أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد














المزيد.....

مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 11:39
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


بعضنا قرأ مقولة الأديب الروسي العظيم (ليو تولستوي) التي تُلخِّص مصيرَ الإنسان بمصدره الأول , اذ قال : "إنها العائلة، إما أن تصنع إنساناً أو كومة عُقد."
ليست الأسرة مجرد إطارٍ اجتماعيٍّ يضم أفرادًا تحت سقفٍ واحد، بل هي المصنع الأول الذي تُصاغ فيه ملامح الإنسان النفسية والعقلية والوجدانية والاخلاقية والوراثية ... ؛ ولعل مقولة الأديب الروسي ليو تولستوي تختصر هذه الحقيقة بعمقٍ بالغ؛ فإما أن تصنع الأسرة إنسانًا سويًّا، متوازنًا عقليًا ونفسيًا وعصبيًا، وإما أن تُنتج كومةً من العُقَد، تحمل جسد إنسانٍ وقلبه، لكن بروحٍ مأزومة وعقلٍ مثقل بالاضطراب.
من خلال التأمل في تجارب واقعية عديدة، يتبين أن التفكك الأسري ليس حدثًا عابرًا، بل مسارًا طويلًا من التصدعات الصامتة التي تبدأ غالبًا من الفقر، أو القهر، أو الإهمال العاطفي، أو العنف الرمزي والمادي ... ؛ هذه العوامل لا تنتهي آثارها بزوال أسبابها، بل تترك ندوبًا عميقة في النفس، تستمر حتى لو تحسنت الظروف المادية لاحقًا... ؛ فالفقر، مثلًا، لا ينهك الجسد فحسب، بل قد يزرع في الداخل شعورًا دائمًا بالنقص، والخوف، وانعدام الأمان، وهي مشاعر تتحول مع الزمن إلى أنماط سلوكية مؤذية.
الأخطر في الأمر أن كثيرًا من هؤلاء لا تبدو عليهم ملامح الاضطراب بوضوح؛ ينجحون اجتماعيًا، ويحققون مكاسب مادية، وربما يبدون عقلانيين ومتزنين في الظاهر... ؛ غير أن الداخل يحكي قصةً أخرى: فراغ عاطفي، وبرود إنساني، وعجز عن الحب الحقيقي، يقابله استعداد عالٍ لإيذاء الآخرين واستغلالهم... ؛ فهم لا يضرون أنفسهم مباشرة، بل يوجهون أذاهم نحو من يختلط بهم أو يتعامل معهم، وكأنهم يعيدون إنتاج ما تعرضوا له، ولكن بأدوار معكوسة.
المال، في هذه الحالة، لا يكون وسيلةً للعيش الكريم، بل يتحول إلى غايةٍ مرضية، وإلى تعويضٍ قاسٍ عن حرمانٍ قديم... ؛ ومع ذلك، لا يتحقق الشبع ولا الاكتفاء، لأن الجوع هنا ليس جوع المعدة، بل جوع الروح... ؛ ولهذا لا يشعرون بالذنب، إذ إن الضمير ذاته قد تشكل في بيئةٍ مختلة، فلم يتعلم التعاطف، ولا تحمّل المسؤولية الأخلاقية تجاه الآخر.
إن أخطر ما تفعله الأسرة حين تفشل، أنها تخرّج أفرادًا قادرين على التخريب وهم يظنون أنهم ناجحون، وقادرين على الإيذاء وهم يعتقدون أنهم أقوياء... ؛ ومن هنا، فإن إصلاح المجتمع لا يبدأ من القوانين ولا من الاقتصاد فحسب، بل من داخل البيوت: من طريقة التربية، ومن العدالة العاطفية بين الأبناء، ومن توفير الأمان النفسي قبل أي شيء آخر... ؛ فأسرةٌ سليمة قد تنقذ إنسانًا من أن يكون عبئًا على نفسه وعلى غيره، وأسرةٌ مريضة قد تصنع أزمةً تمشي على قدمين ؛ وفرد مُثقَلٌ بالأمراض والعقد والاضطرابات النفسية.
**التحليل النفسي والاجتماعي:

