أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - حين يصبح التاريخ بثمن














المزيد.....

حين يصبح التاريخ بثمن


محمد طالبي
(Mohamed Talbi)


الحوار المتمدن-العدد: 8333 - 2025 / 5 / 5 - 16:12
المحور: الادب والفن
    


حين يصبح التاريخ بثمن.. يا وزير الثقافة!"

في غفلة من الحياة، لا من الزمن، قررتُ أنا وزميلي أن نشد الرحال إلى بني ملال، القلعة المناضلة، كما يحلو للذاكرة الوطنية أن تسميها. قلنا لعلنا نلتقي بعض الأصدقاء، ونشتري بعض الدكريات، وربما، على هامش الطريق، نلامس شيئًا من الدفء الإنساني، ذاك المفقود في المدن الكبيرة المعلبة بالعزلة.

وصلنا بني ملال وهي تغلي كما لو كانت فوهة بركان. حرارة الشمس كانت تلسعنا بلا رحمة، أو هكذا خُيّل إلينا بفعل التعب أو التأمل. المدينة كانت تنبض بالحركة، والأصوات تتعالى من هنا وهناك، اختلطت اللهجات بين السوسية والشمالية والبيضاوية، وسمعنا رباطيين يسايرون النبرة الملالية كأنهم من أهل الدار. المغرب كله هنا، حاضر في فسيفساءه اليومية، في اختلاط الحروف والوجوه والنوايا.

قررنا أن نصعد "إلى العين" كما يسميها أهل ملال، أو "عين أسردون" كما يسمّيها الزوار، ذاك المعلم الذي يأبى أن يتحول فقط إلى صورة على بطاقات بريدية. وبينما كنا نتهيأ لمتعة التأمل في تدفق الماء من عروق الجبل، لمحتُ لوحة معلقة على أحد الجدران: "مركز التعريف بالتراث الثقافي".

همستُ لصديقي بحماسة المثقف المتعطش:
ـ اليوم سنتعرف على شيء من المجد، سنتنشق رائحة البارود الذي سُكب هنا ذات مقاومة.
سندخل في ذاكرة أحمد الحنصالي، مبدع حرب العصابات، وسنحاور تمثالًا من نَفَس الثائر موحى او سعيد الويراوي، ذاك الذي أرعب فرنسا وزلزل قلاعها.

اقتربنا من باب المركز بخفة الأطفال حين يدخلون المتحف أول مرة. لكن، فجأة، صرخ أحد عمّال الحراسة من بعيد:
ـ راه الدخول ماشي فابور، أخويا!

تجمدت خطانا، وقلت له بانفعال ممزوج بالذهول:
ـ ياك المرضي، وليتو كاتبيعو حتى تاريخنا المشترك؟

ابتسم الرجل بسخرية لا تخلو من حزن، وقال بصوت تعب:
ـ خويا، أنا غير عامل حراسة، وحتى السميك محال واش واصل ليه...

ثم تابع، كمن يفضح عري السياسة بكلمات بسيطة:
ـ هاد الهضرة گولها للوزير!

خرجنا من هناك صامتَين، وكلّ منا يُجري حواراً داخلياً مع المرارة. كيف يعقل أن يصبح الدخول إلى ذاكرة الوطن مدفوع الأجر؟ كيف نطلب من شاب أنهكته الطريق، وأخرى أنهكها التعليم، أن يدفع ليتعرف على تاريخ أجداده؟ ألسنا من يُفترض أن نُكرم الحنصالي ورفاقه بتعليم أجيال كاملة سيرتهم لا بتسليعها؟

يا وزير الثقافة...
إذا كان لزاماً أن ندفع درهماً لنطل على وجوه الشهداء، فكم سنحتاج لشراء كرامتنا؟ وإذا كان هذا المركز يُدار بمنطق السوق، فمن سيشتري لنا حب الوطن؟



#محمد_طالبي (هاشتاغ)       Mohamed_Talbi#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وزرة بيضاء وتاريخ احمر
- البرج
- عودة
- الخواء
- السؤال الصعب
- خبز و سكر
- حانة
- شيخ و زاوية
- اليافع
- امتننان
- زمن مضى
- زقاق من زمن مضى
- موحى 2
- عبد الحق
- القليمية
- الجفنة
- المرض
- بوشعيب
- صدفة غريبة
- عند العطار


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد طالبي - حين يصبح التاريخ بثمن