أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - رياض سعد - إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611














المزيد.....

إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 08:05
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


إنّ من أعظم التحوّلات الفكرية والسياسية التي صنعت الحداثة البريطانية لم يكن اختراع البرلمان وحده، ولا الثورة الصناعية، بل ذلك المبدأ العميق الذي تسرّب ببطء إلى روح الدولة: سيادة القانون.
أي أن تكون السلطة نفسها خاضعة للقانون، لا متعالية عليه... ؛ وأن يصبح الملك، بكل رمزيته وهيبته، مواطنًا أمام العدالة، لا مصدرًا لها وحده.
وتُعدّ قضية «إعلان البروكلاميشن» عام 1611 — أو ما يُعرف بـ Case of Proclamations — لحظة مفصلية في هذا المسار التاريخي... ؛ ففي تلك القضية وقف القاضي الإنجليزي الشهير إدوارد كوك بوجه نزعة الملك جيمس الأول إلى توسيع سلطاته عبر الإعلانات الملكية، مؤكدًا أن الملك لا يستطيع أن يخلق قانونًا بإرادته المنفردة، ولا أن يغيّر حقوق الناس خارج إطار القانون والبرلمان.
كانت تلك الفكرة صادمة في عصرٍ كانت فيه أوروبا ما تزال تؤمن بأن الملوك يحكمون بـ«الحق الإلهي»...؛ لكن بريطانيا بدأت منذ ذلك الحين ترسم طريقًا مختلفًا:
الملك يحكم… لكنه لا يملك أن يكون فوق القانون.
ومن هنا تشكّلت واحدة من أعمق الركائز الحضارية البريطانية:
ليست قوة الدولة في سطوة الحاكم، بل في خضوع الحاكم نفسه للقواعد التي يخضع لها الناس.
لقد أدرك البريطانيون مبكرًا أن العدالة لا تتحقق حين يكون القانون سيفًا بيد السلطة، بل حين يصبح ميزانًا يقف فوق الجميع... ؛ ولذلك لم تعد هيبة التاج قائمة على الخوف، وإنما على التقيّد بالمؤسسات والتقاليد الدستورية والقضائية.
ثم جاءت لاحقًا وثائق ومحطات تاريخية كبرى عزّزت هذا الاتجاه، مثل الثورة المجيدة وصدور وثيقة الحقوق الإنجليزية، لتؤكد أن السلطة السياسية ليست مطلقة، وأن شرعية الحكم مرتبطة بالقانون ورضا المجتمع.
وهنا تتجلّى العلاقة العميقة بين سيادة القانون والثقة الوطنية.
فالمواطن لا يثق بوطنٍ لأن الحاكم قوي، بل لأنه يعلم أن حقه لن يُسحق إذا اختلف مع القوي.
الثقة تولد حين يشعر الإنسان أن المحكمة يمكن أن تنتصر له حتى لو كان خصمه وزيرًا أو أميرًا أو مؤسسة كبرى.

ولهذا استطاعت بريطانيا عبر قرون أن تبني استقرارًا سياسيًا طويل الأمد، لأن العلاقة بين الدولة والمجتمع لم تُبنَ فقط على القوة، بل على شعور متراكم بأن هناك قواعد ثابتة تحكم الجميع.
إنّ أخطر ما يدمّر الأوطان ليس الفقر وحده، ولا حتى الهزائم، بل انهيار الإيمان بأن القانون عادل ومحايد... ؛ فعندما يشعر الناس أن السلطة محصّنة ضد المحاسبة، تتحول الدولة في وعيهم إلى غلبة لا إلى وطن... ؛ أما حين يخضع التاج ذاته للمحكمة، فإن الرسالة الحضارية تصبح واضحة: لا أحد أكبر من العدالة... ؛ ولا قداسة لسلطةٍ لا يقيّدها القانون.
وهذه الفكرة، رغم بساطتها النظرية، كانت من أعظم الاختراعات السياسية في التاريخ الإنساني.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن
- سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...


المزيد.....




- وزارة الخزانة الأمريكية تعيد إدراج فرانشيسكا ألبانيزي المقرر ...
- تحذيرات أممية من جرائم حرب يرتكبها الاحتلال قرب -الخط الأصفر ...
- مصادر محلية: 3 شهداء و15 جريحا في غارة الاحتلال على مخيم ال ...
- رايتس ووتش: كولومبيون قاتلوا في السودان تلقوا تدريبات في الإ ...
- علي باقري: دول المنطقة وحدها هي من تملك حق تقرير المصير واتخ ...
- فرنسا تفرض -قائمة سوداء- لحماية الأطفال في المدارس
- في أول أيام العيد.. اقتحامات إسرائيلية بالضفة واعتقال 4 فلسط ...
- السعودية والأمم المتحدة تقودان برنامجاً تنفيذياً لتعزيز حماي ...
- دول غربية وآسيوية تندد في الأمم المتحدة بـ-تهديدات- موسكو لل ...
- وزير الداخلية التركي يكشف للجزيرة نت أرقاما وحقائق عن الجنسي ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - رياض سعد - إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611