أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هندي الهيتي - اول ناعور في التاريخ: سيمفونية الوجود على ضفاف الفرات














المزيد.....

اول ناعور في التاريخ: سيمفونية الوجود على ضفاف الفرات


هندي الهيتي

الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 16:23
المحور: قضايا ثقافية
    


لنتخيّل معًا، ونحن نقف اليوم على دالية نواعير قندي، كيف كان هذا المكان قبل أكثر من خمسة آلاف عام. كيف زُرعت أول نخلة في التاريخ؟ وكيف سُقيت تلك الفسيلة من ماء نهر الفرات، وهو يفصلها عنه عمقٌ سحيق يزيد على عشرة أمتار؟
كيف استطاع ذلك الإنسان الأول أن ينقل الحياة من قلب النهر إلى عروق تلك النخلة، لتبقى خضراء، تعطي رطبًا جنيًّا، وتستمر في العطاء إلى يومنا هذا؟ لنتأمل حال الأرض قبل أن يراود ذلك المبدع خاطرُ الزراعة، وقبل أن يبتكر وسيلة لنقل الماء من النهر "القريب البعيد".
لنتخيّل جدّنا الأول واقفًا وقفتنا هذه: النهر أمامه يتدفق، وخلفه فسيلة عطشى تذبل. كيف فكّر؟ وكيف جرّب؟ وكم استغرقه الأمر من محاولات وإخفاقات حتى توصّل إلى تشييد "الناعور الأول"، لينساب منه الماء عذبًا فيروي شجيرات النخل، وتين الهوى، والسفرجل، والتوت، وسائر الفواكه التي تجود بها أرض هيت قبل عصور سومر وأكد؟
لقد كانت الحيرة تملأ قلبه، وهو يرى الماء يجري في عمق الحوض، بينما فسيلته تكبر، ويزداد عدد جاراتها من الأشجار التي تعلّم زراعتها، حتى لم يعد قادرًا على سقيها يدويًا بصعوده ونزوله المستمر، في حركةٍ مضنية تستغرق نهاره وجزءًا كبيرًا من ليله.
كم من الوقت مضى، وذلك الجدّ المكافح يختبر الفشل تلو الآخر، حتى استقرّ على هذا التصميم الهندسي الفريد؟ هل فكّر في استخدام البكرة أولًا؟ أم كان ابتكار "عجلة الناعور" هو الشرارة الأولى التي غيّرت وجه الحياة؟
مهما تكن الرواية، فاليقين أن أجدادنا في هيت لم يصلوا إلى هذا المنجز إلا بعد أجيال من المحاولة. ولم يقف طموحهم عند اختراع العجلة، بل غاصوا في أسرار الطبيعة ليكتشفوا "النورة" ويطوّعوها في بناء أول "دالية" ثابتة، تقاوم تقلبات الزمن وتصمد في وجه التاريخ.
تخيّلوهم وهم يختبرون القير، والطين، والطين المفخور، والحجر المنحوت، حتى شيدوا بأيديهم تلك الصروح الحجرية الضخمة التي لا تزال قائمة تروي قصتهم. ولم يقتصر جهدهم على بناء الدالية التي يرتكز عليها الناعور، بل تدخلوا في توجيه جريان ماء النهر، ليصنعوا قوةً قادرة على إدارة الناعور؛ فوضعوا الأحجار على عرض النهر بشكل هندسي مدروس، يجلب الماء إلى الدالية من دون أن يعيق حركة المراكب.
سمّوا ذلك البناء "السُّكَّر"، وسمّوا فتحة الملاحة "الباب". وقد شُيّد هذا "السُّكَّر" بأحجار رُصفت على عرض المجرى من ضفة الدالية إلى الضفة الأخرى، في نهرٍ يزيد عرضه على أربعمائة متر. وقد قُلعت تلك الحجارة من مقالع بعيدة نسبيًا، وكُسرت ونُقلت بواسطة الحيوانات إلى جرف النهر، ثم نُقلت مرة أخرى بالشختور والبلم و"الكفّة" إلى مواقعها في عرض النهر.
ولكم أن تتخيّلوا آلاف الأطنان من الحجارة تُرصّ بتلك الوسائل البدائية، فتؤدي الغرض منها بإتقان. كم كانت ستستغرق هذه العملية لو أُنجزت في عصرنا الحديث، على يد شركات متخصصة بكل كوادرها وآلياتها ومخططاتها؟
ثم تخيّلوا أيّ شعورٍ غمر جدّنا الهيتي الأول، وهو يرى الماء ينساب بهدوء، ولأول مرة، في أول ساقية شُقّت من الناعور نحو الفسيلة. كيف كان وقع ذلك المنجز؟ ومن حضر ذلك الحدث المهيب؟
لقد رقص الجدّ فرحًا، وهو يسمع أول "سيمفونية" في التاريخ؛ ذلك الأنين الشجي الذي تصدره حركة الناعور، نغمٌ يمزج بين تعب السنين، وحزن الفقد، وزهو الانتصار الأخضر. وفي تلك الليلة، نام الجدّ أول ليلة هادئة بعد مسيرة شاقة من التفكير والتجربة، ليستيقظ في الصباح لا على عناء الصعود والنزول، بل على نغمات الناعور، وتغريد الطيور التي تراقصت على جانبي الترعة الجديدة.
أخيرًا...
ألا تتفقون معي أن اختراع الناعور من أعظم الابتكارات في التاريخ؟ وأن ولادة هذه العجلة الدوّارة في هيت كانت منعطفًا مهمًا في مسيرة الإنسان نحو تسخير الطبيعة؟ إن هيت، بلا شك، واحدة من المحطات المضيئة التي أسهمت في بناء حضارة الإنسان، وقدّمت له شريانًا من شرايين الحياة.
فرضيات
الفرضية الأولى: من "النضح" اليدوي إلى "الترعة" الأولى
تشير التقديرات إلى أن عملية السقي بدأت بمجهود فردي مضنٍ، حيث كان الإنسان ينقل الماء بآنية فخارية، صعودًا ونزولًا بين النهر والفسيلة. ومع نمو الأشجار وطيب ثمرها، ازداد الشغف بالزراعة، فزاد عدد الفسائل وعدد السقاة.
وبدلًا من إرهاق الجميع في الصعود والنزول، ابتُكر نظام "المناولة"، حيث اصطفّ الناس على مسافات متساوية، فيغرف القريب من النهر ويسلّم الإناء لمن يليه، حتى يصل الماء إلى الجذور. وعندما اتسعت المساحات، شقّ الإنسان أول "ترعة"، لتنقل الماء انسيابيًا بين النخيل.
لقد استمر هذا الكفاح سنين طويلة، بل قرونًا، مدفوعًا بحلاوة أول تمرة، وأول تينة تذوّقها، حتى تكلّل هذا الصبر بابتكار "الناعور"، الذي حمل عنه عناء السنين، وخلّد اسمه في سجل المبدعين.



#هندي_الهيتي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الى صبحي يعقوب .. وفتاة البهو
- مدرسة الرفاق .. دروس لم يتعلمها الطائفيون...
- نحن الذين عرفنا الحروب... نخاف اكثر
- في الذكرى الثانية والتسعين للميلاد: الحزب الشيوعي العراقي.. ...
- صلاة لم تكتمل او صلاة خارج المدرعة
- اسماعيل يوسف -الملازم عمار-.. بوصلة الأيام وشموخ الجبل
- صبحي يعقوب.. دمعة تجمدت في زوايا الوطن
- الواقع والطموح لدول شرق المتوسط
- انتفاضة الأول من تشرين الأول الأسباب والنتائج
- بيان العاشقين رقم واحد
- عينيها بحر
- شطحات عاشق
- لقد غادرتنا بلا موعد
- قصص فنطازية جدا
- ومشينا
- مائة يوم ويوم
- تحت الجدارية
- إجمعوها من الشعب
- بطاقات بلون اذار
- 14تموز والهوية الوطنية


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - هندي الهيتي - اول ناعور في التاريخ: سيمفونية الوجود على ضفاف الفرات