أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل














المزيد.....

مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 09:48
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


لأول مرة سأخالف منهجي في سلسلة مقولة وتعليق؛ إذ من عادتي أن أعرّج استطرادًا على سيرة صاحب المقولة أو الشاعر، ولو إجمالًا، غير أنّني سأغضّ الطرف هنا عن هذه النقطة... ؛ وذلك لأن هذين البيتين نُسبا إلى الشاعر العراقي بهاء الدين الصيادي الرفاعي، في حين توجد أبيات شعرية شبيهة بهذين البيتين؛ أحدها للشاعر كرامة بطرس، والآخر للشاعر محمود درويش.
وردَ الكتابُ وكان صدري ضيّقًا *** فشممتُ منه روائحًا وعبيرَا
كأنني يعقوبُ من فرحي به ***إذ عاد من شمّ القميص بصيرَا
في هذين البيتين تتكثّف تجربة العاشق في لحظة الانتظار والوصال، وتتحول الرسالة المكتوبة إلى حدثٍ وجودي يبدّل الداخل قبل الخارج، ويعيد ترتيب المشاعر كما تعيد المعجزة البصر إلى عينٍ فقدته... .
ليست الرسائل كلماتٍ تُقرأ فقط، بل أحوالٌ تُعاش، وقد تكون الرسالة أحيانًا أوسع من صدرٍ كان قبلها ضيّقًا، وأعمق من حزنٍ ظنّ صاحبه أنه اعتاده... ؛ فحين يقول الشاعر: «ورد الكتاب وكان صدري ضيقًا» فهو لا يصف لحظة عابرة، بل يختصر زمنًا كاملاً من الانتظار؛ انتظارٍ يُثقل النفس، ويجعل القلب كغرفةٍ مغلقة، يدخلها الهواء بصعوبة.
ثم تأتي الرسالة… لا على هيئة حروف، بل على هيئة رائحة... ؛ وكأن الحبيب لم يبعث كلامه، بل بعث أثره، حضوره الخفي، تلك البصمة التي لا تُرى ولكنها تُحسّ... ؛ فالشمّ هنا أصدق من القراءة، لأن العطر لا يكذب، ولأن الذاكرة تتعرّف على الأحباب من روائحهم قبل أصواتهم.
وحين يستدعي الشاعر صورة يعقوب عليه السلام، فإنه لا يلجأ إلى المبالغة، بل إلى أقصى درجات الصدق... ؛ فالعاشق، مثل يعقوب، لم يفقد بصره فجأة، بل فقده بالتدريج؛ من كثرة التحديق في الغياب، ومن طول التحدّث مع الصمت... ؛ حتى جاءت الرسالة، فكانت قميصًا، لا يُلبس بل يُشم، ولا يُقرأ بل يُحسّ، فعاد القلب بصيرًا بعد عمى الانتظار.
وفي زمن الهاتف المحمول، تتبدّل الأشكال وتبقى المعاني... ؛ اذ ان رنّة الهاتف ليست صوتًا إلكترونيًا فحسب، بل ارتجافة قلب... ؛ وإشعار الرسالة لا يظهر على الشاشة فقط، بل يمرّ في الجسد كله، قشعريرة تبدأ من الرأس وتنتهي عند أخمص القدمين، كأن الروح تُعاد تثبيتها في مكانها الصحيح.
العاشق قبل الرسالة شخص، وبعدها شخص آخر... ؛ قبلها يفتح الهاتف بلا سبب، وبعدها يغلق العالم كله ليقرأ... ؛ قبلها يتّسع الصمت، وبعدها يضيق الكلام عن وصف ما حدث...
وهكذا، من قميص يوسف إلى رسالة هاتف، لم تتغيّر القصة، بل تغيّر الغلاف فقط...
فالقلوب هي القلوب، والانتظار هو الانتظار، والفرح حين يأتي…؛ يأتي دفعةً واحدة، كالمطر على أرضٍ جدباء، لا يشرح نفسه، بل يُحيي ما ظننّاه مات.
خلاصة المعنى : البيتان الشعريان، مع هذا المشهد الحديث، يثبتان أن:
الأدوات تغيّرت، لكن القلب واحد ... ؛ فكما كان القميص رسولًا للفرح، أصبحت الرسالة إشعارًا، وكما عاد يعقوب بصيرًا، يعود العاشق حيًّا بعد طول انتظار.
إنه فرح لا يُرى بالعين، بل يُشمّ بالقلب...



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...
- مرايا الإسفلت
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع ...
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...
- كلما عرفتُ أكثر سقطتُ أعمق ..!!
- حارس الذاكرة
- ظاهرة جريمة السحل في العراق : تشريح فلسفي - سياسي - اجتماعي ...
- السيطرات بين وهم الأمن وحقيقة التعطيل: قراءة سياسية–اجتماعية ...
- الطائفية والنكران: تحليل عابر للحدود للعلاقات العراقية الأرد ...
- العمالة الأجنبية والوافدون في العراق: قراءة سياسية-اجتماعية ...


المزيد.....




- الانتخابات الرئاسية البرتغالية: اليميني المتطرف فينتورا سيوا ...
- بين المعارك والسرديات الرقمية.. مقاطع قديمة وصور مفبركة تُست ...
- تحذيرات صحية من مادة عطرية في الشامبو قد تحمل مخاطر مسرطنة
- تونس توقف المحامي المعارض سيف الدين مخلوف بعد ترحيله من الجز ...
- غواتيمالا تعلن الطوارئ بعد قتل عناصر شرطة وسيطرة على سجون
- عاجل| القناة 12 الإسرائيلية عن مصادر: الجيش يدفع بمئات الجنو ...
- البرتغال تتجه لجولة إعادة رئاسية لأول مرة منذ 1986
- خلة السدرة الفلسطينية.. اعتداءات المستوطنين تزداد عنفا وضررا ...
- منها الجولان والدروز.. كشف بنود خلافية بين سوريا وإسرائيل
- رغم تحفظات تل أبيب.. واشنطن تصعّد مسار السلام في غزة


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل