أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - رياض سعد - الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول














المزيد.....

الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 09:59
المحور: الصحافة والاعلام
    


لم يعد السؤال في عصرنا: هل ما نراه على الشاشات حقيقي أم مزيف؟
بل أصبح السؤال الأكثر خطورة: من الذي يحدد لنا ما يجب أن نراه أصلًا؟
فالإعلام الحديث لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، ولا منصة لعرض الوقائع كما تحدث في الواقع، بل تحول في كثير من الأحيان إلى مصنع ضخم لإنتاج الإدراك الجمعي، وإعادة تشكيل الوعي العام، وصناعة القناعات السياسية والاجتماعية والثقافية وفق احتياجات القوى المسيطرة على المشهد.
إن المواطن المعاصر يعيش داخل بحر هائل من الصور والمعلومات والتحليلات والتقارير والبيانات المتدفقة بلا توقف، حتى بات يعتقد أنه يرى العالم كما هو، بينما الحقيقة قد تكون أكثر تعقيدًا بكثير... , فما يصل إلى الجمهور ليس الحدث دائمًا، بل النسخة المنتقاة من الحدث... , وليس الواقع كما وقع، بل الواقع كما أُريد له أن يُفهم.
لهذا يقول البعض إن ما نراه على الشاشة ليس الحقيقة الكاملة أبدًا، بل مجرد طبقة سطحية من المشهد، تخفي خلفها طبقات أخرى لا تُعرض للناس بصورة مباشرة.. , طبقات من المصالح والتحالفات والحسابات النفسية والسياسية والاقتصادية التي لا تظهر في نشرات الأخبار ولا في برامج التحليل السياسي.
فكم من حرب بدأت على الشاشات قبل أن تبدأ على الأرض؟
وكم من شخصية صُنعت إعلاميًا حتى بدت وكأنها منقذ تاريخي، ثم اكتشف الناس لاحقًا أنها لم تكن سوى منتج دعائي متقن؟
وكم من قضية جرى تضخيمها حتى تحولت إلى همّ عالمي، بينما جرى إخفاء قضايا أخرى أكثر خطورة لأنها لا تخدم السردية المطلوبة؟
إن الإعلام المعاصر لا يصنع الخبر فقط، بل يصنع زاوية النظر إلى الخبر... ؛ وهو لا يقدم الحقيقة بالضرورة، بل يقدم تفسيرًا للحقيقة، ثم يعيد تكرار ذلك التفسير حتى يتحول في وعي الجماهير إلى حقيقة مطلقة لا تقبل الشك.
وهنا تكمن أخطر أشكال السلطة.
فالسلطة القديمة كانت تسيطر على الأجساد بالقوة، أما السلطة الإعلامية الحديثة فتسيطر على العقول عبر تشكيل الإدراك نفسه... ؛ إنها لا تمنع الناس من التفكير، بل تجعلهم يفكرون داخل حدود مرسومة مسبقًا.
ولهذا تبدو الأحداث أحيانًا مترابطة بصورة غريبة.
ليس لأن هناك مؤامرة سحرية تدير كل شيء كما يتخيل البعض، وإنما لأن مراكز النفوذ العالمية تمتلك القدرة على توجيه تدفق المعلومات وصناعة الأولويات وترتيب الاهتمامات الجماهيرية.. , فيظهر المشهد وكأنه يتحرك وفق شيفرة خفية لا يراها إلا القليل.
فالحدث السياسي لا يُصنع في غرف السياسة وحدها، بل يُصنع كذلك في استوديوهات التلفزيون والفضائيات والمواقع الاعلامية ، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي غرف إنتاج المحتوى، وفي مراكز استطلاع الرأي، وفي مختبرات علم النفس السلوكي التي تدرس كيف يفكر الإنسان وكيف يخاف وكيف يغضب وكيف يصدق.
لقد تحول الإنسان المعاصر إلى هدف دائم لعمليات التأثير النفسي الناعم.
كل صورة تُعرض له، وكل عنوان يقرؤه، وكل مقطع فيديو يشاهده، وكل قصة تتكرر أمامه عشرات المرات، تترك أثرًا خفيًا في وعيه، حتى يظن في النهاية أن أفكاره الشخصية قد وُلدت من داخله، بينما قد تكون زُرعت فيه على مدى طويل دون أن يشعر.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يربك جميع النظريات السياسية والإعلامية والفلسفية:
هل نحن الذين نفسر الفوضى المحيطة بنا ونبحث عن المعاني داخلها؟
أم أننا نعيش بالفعل داخل منظومات إعلامية وثقافية ضخمة لا نمتلك مفاتيحها كاملة؟
هل نحن أحرار في تشكيل آرائنا؟
أم أن هامش الحرية نفسه أصبح جزءًا من تصميم أكبر يحدد مسبقًا حدود ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن التفكير فيه؟
إن أخطر ما في الإعلام المزيف ليس الكذب المباشر، فالكذب الفج يسهل اكتشافه... ؛ الخطر الحقيقي يكمن في نصف الحقيقة، وفي الحقيقة المقتطعة من سياقها، وفي الصورة التي تُظهر شيئًا وتُخفي أشياء أخرى، وفي الخبر الصحيح الذي يُستخدم لخدمة استنتاج خاطئ.
وهكذا يصبح الوهم أكثر إقناعًا من الحقيقة، لأن الوهم لا يأتي بصفته وهمًا، بل يرتدي ثياب الحقيقة نفسها.
إن معركة الإنسان المعاصر لم تعد معركة الوصول إلى المعلومات، فالمعلومات متاحة في كل مكان، وإنما أصبحت معركة التمييز بين المعلومات والحقائق، وبين الوقائع والسرديات، وبين ما يحدث فعلًا وما يُراد لنا أن نعتقد أنه يحدث.
وفي النهاية، فإن الخط الفاصل ليس بين الحقيقة والوهم كما نظن.
بل بين ما نفهمه وما لم نُسمح بفهمه بعد.
بين ما نراه وما يُخفى عنا.
بين الواقع كما هو، والواقع كما يُعاد إنتاجه داخل مصانع الإعلام وهندسة الوعي.
وهناك، في تلك المسافة الغامضة بين الصورة والحقيقة، بين الخبر والحدث، بين الإدراك والواقع، يقف الإنسان المعاصر حائرًا، محاطًا بشاشات لا تنطفئ، وأصوات لا تصمت، وسيلٍ جارف من الرسائل المتناقضة، محاولًا أن يعثر على حقيقة واحدة لم تُصنع في غرفة تحرير، ولم تُبرمجها خوارزمية، ولم تُصممها سلطة خفية.
حقيقة تنتمي إلى الواقع نفسه، لا إلى النسخة المعدلة منه.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر


المزيد.....




- بعد رسالة زيلينسكي بشأن إنهاء الحرب.. ماذا قال بوتين في أول ...
- حصري.. الرئيس اللبناني لإسرائيل: ألم تسأموا من الحرب منذ عام ...
- عون يتصل بمحمد بن سلمان ويأمل إعادة فتح أسواق السعودية أمام ...
- عون يتهم إيران بأنها تستخدم لبنان -كورقة ضغط-، والجيش الإسرا ...
- من -التلقي- إلى -الشراكة-: نتنياهو يدعم خطة لإنهاء المساعدات ...
- مجلس الشيوخ يمرر خطة بـ70 مليار دولار لدعم سياسات الهجرة وتع ...
- التحريض على قصف قلعة بعلبك والإشادة بأدرعي.. القضاء اللبناني ...
- عشرات الآلاف يحصلون على الجنسية الألمانية تعويضًا عن ظلم الن ...
- -تدهور حضاري-.. أمريكا تنتقد بريطانيا بقضية الطالب نوفاك وتث ...
- نجل حسام أبو صفية يطلق نداء استغاثة لإنقاذ والده من العزل ال ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - رياض سعد - الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول