذي يحاور ويشاور شكلياً، لكنه ينفرد بصناعة القرار في معزل عن الفواعل المؤسسية. هذا الانسداد البنيوي والتاريخي أورث المجتمع وعياً مشوهاً ومغترباً عن مفهوم الدولة، تجلّت آثاره بوضوح في ارتباك أنماط الانتقال السياسي عقب مقتل رأس السلطة. لقد شهد النظام السياسي قبيل سقوطه حالة انكشاف بنيوي حاد؛ إذ لم تعد آليات الضبط الاجتماعي والأمني التقليدية كافية لاحتواء الزخم والحراك المجتمعي، مما دفع السلطة إلى الاستعانة بـأجهزة العنف المنظم (التشكيلات والكتائب الأمنية) في محاولة لإعادة إنتاج شرعيتها المتآكلة، ليجد النظام نفسه مواجهًا لضغوط الخارجية والانشقاقات النخبوية الداخلية. ومع تصاعد الحراك، لعب المتغير الخارجي دور المُيسّر البنيوي لعملية التحول عبر الدعم الإعلامي والعسكري، دون أن يعني ذلك اختزال الحراك في بُعده الدولي؛ إذ يؤكد التحليل السوسيولوجي وجود محددات ودوافع داخلية أصيلة للفعل الاحتجاجي، جعلت من العامل الخارجي عاملاً مُحفزاً لا مُنشِئًا لحالة التغيير.
ومع تصاعد الاندفاع نحو التغيير، تشكل لدى الفواعل الاجتماعية مخيال جمعي طوباوي إزاء وعود المرحلة القادمة، سرعان ما اصطدم بإعادة هيكلة علاقات القوة مع بروز فاعلين جدد أعادوا صياغة قواعد التفاعل وفق منطق الغلبة العسكرية؛ حيث تصدرت المشهد الروابط العصبية (المدن والقبائل) المنتصرة في الغرب والجنوب، بينما شهدت المنطقة الشرقية صعود تشكيلات أيديولوجية ذات أبعاد عقائدية، في ظل إعادة إنتاج واستقرار للمكانة القبلية التاريخية كبنية وسيطة، وهي المكانة التي مكنتها من ملء الفراغ المؤسسي، وممارسة الضبط الاجتماعي، والعمل كقناة تفاوضية تحمي الأفراد وتمنع التفكك الكلي للمجتمع عقب سقوط الأجهزة الرسمية للدولة.
إن هذا التحول الهيكلي أنتج انقسامًا حادًا في الذاكرة الجمعية بين سردية النصر وسردية الصدمة والهزيمة، مما تسبب في تصدع عميق في النسيج الاجتماعي. وتجلت أقسى تمظهرات هذا التصدع في سياسات التهجير القسري ذات الأبعاد الديموغرافية، فضلاً عن آليات الانتقام الاجتماعي التي طالت هويات مناطقية وقبلية برمتها. وللأسف، لم تكن النخب السياسية الناشئة بمثابة أداة للضبط أو الدمج الاجتماعي، بل ساهمت في تاجيج الانقسام والتفكك عبر أطر قانونية وقرارات سياسية أضفت شرعية رسمية على انقسام الذاكرة بدلاً من تحقيق العدالة الانتقالية وتضميدها.
كما اتسمت النخب السياسية التي تصدرت المشهد عقب سقوط النظام بـهشاشة مؤسسية حادة؛ حيث افتقرت الفواعل الحكومية المتعاقبة إلى الحد الأدنى من الكفاءة البيروقراطية والخبرة السوسيوسياسية اللازمة لإدارة التفاعلات في مرحلة انتقالية حرجة. بناءً على ذلك، تحولت أدوار القيادة إلى ارتجال في الممارسات، وهي ديناميكية كبّدت الاقتصاد الوطني كلفة باهظة دون تحقيق عوائد تنموية، مما ولّد وعيًا جمعيًا مغتربًا ومحبطًا يميل نحو مفاضلة بين حالة التفكك الحالية واستقرار الماضي المركزي. وعوضًا عن التركيز على بناء مؤسسات الدولة الجامعة، اتجهت السلطة التنفيذية (حكومتا الكيب وزيدان) نحو شرعنة وتمويل الجماعات المسلحة والمجالس العسكرية المحلية، لا سيما في البيئات القبلية والمناطقية التي صنفت نفسها كفواعل منتصرة. هذا التوجه البنيوي شرّع المجال العام أمام بروز قوى عسكرية موازية احتكرت أدوات العنف خارج إطار الدولة، وتحديداً التنظيمات ذات الأدلجة العقائدية المتشددة في المنطقة الشرقية (بنغازي ودرنة)، والتي استحوذت على الموارد والاعتراف الرسمي تحت غطاء الشرعية الهشة للسلطة المركزية.
ونتيجة لهذه المقاربات، انزلقت البنية السياسية نحو حالة من الفوضى الخلاقة؛ حيث رُهنت السلطة التنفيذية لشرعية مستعارة من فواعل ما دون الدولة (خاصة المكونات المسلحة ذات الصبغة المناطقية والقبلية)، في ظل غياب أو تفكيك مؤسسات الحكامة الأمنية كالجيش والشرطة. إن هذا الاعتماد النفعي المتبادل بين مركزية هشة وأطراف مسلحة، أدى إلى تآكل تمثلات مفهوم الدولة في المتخيّل الليبي، واستبداله بنموذج سلطة الغلبة والمحاصصة القبلية والمناطقية.
وفي عام 2014م، شهد مسار الانتقال الديمقراطي انتكاسة بنيوية حادة عقب الانتخابات البرلمانية الثانية؛ إذ أدى رفض نخب أيديولوجية فاعلة (كجماعة الإخوان المسلمين) لـقواعد اللعبة الديمقراطية (مخرجات الصندوق) إلى تحول الصراع إلى مواجهة صفرية بين تيارات الشرعية الدستورية وقوى الرفض المسلح. ولم تكن هذه الديناميكية مجرد صراع على السلطة، بل تحولت إلى حرب استنزاف داخل العاصمة طرابلس، أعادت إنتاج الهويات القبلية والمناطقية، وأحدثت تفككًا عميقًا في البناء الاجتماعي، بفعل الاستقطابات المناطقية والقبلية الحادة.
وفي التوقيت ذاته، كانت مدينة بنغازي تشهد فصلاً آخر من فصول الصراع، تمثل في مواجهة صفرية مسلحة بين التنظيمات العقائدية الراديكالية وتشكيلات المؤسسة العسكرية التقليدية (وعلى رأسها قوات الصاعقة)، مما عمق حالة الاستقطاب الوجودي في الذاكرة الجمعية لشرق البلاد. ومع اتساع رقعة الاقتتال، تراجعت السيادة الوطنية لصالح التدويل القسري للأزمة؛ حيث تنازل الفاعلون المحليون عن استقلاليتهم البنيوية مقابل ارتهانهم للمحاور الإقليمية والدولية، ليتحول الفاعل الدولي إلى المهندس الأساسي لقواعد التفاعل السوسيوسياسي، والمتحكم في مسارات التصعيد والتهدئة. لقد أنتجت مآلات ما بعد 2014م حالة اغتراب سياسي حاد وشعوراً بالخذلان البنيوي داخل المجتمع الليبي؛ نتيجةً لتكريس سلطة الانقسام، وتدهور الأوضاع المعيشية والأمنية. وباتت الدولة مرتهنة لرهانات جيوسياسية خارجيّة أخفقت في تلبية الحد الأدنى من تطلعات التغيير، بل وحوّلت الذاكرة الوطنية من مخيال جمعي تحرري إلى واقع مثقل بالتقسيم والتبعية والارتهان للخارج.
في خضم هذا الانسداد البنيوي، انفتحت آفاق التدخل الدولي عبر مسارات الأمم المتحدة لمحاولة ترميم التصدعات الهيكلية؛ فكان اتفاق الصخيرات (2016) وما تلاه من مسار جنيف (2021) بمثابة تفاهمات فوقية لإعادة تدوير وتوزيع الأدوار بين النخب.
غير أن الحكومات المنبثقة عنها (الوفاق، ثم الوحدة الوطنية) واجهت أزمة الشرعية الإجرائية المنقوصة؛ إذ لم يدرك فاعلوها أن نيل الاعتراف القانوني أو المؤسسي ليس شرطاً كافياً لاكتساب الشرعية التاريخية والاجتماعية.
فالشرعية في المتخيّل السياسي الليبي لا تُمنح بصكوك خارجية أو تفاهمات هشة، بل تُكتسب عبر شرعية الإنجاز والقبول المجتمعي والاستجابة الواعية لمتطلبات الواقع المعيشي.
وقد تعمق هذا المأزق بشكل صارخ مع حكومة الوحدة الوطنية، التي طرحت خطابًا تمحور حول توحيد المؤسسات، فإذا بها تتحول إلى أداة لـتوطين الانقسام وتثبيته من جديد. لقد أدى العجز عن إيجاد تسوية بنيوية شاملة إلى إعادة إنتاج ثنائية المراكز المتنافسة، بعد أن اتجهت السلطة التشريعية إلى استحداث سلطة موازية، مما أعاد إلى الأذهان مشهد عام 2014 بوجوه ونخب جديدة. هذا التفكك المؤسسي لم يدمر البنية الإدارية فحسب، بل عمّق جراح الذاكرة الجمعية التي دخلت مرحلة فقدان الثقة في المؤسسات وإمكانية الإصلاح؛ فتصاعدت موجات الاحتقان والتململ الاجتماعي نتيجة تردي الشروط الاقتصادية، في مفارقة سوسيولوجية مؤلمة بين دولة ريعية غنية بالموارد، وبنية مجتمعية تكابد من أجل تأمين الحد الأدنى من شروط البقاء.
ومع هذا الانسداد الهيكلي المستحكم، يظل اللاوعي التاريخي والمخزون الثقافي المشترك للمجتمع الليبي يفرز آليات للمقاومة والتماسك؛ فالتاريخ الاجتماعي والسياسي لليبيا، الذي شهد دورات صراع وانقسامات أكثر حدة في القرون الماضية، يؤكد سوسيولوجياً أن مراحل السيولة والتفكك غالباً ما تسبق نضوج الهوية الوطنية الجامعة.
إن الأزمة الراهنة هي مرحلة تفاعلية أخرى من صراع بناء الدولة وتشكّل الهوية، في انتظار تشكّل وعي جمعي يُغلب الذاكرة والمشترك الوطني على المصالح الفئوية للنخب، لتستعيد البنية المجتمعية الليبية وحدتها العضوية الوظيفية في مواجهة ديناميكيات التدويل. إن تفكيك هذا التناقض البنيوي في الأزمة الليبية يمر حتمًا عبر إنهاء ثنائية السلطة وهيكلية المراكز المتنافسة التي استنزفت موارد الدولة؛ وهي ثنائية تتجاوز مجرد تعدد الواجهات الحكومية الرسمية، لتكمن في وجود فواعل مسلحة موازية تحتكر أدوات العنف المادي قسرًا وتفرض إرادتها فوق المؤسسات التشريعية والتنفيذية. وهنا تكتسب شهادة رئيس الوزراء الأسبق (عبد الرحيم الكيب) حول خضوع الحكومات لسلطة عليا، حيث تحولت الجماعات المسلحة إلى الفاعل البنيوي المهيمن خلف ستار المؤسسات البيروقراطية الهشة.
بناءً عليه، يتطلب الواقع المعاش الانتقال نحو مرحلة الضبط الاجتماعي والمؤسسي السيادي؛ كشرط استباقي وبنيوي لا غنى عنه لتأسيس حقل ديمقراطي حقيقي. فالممارسة الديمقراطية وآليات الاقتراع لا يمكن هندستها في فراغ مؤسسي أو مناخ من السيولة الأمنية، بل تستلزم مؤسسات دولة صلبة تحتكر العنف الشرعي لحماية المخرجات السياسية من الإكراه المسلح.
فالتحول الديمقراطي هو ديناميكية تفاعلية تحتاج إلى إطار مؤسسي وبنيوي يستوعب التطلعات والخيارات المجتمعية ويقننها في وظائف بنيوية مستقرة.
وأخيراً، تنادي الذاكرة الحية بضرورة التجديد الجيلي؛ فلكل سياق تاريخي نُخبه، في حين يمثل إعادة إنتاج النخب المستهلكة، واستبقاء الوجوه التي ارتبطت بمرحلة الفشل والنزاع، الظاهرة الأكثر تعميقاً للاغتراب الاجتماعي.
إن الرهان المستقبلي بات مرهونًا ببزوغ نخب سياسية جديدة، يتسم ولاؤها بالانتماء العضوي للدولة الوطنية الجامعة؛ نخب تعي تماماً ضرورة إحداث قطيعة إبستمولوجية وعملية مع ممارسات الفشل الماضي، وتتحيز كلياً لمشروع إعادة بناء الدولة. فالتاريخ لا يرحم الفواعل التي تصر على تكرار أدوار العجز البنيوي، بل يفتح ذراعيه لمن ينجح في تحويل صدمات الذاكرة إلى طاقة حية لبناء مؤسسات الغد.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خربشات على الملخص التنفيذي لتقرير التنمية البشرية في ليبيا 2 ...
- هندسة المعرفة البحثية: من التشبع إلى التجلي في الكتابة السوس ...
- متلازمة الهزال الفكري بين ثالوث التفاهة واللامعنى والسيولة ا ...
- هندسة السرديات المزيفة وآليات الهيمنة السياسية
- قسم علم الاجتماع بجامعة سرت يستعيد نبضه الأكاديمي: قراءة في ...
- لماذا نكتب في علم الاجتماع؟
- أخلاقيات البحث العلمي في العلوم الاجتماعية بين التنظير الغرب ...
- صناعة جدار الصد المعرفي: إستراتيجيات صيانة الذاكرة الوطنية ف ...
- الزهايمر السياسي كآلية للهيمنة وبنية وظيفية للسلطة في ليبيا ...
- السيادة المعرفية والذاكرة العربية: لماذا نحتاج أرسيف في مواج ...
- ليزا أندرسون تُحرّك سؤال الذاكرة: لماذا يغيب الباحث الليبي؟
- التعليم في ليبيا: دعوة لانتشال الخطط من كينونة الوزير إلى ال ...
- الابتكار في ليبيا خارج التغطية الدولية: من المسؤول عن تصفير ...
- سوسيولوجيا الذاكرة في الجامعات الليبية: مراجعة الثقوب السودا ...
- الذاكرة الليبية العابرة للأجيال في مواجهة الزهايمر الجيوسياس ...
- الهوية الوطنية: من الحشو إلى الممارسة.. سوسيولوجيا تفعيل الذ ...
- التعليم العالي في ليبيا.. استعادة الاستقلالية أم الاستمرار ف ...
- هل نحن بحاجة إلى رخصة لقيادة الحياة الزوجية؟.. نحو رؤية اجتم ...
- سوسيولوجيا تأميم العقول: الجامعات الليبية وهيمنة الفكر الواح ...
- علي شريعتي.. وميضُ العقل في عصر الاستحمار الرقمي


المزيد.....




- -غير شريفة-.. ترامب يهاجم إيران بعد تسريب شروط الاتفاق للإعل ...
- لحظة مقتل رضيع فلسطيني.. فيديو يخالف رواية الجيش الإسرائيلي ...
- قطر ترد على تقرير أمريكي -مريب- حمل اتهامات -خطيرة- للدوحة.. ...
- عائلات في غزة تبحث بين الأنقاض بعد غارات إسرائيلية على منازل ...
- كيف ساهمت تدريبات الطوارئ في الحد من ضحايا الزلزال في الفلبي ...
- الاستمرار البيئي للإمبراطورية في العالَم العربي/ د. مروى داو ...
- مارك زوكربيرغ يخسر نصف ثروته خلال تسعة أشهر
- -سبيس إكس- تتفوق على أرامكو السعودية في سابقة تاريخية
- مفوضة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تشبه معاملة إسرائ ...
- بوتين: الناتو يشن حربا ضد روسيا بدأت بانقلاب عسكري في أوكران ...


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - جدلية الذاكرة الوطنية والدولة في ليبيا: من الصراعات البنيوية إلى مأزق التحول الديمقراطي