أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الهوية الوطنية بين مجد الذاكرة وعبء الحاضر ورهان المستقبل















المزيد.....

الهوية الوطنية بين مجد الذاكرة وعبء الحاضر ورهان المستقبل


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 09:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الهوية الوطنية، ولا الدولة القوية، نتاجًا حصريًا لذاكرةٍ تاريخيةٍ لهذا الشعب أو تلك الأمة، مهما كانت تلك الذاكرة زاخرةً بأمجاد الفخر والانجازات والانتصارات أو مثقلةً بآلام التحديات والانتكاسات والازمات ... ؛ فالتاريخ ــ على جلال مكانته وعمق أثره ــ ليس سوى عنصرٍ من عناصر الواقع المعاش، ومكوّنٍ من مكوّنات الوعي الجمعي، لا يقوم وحده مقام المشروع، ولا يغني بذاته عن الفعل الاني .
نعم , الهوية الوطنية ليست مجرد إرثٍ نتلقّاه عن الآباء والأجداد، ولا هي وثيقة تاريخية نفتخر بها في المحافل أو نتخِذُها ستاراً نستتر به من زحام الواقع وتعقيداته... ؛ إنها مشروعٌ متجدِّد، ووعيٌ جمعيٌّ يتشكّل عبر تفاعل ثلاثي الأبعاد: الماضي بكل تجاربه، والحاضر بكل تحدياته، والمستقبل بكل طموحاته... ؛ فالحديث عن الهوية الوطنية والدولة القوية لا يمكن اختزاله في استحضار الذاكرة التاريخية فقط، مهما كانت تلك الذاكرة زاخرة بأمجاد الانتصارات أو مثقلة بآلام الانكسارات... ؛ ذلك أن التاريخ - على جلالة قدره وعمق أثره - يظل عنصراً أساسياً ضمن عناصر الواقع المعاش، لا غنى عنه، لكنه غير كافٍ وحده لصناعة الأمم .
فالهوية الوطنية، وإن كانت تستمدّ من التاريخ جذورها، فإنها لا تستمدّ منه فحسب حركتها وديمومتها الحضارية وفاعليتها ... ؛ نعم هي تحتاج إلى الماضي لتستحضر أمجاد الأسلاف، وتستلهم من تجاربهم العبر والدروس، لكنها تحتاج، بالقدر نفسه، إلى رؤيةٍ حاضرةٍ تفسّر تعقيدات الواقع، وإلى مشروعٍ مستقبليٍّ يضع حجر الأساس لبناء الغد المشرق ... ؛ ذلك أن الأمم التي تعيش أسيرة الذاكرة، وتكتفي بالبكاء على أطلال التاريخ، سرعان ما تتحوّل إلى كياناتٍ جامدةٍ تعيد إنتاج خطاب الحنين بدل أن تُنتج خطاب الإنجاز... .
صحيح أن التاريخ هو وعاء التجربة الإنسانية لأي أمة، وفيه نجد فخر الماضي الذي يمدنا بالثقة، وعِبَر الماضي التي تحذرنا من الزلل... ؛ لكن الهوية الوطنية الحية تحتاج - إلى جانب ذلك كله - إلى مشروع نهضوي واضح، يُترجم دروس الأمس إلى أدوات عمل في اليوم، ويؤسس لرؤية استشرافية تُفسِّر لنا تعقيدات الواقع المعاصر، وتضع حجر الأساس لغدٍ أفضل... ؛ فلا قيمة لتاريخ نعيش على هامشه، ولا خير في أمة تكتفي بالتغني بأمجاده وهي واقفة في ظلال الماضي تبكي على الأطلال، دون أن تمتلك الجرأة على مواجهة الحاضر أو الاستعداد للمستقبل... ؛ إننا إذا حشرنا أنفسنا في زوايا التاريخ، جعلنا منه سجناً لنا، لا نافذة نطل منها على العالم .
ليست المشكلة في استحضار الماضي، بل في الارتهان إليه لاسيما في صورته السلبية ... ؛ فالتاريخ إذا تحوّل إلى أداةٍ للانقسام، أو إلى وسيلةٍ لتغذية العصبيات، أصبح عبئًا على الهوية بدل أن يكون رافعةً لها... ؛ أما إذا أُحسن توظيفه، وغُرست دلالاته في تربة الحاضر، فإنه يغدو قوةً معنويةً تدفع نحو التماسك، وتمنح المجتمع ثقةً بذاته وقدرته على النهوض ... .
إن الهوية الوطنية الحيّة هي تلك التي تتجدّد باستمرار، وتعيد تعريف ذاتها في ضوء المتغيرات، دون أن تفقد ثوابتها الكبرى... ؛ وهي لا تُبنى بالشعارات، ولا تُختزل في الرموز، بل تتجسّد في منظومةٍ من القيم المشتركة: في العدالة التي يشعر بها المواطن، في المساواة أمام القانون، في الإحساس بالمصير الواحد، وفي الإيمان بأن الوطن إطارٌ جامعٌ لا ساحةُ صراعٍ بين الهويات الفرعية .
ومن هنا، فإن النهوض بالوطن لا يكون بتقديس الماضي ولا بقطيعته، بل بقراءته قراءةً نقديةً واعية... ؛ قراءةٌ تستخلص منه عناصر القوة، وتعترف بأخطاء التجربة، وتؤسس على ذلك مشروعًا وطنيًا جامعًا... ؛ مشروعًا يعيد الاعتبار للإنسان بوصفه الغاية والوسيلة، ويجعل من التعليم والعلم والعمل والإنتاج أولوياتٍ لا شعاراتٍ عابرة ... .
وما قيمة التاريخ إذا لم يتحوّل إلى وعيٍ في الحاضر، وإلى خطةٍ في العمل، وإلى أملٍ في المستقبل؟!
وما جدوى الأمجاد الماضوية إذا لم تُترجم إلى مؤسساتٍ راسخة، وقوانين عادلة، واقتصادٍ منتج، وثقافةٍ تحترم التعدد وتحتضن الاختلاف؟!
إن الأمة التي تريد مستقبلًا مشرقًا لأبنائها لا يكفيها أن تتغنّى بماضيها، بل عليها أن تُحسن صناعة حاضرها... ؛ فالحاضر هو المختبر الحقيقي للهوية، وهو الميدان الذي تُقاس فيه صدقية الخطاب الوطني... ؛ فإذا صلح الحاضر، واستقام ميزان العدالة، وتحققت الكفاءة في إدارة الموارد، صار المستقبل امتدادًا طبيعيًا لجهدٍ واعٍ لا لصدفةٍ عابرة .
إن الهوية الوطنية ليست ذكرى تُستعاد، بل مسؤولية تُحمل... ؛ وليست شعارًا يُرفع، بل مشروعًا يُنجز... ؛ وبين الذاكرة والمستقبل يقف الحاضر بوصفه ساحة الفعل، فإن أُحسن استثماره نهض الوطن، وإن أُهمل ظلّ يدور في حلقة الحنين والعجز...
نعم , إن الهوية الوطنية في جوهرها ليست نسقاً جامداً، بل هي كيان حي يتطور بتطور الأمة، ويستوعب متغيرات العصر دون أن يفقد ثوابته. فالتنوع الثقافي والديني والقومي الذي يميز مجتمعاتنا - وخاصة العراقية منها - ليس نقطة ضعف، بل هو مصدر إثراء حقيقي للهوية، شريطة أن يُدار هذا التنوع في إطار مشروع الامة العراقية ودولة المواطنة المتساوية، والانتماء إلى دولة القانون والمؤسسات... ؛ إن التحدي الأكبر الذي يواجه بناء الأوطان اليوم ليس في تعدد مكوناتها، بل في تحويل هذا التعدد إلى قوة دافعة للبناء، بدلاً من أن يكون سبباً للصراع والتمزق .
وللنهوض بالوطن، لا بد من الانتقال بالهوية الوطنية من دائرة "الانتماء العاطفي" إلى دائرة "المشاركة الفاعلة"... ؛ فالوطن لا يُبنى بالشعارات وحدها، ولا بحفظ التاريخ واستظهار الأنساب، بل بالعمل الدؤوب، والعلم النافع، والإنتاج المتقن، والعدالة الاجتماعية، واحترام الكرامة الإنسانية... ؛ إن مشروع النهوض يتطلب منا أن نعيد قراءة تاريخنا قراءة نقدية بناءة، نستخلص منها العبر، ونُميِّز فيها بين الجوهر والعرض، وبين ما هو صالح لكل زمان وما هو ابن لحظته التاريخية... ؛ ثم ننطلق من هذه القراءة إلى تشكيل خطاب وطني معاصر، يخاطب العقل والوجدان معاً، ويجمع أبناء الوطن على هدف واحد: بناء دولة قوية عادلة، تكون ملاذاً للجميع وحاضنة لطموحاتهم .
فما قيمة الأمجاد الخالدة إذا بقيت حبيسة الكتب والمتاحف، ولم نستطع تحويلها إلى واقع معاش في حاضرنا؟
وما قيمة التاريخ إذا لم نستفد منه في تشييد صروح العلم والصناعة والإبداع، وتمكين الشباب من أدوات المستقبل، وتأهيلهم ليكونوا صناع قرار لا مجرد متلقين سلبيين؟
إن التاريخ الحقيقي للأمم هو ما تكتبه اليوم بأيدي أبنائها، لا ما ورثته عن أسلافها. والوطن القوي هو الذي يستطيع أن يحول ذاكرة المجد إلى وقود للحاضر، وذاكرة الألم إلى درس للمستقبل .
علينا إذاً أن ندرك أن الهوية الوطنية لا هي ( ليترًا) يُوزن، ولا هي شِعار يُرفع في المناسبات، بل هي مسؤولية كبرى تقع على عاتق النخب والمثقفين والسياسيين، وقبلهم على عاتق كل مواطن... ؛ و هي التزام يومي بقيم المواطنة الصالحة، والعمل على تحقيق الصالح العام، والإيمان بأن هذا الوطن ليس ملكاً لجيل دون جيل، ولا لطائفة دون أخرى، بل هو مشترك إنساني نتوارثه عبر الأجيال، وعلينا أن نسلمه للأبناء أقوى مما تسلمناه من الآباء... ؛ عندها فقط تصبح الهوية الوطنية قوة دافعة للنهوض، لا مجرد ذكرى نتفيأ ظلالها .
وهكذا، فإن السؤال الحق ليس: ماذا كان تاريخنا؟ بل: ماذا نفعل اليوم ليكون لنا تاريخٌ يُروى غدًا؟



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقولة وتعليق / 66 / «الوفاء في زمن الخذلان: قراءة نقدية في ت ...
- التدين بين تغييب الذات الفردانية وانصهار الهوية الشخصانية :ق ...
- عقد الثمانينيات : العقد الأكثر دموية في تاريخ العراق الحديث
- بوصلَةُ السياسي: بين الوطنيةِ والانغلاقِ الأيديولوجي والفساد
- ازدواجية الخطاب الأميركي: من تمثال الحرية إلى سياسات ترامب
- التمدد الكويتي في المياه العراقية: قراءة في التاريخ والجغراف ...
- مذبحة القاهرة الكبرى: حين دخل العثمانيون مصر بالسيف والنار
- الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى
- الطاغية الصغير: سايكوباتية القيادة وتحويل المؤسسة إلى جحيم إ ...
- التناغم الكيميائي : حينما تذوب النفوس في بوتقة اللقاء
- مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في و ...
- ضحايا بلا صدى: التواطؤ الصامت مع استهداف الشيعة في الوعي الس ...
- بين المنفى والداخل: قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية في إشكالية إ ...
- مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد
- العراق بين نعمة الجغرافيا ولعنة الموقع: قراءة في القدر الجيو ...
- تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري
- معاداة الاغلبية العراقية في سوريا: بين التعبئة الطائفية ومخا ...
- العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي
- العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إر ...
- القيادة السامة في المؤسسات الحكومية: مقاربة نفسية-اجتماعية ل ...


المزيد.....




- فيديو يُظهر لحظة قتل الشرطة الأمريكية لمشتبه به في إطلاق نار ...
- إصابة نجل وزير المالية الإسرائيلي في اشتباكات جنوب لبنان
- -عملية الغضب الملحمي- وانهيار قطع الدومينو في الشرق الأوسط - ...
- دعوة أممية لتحقيق -سريع ومحايد- في الهجوم على مدرسة بإيران
- إصابة نجل سموتريتش بنيران حزب الله عند الحدود اللبنانية.. وت ...
- المساعدات الاجتماعية في ألمانيا .. ما جديدها وكيف ستطبق؟
- حرب إيران ـ الشفرة الخفية لرهانات الصين وروسيا!
- 8 مارس: لنبن نسوية كفاحية ضد النيوليبرالية والاستبداد والعسك ...
- زيلينسكي يؤكد أن أوكرانيا ستساعد الولايات المتحدة في التصدي ...
- ماذا تبقى من قدرات إيران العسكرية؟


المزيد.....

- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الهوية الوطنية بين مجد الذاكرة وعبء الحاضر ورهان المستقبل