أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - بين راتب يذوب وسوق يلوح من بعيد














المزيد.....

بين راتب يذوب وسوق يلوح من بعيد


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 19:39
المحور: الادب والفن
    


لم يكن سعد جاهلا بقوانين الثراء، ولا أعمى عن دروبه الملتفة حول الاسواق؛ كان يدرك، بصفاء يشبه صفاء الحقيقة حين تتعرى، ان المال لا يستولد من رحم الوظيفة، بل من مغامرة...؛ تخاطر وتربح او تخسر... .
نعم، كان سعد يعلم، بفطرة المتأمل، ان الثراء لا يرقد في حضن الوظيفة، بل هو قرين المجازفة في فلوات التجارة.
غير ان نشأته في بيئة خائفة، تتكئ على جدران العادة وتستدفئ برتابة الايام، وترتعد من ريح التغيير...؛ وترعرع في وسط عائلي يعبد الرتابة ويحرم المغامرة...؛ جعلته يجنح — كغصن اثقله المطر — نحو وظيفة حكومية، حيث الامان البارد اشبه بقفص من ذهب باهت...؛ راتبها كالنبض الثابت، لا يزداد وان تمادى الغلاء وتصاعدت نيران العيش...؛ فهو، بالكاد، يستجمع قوة البقاء لسد حاجات الانسان الضرورية: اجور الكهرباء كأنها جزية الضوء، وفواتير الماء كرسم الحياة، وثمن الانترنت كبوابة لعالم لا يملك له مفتاحا...؛ اما بقية الامور، فهي معركة ينازل فيها العدم...؛ فاذا اصابته نكبة صحية، حار كمن يبحث عن ماء في صحراء، ليجمع ثمن مراجعة الطبيب وشراء الدواء...؛ واذا رغب الاولاد في ثوب جديد للعيد او المدرسة، ضاقت عليه الدنيا بما رحبت، حتى صار كل شهر يعيد سيناريو الذل: يطرق الابواب مستقرضا، ثم ينتظر الراتب ليرد القرض، كمن يسعى في حلقة مفرغة لا تنتهي...؛ فما ان يسدد قرض قديم حتى يدخل في قرض جديد .
نعم، كان راتبه الشهري ياتيه كضيف ثقيل، لا يحمل معه بشائر الفرح، بل يجر خلفه قافلة من الالتزامات: فواتير الكهرباء والماء، اشتراك الانترنت، نداءات الهاتف، ومصاريف المواصلات والطعام...؛ وما ان يجلس سعد الى مائدته الحسابية حتى يكتشف ان الارقام تتبخر كقطرات ندى تحت شمس قاسية، فلا يبقى منها الا ما يسد الرمق، وكان الحياة قد اختزلت نفسها في معادلة البقاء.
كلما قبض راتبه، نظر اليه سعد نظرة المستغرب، كانه مال سحت لا بركة فيه...؛ يقلبه بيمينه وشماله، يرجو ان يكفيه هذا الشهر، لكن ظنونه تخيب وتذهب توقعاته ادراج الرياح...؛ جزع سعد وضجر من بذل ماء وجهه بين الحين والاخر، فكل قرض كان ياخذ من كرامته قطعة لا تعود... .
نعم، هو يستدين كمن يستعير بعضا من كرامته، ليعيدها لاحقا مثقلة بالخجل...؛ فقد كان الاقتراض بالنسبة اليه طقسا شهريا، كانما الزمن نفسه قد تعاقد معه على تكرار الانكسار... .
ينظر الى الدنانير المعدودة، فيعدها ويعيد عدها بهوس شبه يومي، كان التكرار قد ينزل عليها بركة، او يزيدها بقدرة الواحد الاحد...!!
تارة يرفع بصره الى السماء، كموسى ينتظر المن والسلوى، واخرى يطرق بوجهه الى الارض، مثقلا بحمل المسؤوليات التي تتراكم كالجبال على ظهر نملة...؛ وفي هذا التردد بين العلو والانكسار، كانت ايامه تمضي: كد، وتعب، وانتظار، وحسابات لا تنتهي... , وهكذا تنقضي ايامه بين الكد والتعب والاقتراض والعوز....
والمشكلة لا تكمن في هذا فحسب، بل في ان بعض الجيران يحسبونه افضل حالا منهم، لانه "موظف" وهم بغير وظيفة!
فلا ادري: اهو الجهل بطبيعة الارزاق هو السبب، ام ان المجتمع لا يزال ينظر الى الموظف بعين الحسد، ظنا ان راتبه الثابت كنز، بينما هو قيد؟
ام لان بعض الموظفين اثروا ثراء فاحشا بطريق الفساد، فخلط الحابل بالنابل؟
اي مفارقة هذه التي تجعل الكاسب يخشى تقلب السوق، ويحسد في الوقت ذاته من استسلم لثبات قاتل؟
فكر سعد طويلا في اجتياز عتبة السوق واقتحام فضاء الاعمال الحرة...؛ لكنه يتردد كمن يقف على حافة هاوية، لا سيما وقد مضى به العمر شطره...؛ فهو في شبابه كان يخاف من زخر السوق ومغامراته، فكيف به الان، وقد صار كهلا، تثقل رجلاه عن الخطو الى مجهول الرزق؟
كيف يقاتل في ساحة لم يتعلم لغتها في شبابه؟
لقد صدق القول القديم: من شب على شيء، شاب عليه...؛ وهكذا ظل معلقا بين ضفتين: ضفة الامان الذي يقتله ببطء، وضفة المخاطرة التي لا يجرؤ على عبورها...؛ وفي هذا التعليق، كان يعيش حياة لا هي حياة الراضين، ولا هي حياة الساعين؛ بل حياة المؤجلين، اولئك الذين يعرفون الطريق...، لكنهم لا يسلكونه ... !!



