أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية والمواطنة والسيادة الوطنية















المزيد.....

العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية والمواطنة والسيادة الوطنية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 09:44
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


*مقدمة
لم يكن العراق، عبر تاريخه الطويل، أرضًا منغلقة على أهلها، ولا كيانًا منقطعًا عن محيطه الإنساني والحضاري... ؛ فمنذ حضارات سومر وأكد وبابل وآشور، مرورًا بالعصور الإسلامية المختلفة، ظل العراق ملتقىً للشعوب والثقافات واللغات والأديان، واستمد جزءًا كبيرًا من قوته من قدرته على استيعاب المعارف والخبرات القادمة من مختلف أنحاء العالم.
وكانت بغداد العباسية المثال الأبرز لهذا الانفتاح؛ إذ تحولت إلى مركز عالمي للعلم والتجارة والثقافة، يفد إليها العلماء والتجار والمفكرون من أمم متعددة.. , ولم تكن قيمة الإنسان تُقاس بأصله أو قوميته، بل بما يحمله من علم وخبرة وما يقدمه للمجتمع والدولة.
غير أن الانفتاح الحضاري شيء، والتفريط بالمصالح الوطنية أو السماح بحدوث اختلالات سكانية وسياسية شيء آخر تمامًا.
*من الانفتاح الحضاري إلى أزمة الهوية الوطنية
شهد العراق خلال القرن العشرين تحولات فكرية وسياسية عميقة رافقت نشوء الدولة الحديثة.. , وخلال تلك المرحلة تصاعد تأثير التيارات القومية العابرة للحدود، فتراجع الاهتمام التدريجي بمفهوم الهوية العراقية الجامعة لصالح هويات قومية أو أيديولوجية أوسع.
وأدى هذا التحول إلى إضعاف التركيز على مفهوم المواطنة العراقية بوصفه أساس الانتماء السياسي والقانوني، وأصبحت الاعتبارات القومية أو الحزبية أو المذهبية تؤثر بدرجات متفاوتة في إدارة الدولة وصياغة سياساتها العامة.
ومع مرور الزمن، برزت تساؤلات متزايدة حول قدرة الدولة على حماية الشخصية الوطنية العراقية والحفاظ على التوازن بين الانفتاح على العالم وبين صيانة المصالح العليا للمجتمع العراقي.
*التجنيس والتغيير الديموغرافي
يُعد ملف الجنسية من أكثر الملفات حساسية في تاريخ الدول الحديثة، لأنه لا يتعلق بإجراءات إدارية فحسب، بل يرتبط بمستقبل الهوية الوطنية والتركيبة السكانية والتوازنات السياسية والاجتماعية.
ويرى عدد من الباحثين والكتاب أن بعض سياسات التجنيس التي شهدها العراق خلال فترات مختلفة من القرن العشرين لم تكن دائمًا محكومة باعتبارات الاندماج الوطني أو الحاجة الاقتصادية، بل ارتبطت أحيانًا بحسابات سياسية وديموغرافية وطائفية وقومية مشبوهة ؛ هدفت إلى إعادة تشكيل بعض التوازنات داخل المجتمع العراقي.
وبحسب هذا الرأي، فإن التوسع غير المدروس في منح الجنسية أو الإقامة الدائمة قد يؤدي إلى إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة وإثارة مخاوف تتعلق بمستقبل الهوية الوطنية وحقوق المواطنين الأصليين، خصوصًا عندما يغيب الوضوح والشفافية في إدارة هذه الملفات الحساسة.
ولهذا فإن الحفاظ على الهوية العراقية لا يتحقق برفض الآخر، وإنما بإخضاع ملفات الهجرة والتجنيس والإقامة إلى معايير قانونية وطنية واضحة وعادلة وشفافة، تضمن مصلحة الدولة والمجتمع قبل أي اعتبار آخر.
*الجاليات الأجنبية والعمالة الوافدة: بين الحاجة الاقتصادية والمصلحة الوطنية
مثل كثير من دول العالم، يحتاج العراق إلى الخبرات والاستثمارات والكفاءات الأجنبية التي تسهم في التنمية وإعادة الإعمار ونقل المعرفة والتكنولوجيا.. , غير أن هذا الاحتياج لا ينبغي أن يتحول إلى سياسة مفتوحة بلا ضوابط.
فخلال العقود الأخيرة ازداد حضور بعض الجاليات الأجنبية والعمالة الوافدة في عدد من المدن العراقية، ولا سيما المدن ذات النشاط الديني أو الاقتصادي... ؛ وقد أثار هذا الواقع نقاشًا متزايدًا حول تأثيره في سوق العمل والخدمات العامة والموارد الوطنية.
وتكمن المشكلة الحقيقية عندما تصبح العمالة الأجنبية منافسًا غير منظم للعامل العراقي، أو عندما تتحول الإقامات المؤقتة إلى استقرار دائم خارج إطار التخطيط الوطني، أو عندما يُستخدم ملف الهجرة والتجنيس لتحقيق أهداف سياسية أو انتخابية أو ديموغرافية.
ومن حق العراقيين أن تكون لهم الأولوية في فرص العمل والاستفادة من ثروات بلادهم، كما أن من واجب الدولة حماية اليد العاملة الوطنية وضمان عدم تعرضها لمنافسة غير عادلة.
وفي المقابل، فإن للوافدين المقيمين بصورة قانونية حقوقًا إنسانية وقانونية ينبغي احترامها، بما ينسجم مع القوانين العراقية والمعايير الإنسانية المتعارف عليها.
*بين الاختلاط الحضاري والاستيطان السياسي
ثمة فرق جوهري بين الانفتاح الحضاري الذي يستقبل العلماء والخبراء والمستثمرين وأصحاب الكفاءات ضمن إطار القانون ومصلحة الدولة، وبين أي مشاريع أو سياسات قد تؤدي إلى تغييرات سكانية واسعة تتجاوز احتياجات البلاد الفعلية.
فالدول القوية لا تخشى التفاعل مع العالم، لكنها في الوقت نفسه تحرص على حماية أمنها القومي وتوازنها السكاني واستقرارها الاجتماعي.. , وعندما تفقد الدولة السيطرة على ملفات الهجرة والإقامة والتجنيس، فإنها تعرض نفسها لمشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية قد تمتد آثارها لعقود طويلة.
ومن هنا فإن القلق من التوسع غير المنظم في الهجرة أو التجنيس أو العمالة الأجنبية لا ينبغي أن يُفهم بوصفه رفضًا للشعوب الأخرى، بل بوصفه تعبيرًا عن حرص مشروع على حماية المصالح الوطنية العراقية.
*الحضارات الكبرى وضرورة التوازن
إن التجارب التاريخية تؤكد أن الحضارات الكبرى ازدهرت بالانفتاح والتفاعل والتبادل الثقافي والاقتصادي، لكنها ازدهرت أيضًا بفضل وجود دولة قوية قادرة على تنظيم هذا الانفتاح بما يخدم مصالحها الوطنية.
ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام العراق اليوم لا يكمن في الاختيار بين الانفتاح والانغلاق، بل في بناء سياسة وطنية متوازنة تحقق المعادلة الصعبة بين الانفتاح على العالم وحماية المصالح الوطنية.
فالعراق بحاجة إلى الخبرات والكفاءات والاستثمارات، لكنه بحاجة كذلك إلى حماية فرص العمل للعراقيين، والحفاظ على هويته الوطنية، وضمان عدم استخدام ملفات الهجرة والتجنيس والإقامة لإحداث تغييرات ديموغرافية أو سياسية تمس استقرار الدولة ومستقبلها.
*خاتمة
إن مستقبل العراق لا يُبنى بالانعزال عن العالم، كما لا يُبنى بفتح الأبواب دون ضوابط... ؛ فالوطنية الحقيقية تقوم على تحقيق التوازن بين الانفتاح والسيادة، وبين احترام حقوق الوافدين وحماية حقوق المواطنين، وبين الاستفادة من الخبرات الأجنبية والحفاظ على المصالح الوطنية العليا.
ويبقى الهدف الأساس لأي سياسة عراقية رشيدة هو بناء دولة قوية وعادلة، يكون فيها المواطن العراقي محور التنمية وأولوية القرار، وتُدار فيها ملفات الهجرة والإقامة والتجنيس وفق معايير وطنية شفافة تحفظ هوية العراق واستقراره وحقوق أجياله القادمة.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الايزيديات في اقفاص النيران
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب


المزيد.....




- كيتي بيري وجاستن ترودو يخطفان الأنظار في أبرز إطلالاتهما الع ...
- الحكم الصومالي عمر أرتان ممنوع من دخول الولايات المتحدة
- -إدفع فدية أو افقد كلية- 300 مهاجر إلى بريطانيا يتعرضون للاخ ...
- قانون إسرائيلي جديد يوسّع اقتطاع أموال المقاصة الفلسطينية بد ...
- زلزال الفلبين: السكان يزيلون الأنقاض وسط مخاوف من الهزات الا ...
- حسن أومريبط : منظومة التربية والتكوين في آخر أنفاس الولاية ا ...
- هل بات الاتفاق وشيكا -فعلا- في الشرق الأوسط كما يقول ترامب؟ ...
- ضربات إيرانية إسرائيلية متبادلة.. كيف تم احتواء الوضع؟ وهل ي ...
- المحيطات في خطر: بين الوعود الدولية وتسارع الكارثة البيئية
- هدوء حذر في إيران.. هل يستمر؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - العراق بين الانفتاح الحضاري والتغيير الديموغرافي: جدل الهوية والمواطنة والسيادة الوطنية