أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم














المزيد.....

سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 10:32
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الإنسان كائن موسميّ، يولد ربيعًا، ويكبر صيفًا، ويشيخ خريفًا، ثم يغيب شتاءً في صمت التراب.
لا يمنحه الزمن أكثر من ربيعٍ واحد، ربيعٍ يتيم، قصير القامة، سريع الهروب، يمرّ في حياته كما تمرّ الفراشات على زهرةٍ خجولة: يترك عطره ويرحل.
نعم، لا يوجد في حياة الإنسان سوى ربيعٍ واحدٍ يتيم… ؛ لا يأتي ربيعٌ بعده أبدًا... ؛ فمن ذهب ربيع أيامه، لا ينتظر ربيعًا آخر يحلّ محل ربيعه الأول... ؛ فما فات فات، وهيهات أن يعود ما فات.
في ذلك الربيع، تتفتح الأحلام مثل أزهار برية على أطراف القلب، وتضحك الروح بلا سبب، وتبدو الدنيا كأنها خُلقت للتو... ؛ نركض خلف الأفق ونحن نظن أنّ الطريق بلا نهاية، وأن أعمارنا مطاطية تتمدد مع الرغبة... .
لكن الزمن ليس شاعرًا… ؛ إنه جلّاد أنيق... ؛ يبتسم وهو يسرق أعوامنا، يربّت على أكتافنا وهو يزرع التجاعيد، يعلّمنا الحكمة بعد أن يسحب منّا القدرة على استخدامها...
وحين يدخل خريف العمر، لا يطرق الباب... ؛ يدخل فجأة... .
ندرك حضوره من تغيّر طعم الأشياء، من بطء الخطى، من ثقل الذاكرة، ومن تلك المسافة الجديدة بين القلب وما يشتهي.
في خريف الإنسان، تبدأ الأوراق بالسقوط...
تسقط ورقة الصديق، فنشعر أن قطعة من تاريخنا دُفنت معه... ؛ ثم تسقط ورقة الصحة، فنتعلّم لغة الألم... ؛ ثم تسقط ورقة الرغبة، فنكتشف أن الجسد كان شريكًا مؤقتًا للروح... ؛ وتسقط ورقة الطموح، فنفهم أن بعض الأحلام لا تصلح إلا للشباب... ؛ وكل ورقة تسقط، تترك فراغًا يشبه الندبة.
وحدها الورقة الأخيرة تبقى معلّقة على غصن القلب، ترتجف مع كل نبضة…؛ حتى إذا سقطت، انتهت المسرحية، وأُطفئت الأنوار، وغادر الإنسان الخشبة بلا تصفيق.
المؤلم ليس الموت.
المؤلم أن يموت الإنسان على دفعات.
أن يشيخ وهو حي.
أن يرى نفسه يتناقص.
أن يصبح شاهدًا على أفول ذاته.
بعضهم يرفض الاعتراف بالخريف، فيرتدي أقنعة الربيع، يلاحق الشباب في لغتهم وملابسهم وضحكاتهم، كأن العمر يُهزم بتغيير تسريحة الشعر...!!
البعض لا يقتنع بأفول ربيع عمره، فتراه يكابر ويصرخ بأعلى صوته: «ألا ليت الشباب يعود يومًا»، ولكن لا مجيب... ؛ والبعض الآخر يتصابى، إلا أنه يُقابل بالنهر والزجر، وفي أفضل الأحوال يصبح مادة للسخرية والاستهزاء ... ؛ إذ يصرّ بعض من بلغوا السبعين أن يؤدّوا دور الفتى اليافع ذي السبعة عشر ربيعًا، وشتّان بين الأمرين...!!
نعم، بعض كبار السن، وبحجة التفاؤل وحب الحياة، يتصرّفون تصرّفات صبيانية ويقلّدون الشباب في حركاتهم وسكناتهم، وهؤلاء يذكّرونني بالغراب الذي حاول تقليد مشية الطاووس فلم يستطع، وحين أراد العودة إلى مشيته الطبيعية لم يفلح أيضًا، فصار يمشي مشية هجينة متعثّرة، فأضحى مسخرة للطيور وامسى غريبا عن نفسه ... .
نعم، البعض لا يقتنع أن لكل مرحلة عمرية آدابها وقوانينها، ولكل عمرٍ قدراته وحدوده...
إن أعظم المآسي أن لا يتصالح الإنسان مع مرحلته.
أن يقف في الزمن الخطأ، في الجسد الخطأ، وفي الوهم الخطأ.
لكل عمر نبرته،
لكل مرحلة موسيقاها،
ولكل فصل حكمته.
الطفولة دهشة،
الشباب اندفاع،
الكهولة اتزان،
والشيخوخة تأمّل.
ومن لا يحترم ترتيب الفصول، يضيع بين التقويم والمرآة.
ليس المطلوب أن نستسلم للخريف، بل أن نفهمه.
أن نجلس معه كضيف ثقيل الظل، نسقيه قهوتنا، ونصغي إلى قصصه عن الفقد، عن الصمت، عن المعنى.
فالشيخوخة ليست هزيمة…
إنها لحظة مراجعة كبرى.
وفي النهاية، لسنا سوى أوراق على شجرة الزمن.
تهزّنا الرياح،
تلوّننا الأيام،
ثم نتهاوى واحدًا واحدًا…؛ فعندما يتوقّف النبض، تسقط آخر ورقة، ويُسدل الستار، ويصبح الإنسان نسيًا منسيًا...
حتى يعود العالم إلى صمته الأول.
نعم ؛ على المرء أن يهيّئ نفسه لاستقبال خريف العمر والتكيّف معه، فلا ينزعج ولا يقلق حين يرى بأمّ عينيه كيف تتساقط وريقات الحياة من شجرة الإنسان في خريفه...