1. الصدمة المُعَاد إنتاجها: يرى التحليل النفسي، وخاصة نظرية التعلق، أن أنماط العلاقة المختلة التي نشأ عليها الفرد في أسرةٍ مُهملة أو مسيئة، تُعاد تمثيلها (إعادة التمثيل) في علاقاته اللاحقة... ؛ فمن عانى الإهمال العاطفي أو العنف، قد يطور دفاعاتٍ نفسيةً قاسية (كالنرجسية أو الانعزال العاطفي) تحمله على إيذاء الآخرين كطريقة غير واعية لتكرار الصدمة والتحكم بها هذه المرة.
2. الفقر كصدمة مركبة: لا يعتبر الفقر مجرد حالة مادية، بل هو صدمة اجتماعية نفسية مستمرة... ؛ فهو يولد شعوراً عميقاً بالعجز والحرمان وانعدام القيمة... ؛ عند بعض الناجين منه، قد يتحول هذا الإحساس إلى نزعةٍ استحواذيةٍ هائلة تجاه المال، كتعويض رمزي عن كل ما فقده... ؛ لكن المال لا يعالج الجرح النفسي، فيظل الشعور بالخواء قائماً، مما يغذي دائرة السلوك التدميري.
3. اغتراب الضمير والعدوانية النفعية: عدم الشعور بالذنب المذكور هنا يمكن تفسيره عبر آلية الدفاع النفسي المعروفة بـ "الكبت" و"التبرير"... ؛ حيث يقوم الفرد بقمع مشاعره الأخلاقية الأساسية وتبرير أفعاله العدائية بأنها ضرورية للبقاء أو للوصول إلى ما حُرم منه... ؛ و من المنظور الاجتماعي، يصبح هذا سلوكاً نفعياً بحتاً، تُقدَّم فيه المصلحة المادية الضيقة على كل رابط إنساني، فيصبح الآخر مجرد وسيلة أو عائق.
4. الدور الاجتماعي المُشَوَّه: الأسرة، كنظام اجتماعي، تمنح الفرد أولى أدواره (الابن، الأخ)... ؛ عندما يفشل هذا النظام، يخرج الفرد وهو يحمل دور "الضحية-الجاني" المشوه... ؛ و في العلاقات اللاحقة، قد يرفض دور الضحية الهش ويتبنى بقوة دور "الجاني" القوي المسيطر، كي لا يُجرح مرة أخرى، فيُجرح غيره بدلاً عن ذلك.
5. الوباء الاجتماعي الخفي: تُظهر هذه الحالات كيف يمكن للصدمة الأسرية أن تتحول إلى "وباء" علائقي صامت... ؛ فالشخص المُحمَّل بالعقد لا يدمر نفسه فحسب، بل يصبح ناقلاً للأذى، يحطم ثقة من حوله، ويعزز فيهم بدورهم أشكالاً من الخوف أو العدوانية، مما يوسع دائرة الخراب الاجتماعي.
**خاتمة:
مقولة تولستوي، وما تلاها من مشاهدات، ليست حكماً قدرياً، بل هي إنذارٌ نفسيٌ واجتماعي... ؛ إنها تؤكد أن الاستثمار في الصحة النفسية للأسرة ليس ترفاً، بل هو أساس البناء الحضاري... ؛ و علاج هذه الدوائر المفرغة يتطلب جرأةً على مواجهة الجراح القديمة، وفهماً عميقاً لآلية انتقالها، واستعادة للضمير الجمعي الذي يضع الإنسانية فوق المنفعة، والعلاقة فوق المال... ؛ فالأسرة حقاً يمكن أن تكون رحِماً دافئاً لإنسانٍ سوي، أو أن تتحول – إذا أُهملت – إلى مقبرةٍ أولى تُدفن فيها إمكانيات الحب والثقة والسلام.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين نعمة الجغرافيا ولعنة الموقع: قراءة في القدر الجيو ...
- تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري
- معاداة الاغلبية العراقية في سوريا: بين التعبئة الطائفية ومخا ...
- العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي
- العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إر ...
- القيادة السامة في المؤسسات الحكومية: مقاربة نفسية-اجتماعية ل ...
- أشباحٌ تمرُّ عبر شاشات العالم الافتراضي
- مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار ال ...
- معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل ا ...
- وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !! تشظي الهوية العراقية وا ...
- بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتع ...
- تحليل ظاهرة الاضطهاد الطائفي والعنصري في الدول العربية
- سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِي ...
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...
- مرايا الإسفلت
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو


المزيد.....




- -كل زواج يمر بأزمات-.. وزير الدفاع الألماني عن توتر العلاقات ...
- مؤسسات حقوقية تدين التوسع في استدعاء شخصيات حقوقية وسياسية ل ...
- أخبار اليوم: -مجلس سلام- غزة يعقد أول اجتماع الأسبوع القادم ...
- الجولة 22 من البوندسليغا .. بايرن والفرق الكبرى يفرضون قوتهم ...
- كيف يساعدك الصيام على التخلص من إدمان السكريات؟
- البديل الأخضر للبلاستيك.. ابتكار غشاء قابل للتحلل يحافظ على ...
- -أم كامل-.. الحياة في بيروت تحت أزيز المسيرات
- قضية مقتل هدى شعراوي.. فيديو تمثيل الجريمة يكشف تفاصيل جديدة ...
- اكتشاف رسوم صخرية نادرة من عصور ما قبل التاريخ في جنوب سيناء ...
- تبنٍّ أم احتجاز.. أين آلت قضية طفلة أفغانية بحوزة عائلة أمري ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد