أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - حيرة كاتب














المزيد.....

حيرة كاتب


محمد طالبي
(Mohamed Talbi)


الحوار المتمدن-العدد: 8733 - 2026 / 6 / 11 - 16:17
المحور: الادب والفن
    


أعترف أنني متردد.

ليس لأنني أجهل الموضوع الذي أكتب عنه، بل لأنني أعرفه أكثر مما ينبغي.

لقد تربيت في مدرسة الحركة الوطنية واليسار. تشكل وعيي على قصص المعتقلين والمنفيين والمختطفين، وعلى أسماء ارتبطت في الذاكرة بالنضال والتضحية. تعلمت أن أنظر إلى سنوات الجمر والرصاص من زاوية معينة، وأن أميز بسهولة بين الضحية والجلاد، بين من كان في صف الشعب ومن كان في صف السلطة.

لكن ماذا يحدث حين يقرر الكاتب أن يقترب من الضفة الأخرى؟

ماذا يحدث حين يجد نفسه مطالباً بالكتابة عن رجال الدولة الذين قضوا حياتهم وهم مقتنعون أنهم يخدمون الوطن؟ ماذا يحدث حين يحاول أن يفهم من كان يعتبرهم، بالأمس فقط، جزءاً من المشكلة؟

هنا تبدأ الحيرة.

هل كانوا جميعا مخطئين؟

وهل كنا نحن جميعاً على صواب؟

هل يمكن لتاريخ معقد أن يُختزل في رواية واحدة؟ وهل تكفي عدالة القضية لكي تجعل كل قراءات أصحابها صحيحة؟

كلما تقدمت في قراءة الوثائق والشهادات، ازداد اقتناعي بأن التاريخ أكثر عناداً من أن يستسلم لليقين.

فماذا لو أن بعض الذين واجهتهم المعارضة لم يكونوا مجرد خصوم للحرية، بل كانوا يخشون على الدولة من الانهيار؟

وماذا لو أن بعض القرارات التي نراها اليوم قاسية أو ظالمة كانت، في نظر أصحابها، دفاعاً عن وحدة بلد خرج لتوه من الاستعمار، وسط عالم مضطرب وصراعات لا ترحم؟

وماذا لو أن الخوف لم يكن يسكن المعارضين وحدهم، بل كان يسكن الحاكمين أيضا؟

لا أطرح هذه الأسئلة لأبرئ أحداً من مسؤولياته، ولا لأراجع قناعاتي الأساسية بشأن الانتهاكات التي وقعت، ولا لأساوي بين الضحية ومن تسبب في معاناتها.

أطرحها لأنني أخشى على الذاكرة من التحول إلى عقيدة.

فالذاكرة التي لا تقبل السؤال تتحول إلى أسطورة، والأسطورة لا تساعدنا على فهم الماضي بقدر ما تساعدنا على عبادته.

لقد اعتدنا أن نسأل: كيف أخطأت الدولة؟

وربما حان الوقت أحياناً لنسأل أيضاً: كيف أخطأت المعارضة؟

اعتدنا أن نبحث عن أخطاء الحاكمين، وربما علينا أن نتساءل كذلك عن حدود تقديرات المعارضين ورهاناتهم واختياراتهم.

ليس لأن الحقيقة توجد في المنتصف دائما، بل لأن الحقيقة الكاملة نادرا ما توجد في جهة واحدة.

لهذا أشعر بالحيرة.

حيرة الكاتب الذي يحاول أن يكون وفيا لذاكرته، دون أن يصبح أسيرا لها.

حيرة من يخشى أن يخون قناعاته إذا أنصف خصوم الأمس، ويخشى في الوقت نفسه أن يخون الحقيقة إذا رفض الاستماع إليهم.

وربما يكون هذا هو الامتحان الحقيقي للكتابة: أن تملك الشجاعة الكافية لتسائل يقينك، لا يقين الآخرين فقط.

فما قيمة الأفكار التي نحملها إذا كانت تخاف من الأسئلة؟
ومن هنا تولدت الفكرة.

فكرة أن أكتب عن رجال الدولة كما كتبت عن المعارضين، وأن أقترب من الوجوه التي ظلت طويلا في الضفة الأخرى من الذاكرة.

لا لأدافع عنها، ولا لأدينها، بل لأفهمها.

فإذا كان من حق الضحايا أن تُروى قصصهم، فمن واجب التاريخ أيضا أن يحاول فهم الذين صنعوا القرارات أو شاركوا فيها أو دافعوا عنها.

أعرف أن الأمر لن يكون سهلا. فكل اسم سأقترب منه سيوقظ في ذاكرتي روايات قديمة ومواقف راسخة وأحكاما من تشكلت عبر سنوات طويلة. لكن ربما تكون هذه هي المغامرة الحقيقية للكتابة: أن نغادر المنطقة المريحة التي نعرفها، وأن نجرؤ على طرح الأسئلة حيث اعتدنا ترديد الأجوبة.

لذلك لن أبحث في هذه السلسلة عن الأبطال ولا عن الأشرار.

سأبحث عن البشر.

عن رجال ونساء عاشوا زمنا صعبا، واتخذوا قرارات كبرى، وأصابوا وأخطأوا، وتركوا بصمتهم على تاريخ هذا البلد.

فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، ولا الضحايا وحدهم، بل يكتبه أيضا أولئك الذين وقفوا في الجهة الأخرى من المرآة.

ولعل فهمهم هو الطريق الأفضل لفهم أنفسنا أيضا.



#محمد_طالبي (هاشتاغ)       Mohamed_Talbi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من دكريات العطالة
- نضال طالبي
- مبادئ راريس و اللعب الغير نظيف
- الراقصة و الخضار
- سعيد بونعيلات
- حادة2
- جيرونيمو
- حوار مع البحر
- رسالة إلى أساتذة غير محتىمين
- حين يصبح التاريخ بثمن
- وزرة بيضاء وتاريخ احمر
- البرج
- عودة
- الخواء
- السؤال الصعب
- خبز و سكر
- حانة
- شيخ و زاوية
- اليافع
- امتننان


المزيد.....




- مسرح المونو يطلق جائزته الأولى.. تكريم شامل لصنّاع العرض الم ...
- إشهار -مؤسسة الكرامة للثقافة- في دمشق... دعوة لبناء الإنسان ...
- ذاكرة القدس البصرية (قراءة في تجربة الفنان المقدسي الراحل صل ...
- غزة تتصدر المشهد: حضور فلسطيني وعربي بارز في مهرجان فينيسيا ...
- رئيس وزراء بريطانيا: سنسلم كييف حقوق الملكية الفكرية الخاصة ...
- إدراج -سبسطية- الفلسطينية على قائمة التراث المعرض للخطر.. هل ...
- غادة العاملي تتحدث عن تأطير الذائقة العامة في جلسة أقامها ات ...
- -أيقونة الأزرق والأبيض-.. سيدي بوسعيد التونسية تدخل التراث ا ...
- خلال 60 يومًا.. تركي آل الشيخ يعلن تحقيق فيلم -7DOGS- أعلى إ ...
- في خيام النزوح.. أطفال غزة يتعلمون الموسيقى


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - حيرة كاتب