أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي الجلولي - هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟















المزيد.....

هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟


علي الجلولي
كاتب وباحث


الحوار المتمدن-العدد: 8732 - 2026 / 6 / 10 - 11:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لعلّه من البديهي في عالمنا اليوم الإقرار بالدور الحيوي والنشيط الذي أصبحت تلعبه الوسائط الالكترونية في تمتين التواصل بين مختلف الفئات الاجتماعية على المستوى المحلي كما على المستوى العالمي. صحيح أن الثورة التكنولوجية هي صنيعة الرأسمالية في إطار سعيها المتواصل لتطوير منظومة الإنتاج ووسائله بما يعزز آليات النفوذ والسيطرة الاقتصادية / الاجتماعية منها، وكذلك الفكرية / الأيديولوجية على مجمل المجتمع. لكن في ثنايا ذلك وعلى تُخومه استفاد المجتمع بما فيه طبقاته وفئاته المفقرة والمضطهدة في هذه الطفرة العلمية الهامة، مثل استفادتها من مجمل الطفرات والتحولات التي شهدها العالم في عصرنا الحديث وخاصة المعاصر. لقد استطاعت الجماهير الكادحة بما اكتسبته بفضل التمدرس حتى في حدوده الدنيا، الاستفادة من بعض فوائد التقدم العلمي في مختلف المجالات بما فيها إمكانية توظيف وسائل التواصل الالكتروني لتطوير وعيها وأيضا تجويد ممارستها النضالية والاحتجاجية على كل الأصعدة النقابية والسياسية والجمعوية. ومقابل الكم الكبير من التوظيف البرجوازي للوسائل الالكترونية لتدمير الوعي والتحكم فيه وضرب الروح المعنوية والاحتجاجية والثورية لدى الجماهير الكادحة والشعبية، استطاعت هذه الجماهير وقواها التقدمية في اكثر من مرة توظيف هذا السلاح ضد مصاصي الدماء مثلما يجري اليوم ضد كيان الاحتلال الصهيوني حيث لعبت شبكات التواصل الالكتروني دورا عظيما في فضح ما يجد من جرائم في غزة والضفة ولبنان، وهو ما لعب دورا جوهريا في إيصال الحقيقة الى الرأي العالم العالمي الذي يعرف اليوم تحولا مهما يتجلى في اتساع حركة التضامن والمساندة لفلسطين قضية وشعبا. وتلعب وسائل التواصل الالكتروني وظيفة تعبوية نشيطة ضد الاستبداد ولدكتاتورية عوضت تقريبا ما كانت تقوم به طيلة عقود طويلة الوسائل الورقية من جرائد ومناشير والتي عوضت في الزمن الحديث وسائل التواصل والدعاية الشفوية التي استمرت لقرون لدى حركات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والثقافي.
وتحوز وسائل التواصل الاجتماعي اليوم حضورا لافتا في تفاصيل حياتنا بما فيها تلك التي تهم متابعة الشأن العام ومواجهة الاستبداد والظلم لا من جهة الفضح والتشهير فحسب، بل أيضا من جهة التعبئة للتحرك، وهي ظاهرة تهز كل العالم بما فيها البلدان التي آثرت "الخروج عن منطق العصر" بوضع الموانع والتقييدات القانونية والفعلية أمام الجمهور الواسع الذي يلج العالم الالكتروني مثلما هو الحال في بلادنا التي تتصاعد في اجهزتها الالكترونية المحاصرة حركة احتجاج تضاهي ما بات يُسمّى عند بعض السوسيولوجيين وعلماء السياسة ب "الانتفاضة الالكترونية" التي تتحدى سياسة التخويف الممنهج التي تعتمدها سلطة الاستبداد خاصة من انقلاب 25 جويلية.
- العالم الالكتروني يستقطب التونسيين
مثل بقية الشعوب والمجتمعات أصبحت الفضاءات الالكترونية في تونس تستقطب اعدادا كبيرة لا من اليافعين والمتعلمين فحسب، بل من كل الفئات بما فيها الأقل تعلما في الأرياف كما في المدن. وتشير الأرقام الرسمية الى أهمية هذا الاستقطاب، فحسب معهد الاحصاء فقد بلغ عدد مستعملي الانترنيت 77°/° من التونسيين سنة 2024، وتصل هذه النسب في المدن الى 81.4°/° مقابل 61°/° في الأرياف، وتبلغ هذه النسبة ذروتها في أوساط اليافعين (من 10 الى 18 سنة) اذ تصل الى 80°/°. وللعلم فان عدد مستعملي الشبكة العنكبوتية على المستوى العالمي لم يتجاوز سنة 2024 ال 62.3°/° أما سنة 2025 فبلغ 70 °/°. هذا ويقضي التونسي/ة 7ساعات ونصف يوميا أمام شاشة الانترنيت (مقابل 6 ساعات و40 دقيقة كمعدل عالمي). وحسب دراسة أعدتها مؤسسة "أمرود كونسيلتنغ" سنة 2024 فان التونسي/ة يقضي شهريا 67 ساعة في تصفح صفحات الفيسبوك"، و60 ساعة في "التيك توك"، و56 ساعة في "الانستغرام"، و42 ساعة في "اليوتوب"، أي ما مجموعه 225 ساعة شهريا (مقابل 3ساعات و20 دقيقة فقط للقراءة). هذا يعني أن انخراط التونسيين في العالم الالكتروني أصبح كبيرا ومتصاعدا، وبطبيعة الحال فان هذا الانخراط يسهل لديهم متابعة ما يجد في الشأن العام بما فيه الشأن السياسي خاصة مع التراجع الكبير للبرامج السياسية في وسائل الاعلام العمومية والخاصة بمقتضى الاستهداف الرسمي لكل المنابر السياسية سواء الإعلامية أو غيرها في إطار التصفية الممنهجة لمكسب الحريات الذي تحقق بعد الثورة. ان الانخراط الواسع في مختلف الوسائط الالكترونية أتاح الفرصة للعديد منهم لا للمتابعة فقط، بل أيضا للمشاركة في الحملات السياسية المختلفة التي أصبحت تتشكل وتتبلور ويتم تنشيطها في الفضاء الالكتروني قبل وصولها الى الأرض.
- وسائل التواصل الاجتماعي: الدعاية والتحريض
لقد تحولت وسائل التواصل الى الية نشيطة في مجالي الدعاية والتحريض، فالتونسيون الذين لا يتجاوز عددهم 12 مليون، يمتلكون في ماي 2024 أكثر من 16 مليون شريحة هاتف جوال، منها قرابة 10ملايين خط تستعمل الانترنيت، وهو ما حول جزء غالبا من الشعب التونسي الى تلقي المعلومات والاخبار من الشبكة العنكبوتية عوضا عن التلفزة والإذاعة والصحف. وبقطع النظر عن نوعية الاخبار وكيفية صناعتها وأهداف المواقع الالكترونية المعلنة والخفية، فان تحولا مهما حدث ولا زال يتعمق وهو سهولة الحصول على المعلومة في مختلف المجالات بما فيها المجال السياسي الذي أرادت السلطة مصادرته مثلما صادرته على الأرض باعتماد المرسوم 54 الفاشي الصادر في 13 سبتمبر 2022 الذي وضع كل القيود باسم التصدي للجرائم المرتبطة بأنظمة المعلومات والاتصال. هذا المرسوم الذي أحيل على خلفيته عدد كبير من النشطاء ومن المواطنين وصدرت ضدهم أحكام قهرية بسلب الحرية، ورغم ذلك فان الاقبال والمشاركة في المتابعة وصنع الخبر والحدث والدعوة الى الاحتجاج تعرف تصاعدا مهما وتعرف توسعا في مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية. ويشبّه العديد من المتابعين علاقة التونسيين بشبكة الانترنيت اليوم مثلما كانت عليه في السنوات الأخيرة لحكم الطاغية بن علي حيث يتابع التونسيون أخبار بلادهم من خلال شبكة الانترنيت ومن خلال القنوات التلفزية الأجنبية. وإذا كانت المواقع الاخبارية حينها مغلقة، ومراقبة ولوجها ممسوكة بالكامل لجهاز البوليس، فان هذا الأمر أصبح صعبا اليوم رغم تواصل المراقبة الأمنية والقضائية. ويساهم الانفجار الضخم في تعدد الوسائط في اتاحة فرص أكبر للمتابعة التي لم تمكن فقط من الالمام بآخر الأخبار والمعلومات، بل مكنت أيضا وأساسا جزء متعاظما من الرأي العام من الانخراط في الترويج والدعاية لهذا الموقف أو غيره. ونظرا للحجم الكبير لما يتم تداوله نشرا وتعليقا فان حاجز الخوف الذي تريد السلطة فرضه من خلال المرسوم 54 ومن خلال ترسانة القوانين القمعية أصبح يتراجع ويتفكك، وأصبح العديد يتحدث عن "انتفاضة الكترونية" وجهت ضربة موجعة للخوف والتخويف الذي تعمل السلطة من أجل فرضه.
- الانتفاضة الالكترونية كخطوة في مسار الانتفاضة على الأرض
تتعمق القناعة يوميا بكون العالم الافتراضي أصبح فضاء لانتفاضة كبرى تستهدف الخوف. يتأكد ذلك من خلال الكم الكبير للمواقع والمجموعات الالكترونية المهتمة بمختلف واجهات الشأن العام، فالمواقع المهتمة بانتهاك الحريات العامة والفردية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والمجال البيئي والتربوي والصحي والفلاحي، وقضايا المرأة والطفولة وذوي الحاجيات الخصوصية والأجانب، واهتمامات الجهات الداخلية والارياف والاحياء الشعبية والبنية الأساسية، ومطالب المعطلين وخريجي الجامعات والمتقاعدين، والاخبار النقابية والمدنية والثقافية...كلها عناوين لآلاف المواقع بقطع النظر عن مدى الجدية من عدمها أو تقدمية المحتوى من عدمه. وتعتبر الحملات الدعائية أو الحركية ضد القمع والاستبداد والاعتداء على الحقوق والحريات في مختلف الواجهات من أبرز ما أصبح يميز تعاطي التونسيين مع شبكة الانترنيت. فمثلما تم توظيف الشبكة للترويج لمساندة الانقلاب ورأسه ومساره من خلال ما بات يعرف ب"الصفحات الزقفونية"، هاهي اليوم الشبكة تلعب دورا نشيطا في معارضة نظام الاستبداد وتحدي آلة قمعه التي يفرض عليها يوميا مزيد الارتخاء أما إصرار شباب تونس ومناضليها على التحدي. لقد راهن قيس سعيد على الخوف أسلوبا أساسيا في الحكم، كما اعتمد الزبونية والولاء والتصفيق لترويج أكذوبة الاسناد الشعبي، لكن سنوات قليلة كانت كافية لكشف ضعف هذا الاسناد لصالح تنامي مظاهر السخط والغضب بحكم التدهور المريع والممنهج لأوضاع الشعب على مختلف الأصعدة. لقد باتت القناعة تتوسع عند لفيف واسع من التونسيين والتونسيات ان الصمت والخنوع لن يؤدي الا الى مزيد التدهور وأن أقصر الطرق لإيقاف نزيف هذا التدهور هو النضال والاحتجاج والانتفاض الذي بدأت ملامحه تتوسع في المجال الالكتروني باعتباره مجالا لقيس المشاعر والمواقف، وهاهي شبكة الانترنيت الفالتة من رقابة الرقيب تدعو وتنظم وتسخر من الاوضاع ومن مسؤولي الدولة من خلال موجة متصاعدة من الاغاني التي تستقطب مآت الالاف من المتابعين، وطبعا تقوم الشبكة بدور نشيط في تأطير التحركات حول الحريات وتدهور الأوضاع الاجتماعية وحول مشكل البيئة في قابس وحول معضلة خريجي الجامعة المعطلين الذين تعمق وعيهم أن السلطة تبيع لهم الوهم ولا خيار أمامهم الا التحرك كما فعلوا قبل الثورة حيث كانت تحركاتهم سمادا للانتفاضة وهو ما يعتمل اليوم في أحشاء تونس وأديم أرضها. ان الانتفاضة والثورة تتخمر في العقول والمشاعر وتتفاعل عناصرها في واقع الشعب، وشبكة الانترنيت هي شاشة تصور ما يجد في العقول وما يحتدم في الواقع.

30ماي 2026



#علي_الجلولي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الذكرى 78 للنكبة: ومازال الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال و ...
- حكام لبنان يتهافتون على التطبيع، وشعبها الصامد يتأهب لاسقاطه
- العدوان الصهيو-أمريكي يغرق في الوحل الايراني
- العراق في قلب الحرب الاقليمية
- لبنان من جديد في وجه المؤامرات الصهيو-أمريكية
- العراق ومعضلة التدخل الأمريكي والتسلط الاقليمي والعمالة الطا ...
- الاستيطان والضم في قلب المشروع الصهيوني
- الرجعية العربية شريك في العدوان على إيران
- ويبقى 14 جانفي يوما عظيما في تاريخ الشعب التونسي
- هل ينهض السودان المنسي والمقهور والمستهدف؟
- 2025 عام انهاك المدرسة والتعليم العموميين
- لبنان بين كماشة العدوان العسكري والابتزاز السياسي والاقتصادي
- الصحراء الغربية، طموحات الشعب وابتزاز الأنظمة
- الحشد الشعبوي في تونس، السياق والسمات (ج1)
- الحشد الشعبوي في تونس، السياق والسمات (ج2)
- النضال الوطني الفلسطيني ووهم حل الدولتين
- السودان المنسي يقف صامدا ضد جلاديه
- شكرا لبنان
- الجمهورية والحكم الفردي: أية علاقة؟
- تونس: باكلوريا 2025، قراءة في النتائج والدلالات


المزيد.....




- بعد هطول أمطار شهر في ساعات.. خزان غاز يطفو في مياه الفيضانا ...
- كيف تبدو الحياة في أكثر دول العالم أمناً واستقراراً؟
- مقتل 1 وفقدان 2 في ضربة صاروخية على ناقلة قرب عمان
- قتله الجيش الإسرائيلي.. والد رضيع فلسطيني يتمسك بمواصلة السع ...
- -ضربات على المناطق الحدودية-.. باكستان تشن ضربات جوية جديدة ...
- في جلسة مغلقة داخل الكابيتول.. الكونغرس يحقق مع بيل غيتس حول ...
- خطوة غير مسبوقة في العراق: بغداد تعلن تسلّمها بيانات أسلحة و ...
- اشتباكات دامية في كينيا خلال احتجاجات على مركز حجر صحي أميرك ...
- الجيش الإسرائيلي يوسع القصف على لبنان وسقوط 12 قتيلا على الأ ...
- هجرة الأدمغة في نيوزيلندا تتصاعد.. لماذا يغادر الشباب إلى أس ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - علي الجلولي - هل هي انتفاضة الكترونية في مقاومة الخوف والتخويف؟