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التضامن الخارجي أم الأمن الغذائي الداخلي؟
- النفط العراقي بين مطرقة الأطماع وسندان التخريب
- الوحدة في زمرة الجموع: الانزياح الرقمي عن العالم الحقيقي
- ظلُّ علي : حوار الأرواح عبر متاهة الزمن
- عُمرٌ في معمل الزمن
- ارتباك البدايات والصحوة الحائرة
- الخوارزميات بين الحياد المزعوم وتشكيل الوعي: حين يُدار الصوت ...
- دمٌ عراقي تحت سماءٍ مستباحة
- الأمة العراقية ودولة المواطنة: ضرورة الانبثاق في مواجهة التش ...
- شريعة الغاب: لماذا ينتصر ذو الناب ؟
- القتل خارج السيادة الوطنية
- الوهم القيادي: لماذا ينهار جدار الولاء عندما يُبنى على سراب ...
- الدولة والمجتمع في العراق الحديث: جذور القطيعة وإشكالية الشر ...
- العراق: أزمة الانسجام الوطني بين فشل الدولة وسياسات التمزيق
- الدرجات التي لا تُرى
- المشاعر بين ظلام الجهل ونور الفهم
- الصمت بوصفه لغة خفية: قراءة نفسية اجتماعية في مواجهة صدمات ا ...
- محاولة استدراج الأكراد لفتح جبهة داخلية في ايران
- الوعي الوطني والحس القومي في إيران: بين الإرث التاريخي والتم ...
- الهوية الوطنية بين مجد الذاكرة وعبء الحاضر ورهان المستقبل


المزيد.....




- بيت المدى يحتفي بالفنان حسن المسعود
- المعايير العلمية في الخطاب الإعلامي في اتحاد الأدباء
- صوت مصري في فيلم عالمي.. نور النبوي يخطف الأنظار
- ملتقى الرواية الشفوية في رام الله: الذاكرة الفردية كخط دفاع ...
- «من مراسمنا».. معرض يجمع أجيال الفن التشكيلي في بغداد
- بعد حكيم زياش.. بن غفير يهاجم الممثل التركي جوركيم سفينديك ب ...
- المغرب: ما سبب مقاضاة فناني راب داعمين لـ-جيل زد-؟
- عندما يسرق الفراغ قلبًا
- شاهد..فنان ذكاء اصطناعي -مليونير- يُنتج أعماله بشكل مباشر أم ...
- ثلاث قوى عالمية متخيلة.. هل صارت خريطة جورج أورويل الروائية ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - بين راتب يذوب وسوق يلوح من بعيد