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...
- العراق بين تآكل الهوية الوطنية وتشظي الذات الجمعية واستدعاء ...
- جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفو ...
- صناعة الصنم : كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته ...
- المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف:قراءة ف ...
- التجنيد الإلزامي في العراق: استراتيجية أمنية عتيقة أم هدر لل ...
- المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات
- سقوط الصنم: تفكيك بنية النظام الصدامي بوصفه مشروعاً غريباً و ...
- المعادلة الوجودية: حساب الزمن ومصاريف العمر
- أغنية في حضرة الموت
- ابنُ الربيع الذي ضاق بالأرض
- ألفُ مفخخةٍ ولا صدامٌ واحد: سردية الألم العراقي بين النظام ا ...
- طوفان المني : سيرة الاضطراب والاغتراب الوجودي
- عندما تغيب الشمس عن جنوب لبنان: قراءة استراتيجية في العدوان ...
- بين راتب يذوب وسوق يلوح من بعيد
- التضامن الخارجي أم الأمن الغذائي الداخلي؟
- النفط العراقي بين مطرقة الأطماع وسندان التخريب


المزيد.....




- وسط الجدل الدائر.. شاهد الملك تشارلز يمازح ترامب بشأن قاعة ا ...
- أصالة نصري بإطلالة تحمل عبق الياسمين الشامي إلى باريس
- تغرق بعزلة تامّة.. مشاهد آسرة من جزيرة بيضاء في اليابان خالي ...
- قميص أحمر وحقيبة نسائيّة..آيساب روكي يخطف الأضواء من النجمات ...
- -إيران لديها 3 أوراق متبقية لتلعبها- وما أوراق واشنطن.. نائب ...
- اليابان: سفينة تابعة لنا عبرت مضيق هرمز.. ونعتبر الأمر تطورً ...
- ترامب يدرس إعلان نصر أحادي.. واستطلاعات الرأي تكشف: الأميركي ...
- ترامب: الملك تشارلز يتفق معي -أكثر من نفسي- ضد نووي إيران
- مالي: أسيمي غويتا يقول إن -الوضع تحت السيطرة- رغم إقراره بخط ...
- هل انتهى زمن خشونة المفاصل؟ اكتشاف يعيد بناء الغضروف من جديد ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم