أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هندي الهيتي - صراع التمدن واليباس














المزيد.....

صراع التمدن واليباس


هندي الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 18:32
المحور: قضايا ثقافية
    


تخنقني الدموع وتكبر الغصة في صدري كلما قرأت رسائل متبادلة لعراقيين عاشوا في غياهب السجون، وطحنهم المنفى وهم يحلمون بشربة ماء من دجلة أو بموجة من الفرات. إنها مشاعر تنكأ جرح الوجع العراقي، وتكشف عن حجم العذاب الذي كابده العراقيون؛ سواء في الداخل تحت وطأة الظلم، أو في أروقة المنافي والمغتربات الباردة.
ملايين الأرواح، منذ لحظة التأسيس الأولى، مروراً بانتكاسات ما بعد الثورة، وصولاً إلى المحطات الأكثر قسوة بعد عام 1963 وحتى يومنا هذا، تتوارث الغربة والقهر. تتوسع الملاحقات والاغتيالات، وتتعمق أساليب التعذيب وتتنوع أشكالها، وتتعدد طرق الموت؛ من اغتيال في الطرقات، وتفجيرات وحشية في الأسواق، إلى مسالخ بشرية في المعتقلات. لأجل ماذا؟ ومن المتسبب في كل هذه الفجيعة المستمرة؟
لقد باتت تترسخ في داخلي قناعة مريرة، وهي أننا — نحن العراقيين — نصنع عذاباتنا بأيدينا. كأننا لسنا شعباً واحداً، بل «عراقيان» في جسد ممزق: عراقي ينتمي إلى نسل سومر وبابل وآشور، يحمل في جيناته إرث الحضارة، ويتقبل قيم التمدن بأجمل صورها، ويحلم بأن يغرسها في تربة ما بين النهرين مستلهماً روح الحضارة وشغف البناء. وعراقي آخر، غلبت عليه ثقافة الجفاف والقسوة، وعقلية التخلف وجفاء الصحراء والإقصاء التي لم تروضها طيبة أرض الرافدين، فظل يحمل يباس الفكر ووحشية السلوك.
في البدء، كان الاثنان شبه منعزلين، وكلٌّ يعيش في بيئته، وما إن ارتجت الأرض وتحولت السياسة حتى اختلط النمطان، وبدأت منافسة شرسة تطورت إلى ما يشبه حرباً وجودية لا تهدأ. بدأت حين ذاق الطرف الآخر لذة السلطة والوجاهة والمال، فتمادى في قسوته وجلافته وحقده، بديكتاتورية لا توصف إلا بالوحشية، استمرت لعقود؛ ليتشتت الآخرون في موجات الهجرة والشتات وبرد الغربة، أو يقعوا ضحايا لموجات القمع الداخلي واقتلاع كل ما يمت بصلة للإبداع والتنوير.
نعم، كل الشعوب فيها نمطان من الثقافة: نمط ينظر إلى المستقبل، وآخر متقوقع يخاف نور العلم.. لكن الذي يختلف عندنا أن هذا النمط (وبغفلة من الزمن) استطاع أن يستحوذ على السلطة، ويكشف عن كل أحقاده التاريخية ليدمر ويخرب ويقتل ويشوه وجه التمدن العراقي، ويشق نسيج المجتمع. ليشهد العراق انشقاقات وتصادمات طالت حتى بعض الأحزاب السياسية التي اعترتها موجة هذا الصراع، فانشقت إلى تيارات؛ ومن سوء الطالع أن الأجنحة المتخلفة هي من تسلمت مقاليد الحكم وما زالت.. وانكفأ الوجه الآخر مشتتاً، ممزقاً، تائهاً في بلدان المهجر، أو يلفه النسيان في غياهب السجون.
وما بين هذين النقيضين، لا نزال نعيش انقساماً هوياتياً وفكرياً حاداً؛ فكلما رجحت كفة القسوة والجهل، فاضت شوارعنا بالدم، وتقطعت أوصال الوطن، وتعاظم الجرح المتوارث. واليوم، نجد أنفسنا في دورة جديدة من الاستبداد والسطوة، لكنها الأشد إيلاماً؛ لأن السوط هذه المرة بيد من امتلك خبرة عقود في الوحشية والجلد.



#هندي_الهيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اول ناعور في التاريخ: سيمفونية الوجود على ضفاف الفرات
- الى صبحي يعقوب .. وفتاة البهو
- مدرسة الرفاق .. دروس لم يتعلمها الطائفيون...
- نحن الذين عرفنا الحروب... نخاف اكثر
- في الذكرى الثانية والتسعين للميلاد: الحزب الشيوعي العراقي.. ...
- صلاة لم تكتمل او صلاة خارج المدرعة
- اسماعيل يوسف -الملازم عمار-.. بوصلة الأيام وشموخ الجبل
- صبحي يعقوب.. دمعة تجمدت في زوايا الوطن
- الواقع والطموح لدول شرق المتوسط
- انتفاضة الأول من تشرين الأول الأسباب والنتائج
- بيان العاشقين رقم واحد
- عينيها بحر
- شطحات عاشق
- لقد غادرتنا بلا موعد
- قصص فنطازية جدا
- ومشينا
- مائة يوم ويوم
- تحت الجدارية
- إجمعوها من الشعب
- بطاقات بلون اذار


المزيد.....




- لافروف: ملتزمون بأمن الملاحة في العالم
- اتفاقية سعودية تركية في مجال النقل
- -إنذار كاذب- يتسبب بإخلاء وإغلاق جزئي داخل البنتاغون
- بعد إعلان السيطرة على وادي السلوقي.. قائد في لواء غولاني: -م ...
- ترامب يهدد بضرب إيران -بقوة شديدة- والسيطرة على جزيرة خرج
- ملفات إبستين تعيد فتح لغز اختفاء شابة ألمانية منذ عام 2015
- الجزائر وفرنسا.. حوار ندّي وتقارب حذر
- قاليباف يحذر أمريكا من نقطة الصفر ومستنقع لا نهائي بعد تهديد ...
- ترامب يعلن إلغاء الضربات وعمليات القصف التي كانت مقررة ضد إي ...
- السفير الأميركي في إسرائيل: منطلقات دعمنا لتل أبيب عقائدية و ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هندي الهيتي - صراع التمدن واليباس