أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية














المزيد.....

حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 07:54
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بادئ ذي بدء، من الطبيعي أن ينتمي هذا الشخص أو ذاك إلى حزبٍ سياسي، أو تيارٍ فكري، أو حركةٍ دينية تحمل رؤيةً معينة للحياة والدولة والمجتمع.
ومن الطبيعي أيضًا أن ينشغل الإنسان بالشأن السياسي، وأن يسعى للمشاركة في صناعة القرار أو التأثير في مجريات الأحداث، فالحياة السياسية جزءٌ من حركة المجتمعات وتطورها، ولا يمكن لأمةٍ أن تنهض من دون رجال دولةٍ يمتلكون الوعي والمسؤولية والشعور بالمصير العام.
لكنَّ المعيب والخطير في الأمر، أن يتحول الانتماء الحزبي من وسيلةٍ لخدمة الوطن إلى سجنٍ ضيقٍ يُغلَق فيه العقل، وتُقيَّد داخله الروح، ويُختزل الإنسان كله في شعارات حزبه ومصالح جماعته الضيقة... ؛ فعندئذٍ لا يعود السياسي رجلَ دولة، بل يصبح مجرد موظفٍ داخل ماكينةٍ حزبيةٍ عمياء، لا يرى أبعد من جدران التنظيم، ولا يسمع إلا صدى أصوات رفاقه، ولا يفكر إلا بما يخدم بقاءه في دائرة النفوذ والسلطة.
إن أخطر ما يصيب الساسة والقادة المؤدلجين، أنهم مع مرور الزمن يفقدون القدرة على رؤية الواقع كما هو، لأنهم ينظرون إلى العالم من ثقب الحزب، لا من نافذة الوطن... ؛ فكلُّ مخالفٍ لهم عدو، وكلُّ رأيٍ آخر مؤامرة، وكلُّ نقدٍ خيانة، حتى يصبح الوطن نفسه مجرد تفصيلٍ صغيرٍ داخل مشروعهم الحزبي أو العقائدي.
وهكذا تنشأ طبقةٌ سياسيةٌ معزولة عن الناس، تعيش داخل أروقة الاجتماعات المغلقة، والبيانات الجوفاء، والخطب المكررة، وتتصور أن الجماهير ما تزال تصفق لها، بينما الشارع الحقيقي يغرق بالفقر والبطالة والخوف والانهيار.
إنهم يعيشون في عالمٍ موازٍ، مصنوعٍ من الأوهام والتبريرات والمديح المتبادل، حتى يفقدوا الإحساس بآلام الناس وحاجاتهم الحقيقية.
والأسوأ من ذلك، أن بعض هؤلاء لا يدخل السياسة بدافع الإصلاح أصلًا، بل بدافع الوصول إلى المال والنفوذ والسلطة، مهما كانت الوسائل قذرة أو انتهازية... ؛ فتراه يرفع شعارات الوطنية والإنسانية والعدالة، بينما واقعه مليءٌ بالمصالح الشخصية والصفقات والتحالفات المتقلبة... ؛ يتحدث عن الشعب وهو لا يعرف معاناته، ويتغنى بالقيم وهو أول من يبيعها عند أول اختبارٍ للمنفعة.
إن هذا النموذج من السياسيين يشبه الممثل الذي أتقن حفظ دوره طويلًا حتى صدَّق نفسه... ؛ يتنقل بين المواقف كما يتنقل التاجر بين الأسواق، يغيّر لغته وتحالفاته وخطابه بحسب اتجاه الريح ومقدار المكاسب... ؛ فإن اقتضت مصلحته أن يكون ثوريًا صاح بالثورة، وإن احتاج أن يكون معتدلًا ارتدى ثوب الحكمة، وإن تطلبت المرحلة الانحناء انحنى، لا إيمانًا بقضية، بل حفاظًا على موقعه ومصالحه.
ولذلك فإن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب الفقر أو الحروب، بل تنهار أيضًا حين يحتكر قيادتها أناسٌ فقدوا الصلة بالحقيقة، وأصبحوا أسرى أيديولوجياتهم وأحزابهم ومصالحهم الضيقة... ؛ فالوطن لا يُبنى بالعقول المغلقة، ولا ينهض بالمتعصبين الذين يرون أنفسهم أوصياء على الناس والتاريخ والحقيقة المطلقة.
إن رجل الدولة الحقيقي هو الذي يخرج من عباءة الحزب حين يتعلق الأمر بمصير الوطن، ويستطيع أن يسمع خصومه كما يسمع أنصاره، وأن يراجع أفكاره كما يراجع أخطاءه، لأن السياسة ليست عبادةً للأشخاص والتنظيمات، بل مسؤوليةٌ أخلاقيةٌ وتاريخية تجاه الإنسان والوطن.
أما حين يتحول الحزب إلى معبود، والأيديولوجيا إلى سجن، والسلطة إلى غايةٍ بحد ذاتها، فإن السياسة تفقد معناها النبيل، وتتحول إلى سوقٍ للصراع والانتهازية والخداع، يدفع ثمنها الناس البسطاء وأحلام الأوطان المنهكة.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن
- سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...
- العراق بين تآكل الهوية الوطنية وتشظي الذات الجمعية واستدعاء ...
- جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفو ...
- صناعة الصنم : كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته ...
- المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف:قراءة ف ...
- التجنيد الإلزامي في العراق: استراتيجية أمنية عتيقة أم هدر لل ...
- المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات


المزيد.....




- فيديو قوات البحرية الأمريكية تصعد على ناقلة إيرانية بخليج عُ ...
- إسرائيل.. بن غفير يشعل ضجة دولية بفيديو ما فعله مع نشطاء أسط ...
- -شراكة استراتيجية خاصة-.. العلاقات بين روما ونيودلهي تدخل مر ...
- استدعاء سفراء لإسرائيل وتنديد دولي بسوء معاملة نشطاء أسطول ا ...
- الجوع يبتلع الطفولة.. عائلات أفغانية تعرض أبناءها للبيع
- -فضيحة جنسية- تهز فرنسا.. واحتجاز 16 شخصا
- سبيس إكس تكشف أرقامها المالية تمهيدا لاكتتاب قد يكون الأكبر ...
- الولايات المتحدة تعتبر أن الوقت حان لإعادة ترسيخ وجودها في غ ...
- الرئيس الصيني سيزور كوريا الشمالية خلال أيام
- تفوق قيمتها 700 ألف يورو.. سرقة ساعة فاخرة في مهرجان -كان-


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية