أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - مرايا الإسفلت














المزيد.....

مرايا الإسفلت


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 10:27
المحور: الادب والفن
    


في عطلة رأس السنة، حين كانت المدينة تخلع تقويمها القديم وتلبس وجهاً جديداً من الضباب والأضواء، جلس عباس بين صديقين مقرّبين، يبادل أكواب القهوة والشاي كما لو كان يبادل أعماراً فائتة... ؛ كانت الملاعق تدور في الفناجين، فتُحدث دوائر صغيرة تشبه أفلاكاً مصغّرة، بينما الوقت نفسه يتباطأ، كأنه يتأملهم من بعيد...
وفجأة، انشقّ المشهد... ؛ لمح عباس، من خلف زجاج المقهى، ظلاً يعرفه حدّ الألم والغبن ... ؛ ركّز بصره خلسة، فإذا بالوجه ذاته يطلّ عليه من ذاكرة الإسفلت: ملامح إسمنتية قاسية، وطَلّة شيطانية لا تخطئها العين... ؛ همس لصاحبيه: «إنه هو»... ؛ لم يحتج الهمس إلى شرح ؛ فبعض الأسماء لا تُقال، بل تُستحضر...
نهضوا جميعاً، لا للاختفاء فقط، بل ليراقبوا العالم وهو يعيد تمثيل مسرحيته القديمة... ؛ لم يكن الغريم وحيداً؛ كان معه ابنه البكر، يتذوّق المعجّنات في محل قريب، كأن البراءة نفسها تُؤكل بالسكّر... ؛ تابعوهما بنظراتٍ حذرة، ورأوا الأب والابن يختاران أصناف المعجنات كما تُختار الأقنعة، ثم توجّها إلى سيارة تحمل رقماً حكومياً؛ رقمٌ بدا لعباس كختمٍ على جريمة مؤجّلة... ؛ تذكّر، بلا جهد، ولع غريمه بنهب المال العام، كأن خزائن الدولة كانت حلوى أخرى تُلتهم بلا حساب...
انطلقت السيارة، وانطلقت خلفها سيارة عباس الحديثة، ثلاثتهم فيها كفكرة واحدة ذات ثلاثة أصوات... ؛ كانت سيارة الغريم تسير متعرّجة، تغيّر مسارها بين حين وآخر، تختفي ثم تعود، مثل كذبةٍ ماهرة... ؛ وبحكم خبرتهم الأمنية السابقة، كانوا يعثرون عليها سريعاً، كما يُعثر على الحقيقة بعد طول مراوغة... ؛ وقد تسلّل الشك إلى عباس: «لقد عرف أننا نتبعه»... ؛ لكن صاحبيه هدّآه؛ قالا : إن السير طبيعي، وإن الهواجس أحياناً تخلق أعداءً من الظلال...
بعد اللتيا والتي، انكشف العنوان... ؛ بيت الغريم وقف هناك، صامتاً، كأن الجدران تحفظ أسراراً أكثر مما تحتمل... ؛ عند تلك العتبة، بدأت مرحلة أخرى: التخطيط، الاحتمال، والأسئلة الثقيلة... ؛ رسموا سيناريوهاتٍ استباقية، تخيّلوا ضربةً قاضية لا تُريق دماً، بل تُسقط قناعاً... ؛ غير أن القدر، ذلك المخرج الساخر، لم يمنحهم مهلة ( بروفة) .
على الطريق السريع، جاءت شاحنة مسرعة، بلا اسم ولا وجه، كأنها فكرة طائشة انفلتت من رأس الزمن... ؛ و ارتطمت بسيارة عباس، لا ليكون الاصطدام نهايةً فحسب، بل ليكون سؤالاً مفتوحاً... ؛ في لحظةٍ واحدة، صمتت الأصوات الثلاثة، وبقي الغريم حيّاً طليقاً، كما لو أن العدالة نفسها أخطأت المخرج...
بعد الحادث، ظلّ الإسفلت مرآةً كبيرة تعكس ما لا نريد رؤيته: أن الشرّ لا ينتصر لأنه قوي، بل لأن الصدفة كثيراً ما تصطفّ إلى جانبه... ؛ وأن بعض المطاردات لا تنتهي بإمساك الهدف، بل بانكشاف معنى أعمق: نحن نلاحق أشباحنا بقدر ما نلاحق أعداءنا، وحين نعتقد أننا نكتب النهاية، يكون القدر قد طوى الصفحة وبدأ قصةً أخرى مغايرة...!!



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع ...
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...
- السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية ...
- الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأرد ...
- العمالة الأجنبية والوافدون في العراق: قراءة سياسية-اجتماعية ...
- استمرارية كابوس الثعابين السبعة
- مرونة النظام العراقي الديمقراطي: آلية التصحيح الذاتي وقابلية ...
- ثروات بلا أصحاب: العمالة الأجنبية في جنوب العراق بين منطق ال ...
- تسلّل السوريين إلى بغداد عبر أربيل: مقاربة سياسية–أمنية لظاه ...


المزيد.....




- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...
- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...
- حرب إيران.. اتهامات لترمب بتجاوز القانون واعتراف البنتاغون ي ...
- فهد الكندري.. صوت من السماء يزين ليالي رمضان بالكويت
- كيف صورت السينما والدراما الإيرانية أمريكا وإسرائيل؟ 7 أعمال ...
- -ألوان من قلب غزة-.. أن ترسم كي لا تنكسر
- -أمير الغناء العربي- يصارع الوعكة الأشد.. نزيف مفاجئ يدخل ها ...
- لغة الفن العابرة للحواجز والحدود من غزة إلى لندن عبر لوحات م ...
- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض سعد - مرايا الإسفلت