أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - رياض سعد - سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِيَّةٌ فِي جَسَدِ كَرَّارٍ المَهْشُومِ














المزيد.....

سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِيَّةٌ فِي جَسَدِ كَرَّارٍ المَهْشُومِ


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:58
المحور: الصحافة والاعلام
    


بَيْنَمَا كُنْتُ أَقْلِبُ صَفَحَاتِ الْأَخْبَارِ الْعِرَاقِيَّةِ، كَالَّذِي يَتَصَفَّحُ كِتَابَ أَحْلَامٍ مُرْعِبَةٍ أو يشاهد افلام رعب ... ؛ لا بفضول القارئ بل بقلقِ الشاهد، وقع بصري على خبرٍ لم يكن جديدًا في مادته، لكنه كان جديدًا في طعنه ؛ أَقْشَعَرَّ لَهُ بَدَنِي وَدَمَعَتْ لَهُ عَيْنِي... ؛ لَا لِأَنَّهُ الْخَبَرُ الْمَأْسَاوِيُّ الْأَوَّلُ، وَلَا لِأَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَوَادِثَ نَادِرَةُ الْوُقُوعِ فِي بِلَادِ الرَّافِدَيْنِ، وَلَاسِيَّمَا فِي جَنُوبِهَا الْمَنْكُوبِ... ؛ بَلْ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَادِثَ قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى طَقْسٍ يَوْمِيٍّ، وَإِلَى لُغْزٍ سِيَاسِيٍّ وَعِرَاقِيلَ اجْتِمَاعِيَّةٍ تُورَثُ كَالْمَلَكَاتِ... ؛ و لأن الاعتياد نفسه صار جريمة، ولأن الألم حين يتحول إلى روتين يفقد الناس دهشتهم ويحتفظ بوحشيته كاملة... ؛ هُنَاكَ، بَيْنَ سُطُورِ الْخَبَرِ، كَانَ يَخْتَبِئُ وَحْشُ الْحَقِيقَةِ: طِفْلٌ يُدْعَى كَرَّارٌ، مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ، تِلْكَ الْمَدِينَةِ الَّتِي تَسْكَبُ ذَهَبًا أَسْوَدَ وَتَنْتَحِرُ بِالْعَطَشِ.
كَانَ وَجْهُهُ الْبَرِيءُ يُضِيءُ نُورًا رَافِدِينِيًّا قَدِيمًا، نُورًا يَتَذَكَّرُ زَمَنَ السَّوَاقِي وَحَكَايَاتِ الْأَجْدَادِ... ؛ كأنه قطعة من فجر سومري نسيه التاريخ في زحمة الحروب ... ؛ كُلَّ يَوْمٍ، يَخْرُجُ إِلَى الطَّرِيقِ الْخَارِجِيِّ، فَيَفْتَرِشُ الرَّصِيفَ مَائِدَةً لِأَقْدَاحِ الشَّايِ، وَيَبِيعُ الدُّفْءَ لِعَبَرَةِ الْمُرُورِ: سَائِقِي السَّيَّارَاتِ وَالشَّاحِنَاتِ، الْقَادِمِينَ مِنْ عَوَالِمَ أُخْرَى.
كان كرّار أكبر من عمره، لا لأن الزمن كرّمه، بل لأنه أثقله... ؛ يحمل على كتفيه همّ بيتٍ كامل، وعلى يديه الصغيرتين ارتعاشة الخوف من الغد... ؛ وحين أنهى يومه المثقل بالتعب، وهمّ بالعودة إلى البيت، باغتته شاحنة مسرعة، كأنها قدرٌ أعمى، فدهسته وكسرت جسده الطري، كما تُكسر زهرةٌ على قارعة الطريق دون أن يلتفت إليها أحد.
نعم , لم تكن عيناي تدمعان حزنًا فحسب، بل خجلًا أيضًا؛ خجل الشريك الصامت، وخجل الوطن الذي يتقن فن الصبر حتى التخمة... ؛ فهذه الحوادث المؤلمة لم تعد استثناءً عابرًا في الجنوب العراقي المنكوب، بل تحولت إلى ظاهرة سياسية مكرّسة، وإلى عرفٍ اجتماعيٍّ مشوَّه، تتوارثه الحكومات كما تتوارث العائلات فقرها.
لَكِنَّ مَوْتَ كَرَّارٍ لَيْسَ حَادِثَةً عَرَضِيَّةً؛ إِنَّهُ طَقْسُ الْجَنُوبِ الْخَفِيُّ... ؛ فَأَهْلُ الْجَنُوبِ، كَمَا يَقُولُ الْمَثَلُ الْعِرَاقِيُّ الْقَدِيمُ، " مثل الجمل يحمل ذهب وياكل عاگول "... ؛ نَعَمْ، هُمْ كَالْإِبِلِ الَّتِي تَحْمِلُ الْمَاءَ عَلَى ظُهُورِهَا وَهِيَ تَشْتَكِي الظَّمَأَ... ؛ ثرواتهم تُستخرج من تحت أقدامهم، لكنهم يُمنعون من الاستفادة منها ... ؛ يعيشون فوق كنزٍ هائل، ويُدفنون تحت فقرٍ مزمن... !!
لم يمت كرّار وحده... ؛ مات معه سؤال العدالة، واهتزّت معه صورة الدولة، وانكشفت هشاشة القيم التي نتغنى بها في الخطب والمناسبات الدينية والاجتماعية والمهرجانات الثقافية والفعاليات الاعلامية ... ؛ إن موته ليس حادث سير فحسب، بل بيانٌ سياسيٌّ غير معلن، يعلن أن أبناء الجنوب ما زالوا خارج حسابات النجاة وحقوق المواطنة .
كَرَّارٌ هَذَا لَيْسَ وَحْدَهُ؛ فَقَدْ صَارَ اسْمًا جَمْعِيًّا لِأَلْفِ كَرَّارٍ وَكَرَّارٍ، يَمُوتُونَ كَالْحُبُوبِ عَلَى رَصِيفِ الْحَيَاةِ، أَوْ يَعِيشُونَ مُعَلَّقِينَ بَيْنَ سُخْرِيَّةِ السَّمَاءِ وَصَمْتِ الْأَرْضِ.
كم كرّارٍ جنوبيٍّ قضى نحبه في ظروفٍ مشابهة؟
وكم كرّارٍ ما زال يقف الآن على رصيفٍ آخر، يبيع شيئًا من الحياة ليشتري يومًا إضافيًا منها؟ أطفال يعملون بلا حماية، وبلا قوانين، وبلا دولة تتذكر أنهم مستقبلها لا عبئها...!!
تَحْتَ ضَوْءِ الْقَمَرِ السُّرْيَالِيِّ، يَتَحَوَّلُ جَسَدُ كَرَّارِ الْمَهْشُومِ إِلَى خَرِيطَةِ الْجَنُوبِ: عِظَامُهُ هِيَ الْأَنْهَارُ الْمُحْتَجِزَةُ، وَدَمُهُ هُوَ النِّفْطُ الْمَسْفُوكُ بِدُونِ ثَمَنٍ... ؛ وَالشَّاحِنَةُ الَّتِي دَهَسَتْهُ لَيْسَتْ إِلَّا وَحْشَ الْغُرْبَةِ وَالِاحْتِلالِ الْجَدِيدِ، تَسْحَقُ الْأَحْلَامَ وَتَرْحَلُ بِالثَّرْوَةِ إِلَى عَوَالِمَ لَا تَنْتَمِي إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ...!!
فَمَتَى يَسْتَيْقِظُ الْحُكَّامُ وَالشَّعْبُ مِنْ هَذِهِ الْكَوْبَةِ السَّرِيرِيَّةِ، وَهُمْ يَرَوْنَ أَبْنَاءَهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى أَعْتَابِ الْغِنَى، بَيْنَمَا يَجْنِي الْغُرَبَاءُ وَالدُّخَلَاءُ ثِمَارَ أَرْضِهِمْ الْمُقَدَّسَةِ؟
إِلَى مَتَى سَيَبْقَى الْجَنُوبُ يَحْلُمُ بِالنَّهْرِ وَيَسْقَى بِالْمِلْحِ، وَيَنْامُ عَلَى صَخْرَةِ الذَّهَبِ وَيَسْتَيْقِظُ عَلَى فَرَاشٍ مِنْ شَوْكٍ؟
هَذِهِ هِيَ اللَّعْنَةُ السُّرْيَالِيَّةُ الَّتِي تَجْعَلُ مِنْ كُلِّ طِفْلٍ بَائِعٍ لِلشَّايِ نَبِيًّا مُهَشَّمًا، يَتَنَبَّأُ بِالْهَزِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ كَلِمَةَ النَّصْرِ...
السريالية في هذه البلاد ليست في الأدب، بل في الواقع نفسه: دولةٌ غنية لكن مواطنيها فقراء ، وشعبٌ اعتاد المأساة حتى فقد القدرة على الغضب... ؛ اذ تُمنح خيرات الجنوب للغرباء والدخلاء، للأجانب والمجنسين، بينما يُحرم أهل الأرض من أبسط حقوقهم: الأمان، والكرامة، والفرصة , والعيش الكريم ...!!
إلى متى يبقى الجنوب مرآةً مكسورة تعكس وجه الوطن القبيح؟
وإلى متى يُطلب من الفقراء أن يصبروا، ومن الضحايا أن يصمتوا، ومن الأطفال أن يدفعوا الفاتورة بأجسادهم؟
كرّار لم يكن رقمًا في خبرٍ عابر، بل كان سؤالًا كبيرًا لم نجد له جوابًا بعد... ؛ كان ضوءًا صغيرًا انطفأ، لكن ظله ما زال طويلًا، يلاحق ضمائرنا، إن كانت لا تزال قادرة على الإحساس...



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...
- مرايا الإسفلت
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع ...
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...
- السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية ...
- الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأرد ...


المزيد.....




- تسارعت السيارة لوحدها.. تصادم مفاجئ وحريق قاتل يودي بحياة رج ...
- هجوم روسي جديد يترك نصف مباني كييف بلا تدفئة
- سوريا: من يتحمل مسؤولية -انهيار- المفاوضات بين دمشق والقوات ...
- وفاة فالنتينو غارافاني أيقونة الموضة الإيطالية وصديق النجوم ...
- السلطات اليمنية المدعومة سعوديا تتهم الإمارات بإدارة سجون سر ...
- هبوط مرعب بأورلاندو.. طائرة أميركية تفقد عجلتها الأمامية وتن ...
- الجزيرة ترصد معاناة المرضى الفلسطينيين المحتاجين للعلاج بالخ ...
- أدرجته اليونسكو على قائمة التراث غير المادي.. تعرف على -الدا ...
- وزيرة خارجية فنلندا للجزيرة: نرفض المساس بسيادة غرينلاند
- مرضى السكتات الدماغية يستعيدون قدرتهم على الحديث بفضل هذا ال ...


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - رياض سعد - سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِيَّةٌ فِي جَسَدِ كَرَّارٍ المَهْشُومِ