أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هندي الهيتي - صلاة لم تكتمل او صلاة خارج المدرعة














المزيد.....

صلاة لم تكتمل او صلاة خارج المدرعة


هندي الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:41
المحور: الادب والفن
    


صدر أمر التحاقنا بـ "قاطع الطيب" بصفتنا مفرزة صواريخ مضادة للدروع. كانت المفرزة تتكون من أربعة جنود: آمر المفرزة (وهو رامي صواريخ) ومساعده، إضافة إلى سائق المدرعة، ومخابر درع لاسلكي، الذي كنت انا أشغله.

بعد أن سلّم آمر المفرزة — وكان برتبة نائب ضابط متطوع — كتاب التحاقنا ضمن أحد أفواج المشاة المنتشرة في القاطع إلى آمر الفوج، أوعز الأخير إلى ضباطه بتحديد الموقع الذي سنشغله. صعد الضابط معنا في ناقلة أشخاص من نوع (M113) أمريكية الصنع، كانت تستخدمها الشرطة المحلية في الخمسينيات. كان الضابط برتبة ملازم مجند، شاباً خريج جامعة بغداد/ كلية الآداب/ قسم الترجمة؛ كان ما يزال يعيش أحلام الجامعة وأيام الدراسة، وقد ظهر ذلك من خلال تقديمه لنفسه، ومما زاد من انسجامه معنا معرفته بأني خريج جامعة الموصل ومن الدورة ذاتها. تحدثنا عن ذكريات الجامعة وعما ستؤول إليه حياتنا ونحن نخوض أيام المعارك بحذر وخوف على أحلامنا من أن تضيع تحت سرف الدبابات وبساطيل الجنرالات.

ابتعدنا عن مقر الفوج مسافة تزيد على الكيلومتر في أرض شبه مستوية، وقرب تلة طينية توقفت الناقلة بأمر من الضابط الذي ترجل منها، وأخذ ينظر يميناً وشمالاً، ثم ارتقى سفح التلة وأشار إلى آمر مفرزتنا بأن يكون مقرنا هنا، ووعد بإرسال "آلية شفل" بعد الغروب لحفر ملجأ لنا وللناقلة، وأمر بركنها خلف التلة حتى يكتمل الحفر، ثم غادرنا عائداً مع جنديه المرافق إلى مقر الفوج.

كنا في منتصف شهر رمضان، والجو حار جداً، وعلى ما أذكر كنا في النصف الأخير من حزيران، وكان أفراد المفرزة جميعهم صائمين. ما إن تركنا الضابط والوقت يقترب من الظهيرة حتى بدا التعب والإعياء على الجميع؛ ففتحوا الباب الخلفي للناقلة وناموا، وبقيت وحدي أرتب المستلزمات، من تحضير ماء الشرب وأدوات الطبخ لإعداد طعام الإفطار. كنت بين الحين والآخر أمرُّ عليهم وهم نيام، والعرق يتصبب من جباههم ورقابهم بسبب الحرارة الشديدة التي زاد من لهيبها حديد جدران وسقف الناقلة، فكنت أرش الماء على وجوههم وأبلل قطع القماش لأضعها فوق ملامحهم المتعبة.

كانت أجواء الجبهة هادئة، ولم نكن نسمع أي قصف مدفعي أو سقوط قذائف معادية. أحضرت وجبة الإفطار مما كان لدينا من مواد، إضافة إلى "الأرزاق" التي خصصها لنا الفوج المضيف. ومع اقتراب موعد الإفطار، أيقظت أفراد الحظيرة لتناول الطعام بعد الغروب، حيث كانوا يفطرون على أذان بغداد الذي نلتقطه عبر المذياع الذي كان معي.

ما إن حل الظلام حتى سمعنا صوت آلية الحفر التي وعدنا بها الملازم، يرافقها نائب ضابط من مقر الفوج وأربعة جنود لمساعدتنا في إكمال بناء الملجأ. وما إن أنهى "الشفل" عمله وانسحب، حتى بدأ القصف الإيراني يتساقط حولنا، فكنا نحتمي في الحفر أو تحت الناقلة، وعندما يهدأ القصف نخرج للعمل، حتى انتهينا من الملجأ بعد منتصف الليل. انسحب نائب الضابط وجنوده، وبدأنا بتقسيم الواجبات وتجهيز أماكن نومنا وسط أجواء القصف الكثيف الذي بدا أنه روتين يومي يبدأ من دخول الليل وحتى ساعات الفجر الأولى.

بعد أن اعتدنا المكان، أخبرني آمر المفرزة أنه سيذهب في إجازة (غير رسمية) لمدة يومين، وسيتركني وحدي مع جندي التحق بنا قبل أقل من شهر، وليس لديه أي فكرة عن جبهات القتال. لم أعترض، بل وافقت وتوليت الأمر. غادر الآمر مع سيارة الأرزاق التي تأتي ليلاً خوفاً من استهدافها. كانت الجبهة في النهار تبدو خالية من أي حركة، كان العدو يستهدف أي تحرك يلمحه فوراً.

بقيت أنا والجندي "الطفل" الذي كان يرتجف خوفاً عند سماع دوي الانفجارات، ويختبئ تحت الناقلة عند انطلاق مقذوفات التنوير التي تحول ظلام الليل إلى نهار. كنا نبقى يقظين حتى وقت السحور، وبعد أن يصلي الفجر ينام، فأتركه وأمر عليه بين الحين والآخر لأرطب وجهه بقطعة قماش مبللة من شدة الحر.

عند الغروب، اشتد القصف الإيراني على القاطع، فكنا نحتمي داخل الناقلة لأن ملجأنا لم يكن محصناً كفاية. كانت قذائف الهاون تتساقط حولنا، ونسمع صدى ارتطام الشظايا بجسم الناقلة الحديدي. قام ذلك "الجندي الطفل" ليتوضأ استعداداً لصلاة المغرب، وقال بهمس: "سأخرج للصلاة خارج الناقلة". منعته قائلاً: "هل جننت؟ ألا تسمع أصوات القذائف؟". لكنه أصر بعناد ورفض الصلاة بالداخل رغم ما أوردته له من رخص دينية كنت أحفظها آنذاك. أصرّ بعنادٍ يكاد يكون مدفوعاً بجهة خفية، أو قل "وحي ملك الموت ,أفلت يده من قبضتي وفتح الباب وخرج. كنت أطمئن نفسي بأنه سيعود، فقد هدأ القصف قليلاً. وما إن وقف خاشعاً يؤدي السجدة الأولى بسلام، حتى نهض ليكمل ركعته الثانية، وفي تلك اللحظة.. رأيت جسده بلا رأس؛ بعد أن قطعتها شظية سقطت قريباً منه.صرخت صرخة أفقدتني وعيي إلى اليوم التالي، لأفتح عينيَّ وأنا في وحدة الميدان الطبية، مربوطاً إلى سرير، وأنبوب "المغذي" يصل يدي بحاملة بجواري.



#هندي_الهيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- اسماعيل يوسف -الملازم عمار-.. بوصلة الأيام وشموخ الجبل
- صبحي يعقوب.. دمعة تجمدت في زوايا الوطن
- الواقع والطموح لدول شرق المتوسط
- انتفاضة الأول من تشرين الأول الأسباب والنتائج
- بيان العاشقين رقم واحد
- عينيها بحر
- شطحات عاشق
- لقد غادرتنا بلا موعد
- قصص فنطازية جدا
- ومشينا
- مائة يوم ويوم
- تحت الجدارية
- إجمعوها من الشعب
- بطاقات بلون اذار
- 14تموز والهوية الوطنية
- لو كنا اكثر وعيا
- لو فازت اتحاد الشعب
- من اين لكم هذا ؟
- جولة في مصايف هيت
- لا تترحموا على سارقي الاكفان


المزيد.....




- سينما ضد الموت والدمار.. 10 أفلام صورت بشاعة الحرب
- أسماء المدير تتصدر الفائزين بدعم صندوق مهرجان روتردام السينم ...
- التشيع العربي والفارسي: كتاب يشعل الجدل ويكسر المحرّمات
- وفاة الكاتب والمترجم المغربي عبد الغني أبو العزم
- -فاميلي بيزنس- و-برشامة- و-إيجي بيست-.. أفلام عيد الفطر في م ...
- يعرض في صالات السينما السعودية بعيد الفطر.. -شباب البومب 3- ...
- لودريان: التفاوض هو المخرج الوحيد للحرب في لبنان وإسرائيل فش ...
- نازحون على خشبة مسرح صور.. قصة ملجأ ثقافي في زمن الحرب
- -لا للحرب-... -الحرية لفلسطين-. كيف تحول حفل الأوسكار الـ98 ...
- أزياء لمصممين عرب تخطف الأنظار في حفلي الأوسكار و-فانيتي فير ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هندي الهيتي - صلاة لم تكتمل او صلاة خارج المدرعة