أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار الخلاص














المزيد.....

مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار الخلاص


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 08:21
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


في هذا البيت الشعري المكثّف : «لعلَّ الذي في أوّلِ العمرِ فاتني ***تعوِّضينه أنتِ لي في آخرِ العمرِ»
يفتح الشاعر البهاء زهير بن محمد الأَزدي نافذةً واسعة على النفس الإنسانية، تلك النفس التي تعيش على الأمل بقدر ما تتغذّى على الذاكرة... ؛ إنّه بيت يبدو بسيطًا في تركيبه، غير أنّه عميق في طبقاته الدلالية، مشحونٌ بحنينٍ هادئ لا يصرخ، وبانتظارٍ صبور لا ييأس.
يقوم البيت على ثنائية الزمن: أوّل العمر وآخره، وهما ليسا مجرّد مرحلتين زمنيتين، بل حالتان شعوريتان... ؛ فأوّل العمر يرمز إلى البراءة، والبدايات المرتبكة، والعطاء المجّاني الذي لا يحسب حساب الخسارة ... ؛ أمّا آخر العمر فليس بالضرورة الشيخوخة الجسدية، بل هو مرحلة الوعي، حين يتعلّم الإنسان أن يقيس الأشياء بعمق، وأن يعرف قيمة ما يُمنح وما يُسلب.
ولعل الشاعر في البيت لا يتحدّث عن تعويض مادي أو نجاح خارجي فحسب ، بل عن تعويضٍ عاطفيّ وإنسانيّ خالص... ؛ إنّه يسلّم بأنّ شيئًا ما قد فاته، وأنّ الفوات قدرٌ لا يمكن إنكاره، لكنّه في المقابل يراهن على حضور “الآخر” القادر على جبر هذا النقص، وكأنّ الحبّ أو الدعم هنا يتحوّل إلى فعل خلاص، لا إلى مجرّد شعور عابر.
وهنا يلتقي البيت الشعري مع التجربة الإنسانية المعاصرة التي نعيشها... ؛ طالما خسرنا في الحياة، وبدّدنا جهودنا وأوقاتنا على أشخاصٍ لا يستحقّون، وبالغنا في منح الحبّ والحنان والمودّة، فلم نحصد في المقابل سوى شوك الحسد، ومرارة الحقد، وخيبات الخيانة... ؛ ومع تكرار المآسي والتجارب القاسية، سواء كانت عاطفية أم اجتماعية، يُصاب المرء بحالة من الإحباط والحزن، وكأنّ القلب يتعب من المحاولة دون أن يتعلّم التوقّف.
غير أنّ الإنسان، بطبعه الاجتماعي، لا يستطيع العيش في عزلةٍ كاملة عن بني جنسه... ؛ فمهما أثقلته الخيبات، يبقى في داخله صوتٌ خافت ينتظر، ويرجو، ويؤمن بأنّ القادم قد يكون مختلفًا... ؛ من هنا، يصير الانتظار فعل مقاومة، لا ضعف، ويغدو الأمل شكلًا من أشكال البقاء.
إنّ بيت البهاء زهير يختصر هذه الحالة النفسية بدقّة لافتة؛ فالإنسان، رغم علاقاته الاجتماعية المتعدّدة والفاشلة، ورغم تجارب العشق التي انتهت بالخذلان والصدّ والهجران، لا يكفّ عن البحث عمّن يعوّضه ما خسره، ويمنحه حبًّا لم يذق طعمه في بدايات حياته... ؛ إنّه لا يبحث عن تكرار الماضي، بل عن تصحيحه، ولا يطلب نسخة أخرى من الألم، بل معنى جديدًا للطمأنينة.
وهكذا، يصبح التعويض في البيت الشعري رمزًا لإعادة التوازن الداخلي، لا لمحو ما كان... ؛ فكلّ واحدٍ منّا، بشكلٍ أو بآخر، ينتظر من يعوّضه السنوات المسروقة من عمره، ويملأ جفاف قلبه بزخّات المطر، فتعود الأرض التي كانت يبابًا قادرةً على الإخضرار من جديد.
إنّه انتظار لا يخلو من الوجع، لكنه مفعم بالإيمان بأنّ بعض القلوب، حين تأتي متأخّرة، تأتي لتعويض كلّ ما فات.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل ا ...
- وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !! تشظي الهوية العراقية وا ...
- بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتع ...
- تحليل ظاهرة الاضطهاد الطائفي والعنصري في الدول العربية
- سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِي ...
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل
- بين سيمفونية الوحدة وصمت العزلة و بين ضجيج الجماعة وضوضاء ال ...
- تمجيد المجرم صدام باسم فلسطين: مناظرة في الأخلاق قبل السياسة
- منطق القوة: تحليل التدخل الامريكي و الغربي في تقرير مصير الش ...
- مرايا الإسفلت
- مقولة وتعليق / 63 / الزمن حين يُروى لا حين يُعاش : في سيكولو ...
- اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو
- بين منطق القوة وواقعية المصالح: كيف تتعامل الدول الضعيفة مع ...
- قل لي كم تكسب .. أقل لك كيف تفكّر.. الاقتصاد الخفي وراء أفكا ...
- حين يأكل الفقرُ ملامحَ الروح
- كائنٌ زائدٌ عن الحاجة
- محنة الشرف في زمن المغريات: هل نحن صامدون أم أن الاغراءات لم ...
- سجين الزمن المنكسر
- العراق بين منطق الإمبراطورية ومنطق المجتمع: لماذا فشل إخضاعه ...
- من نهر الذاكرة إلى بحر الخلاف: تشظي الهوية الوطنية في العراق ...


المزيد.....




- المصمّمون يكسرون القوالب التقليدية في أسبوع الموضة الرجالي ف ...
- -أناس أذكياء-.. وزير دفاع السعودية خالد بن سلمان بصورة مع ال ...
- نيوزيلندا تعلن رفضها المشاركة في -مجلس السلام- الذي أطلقه تر ...
- نيوزيلندا ترفض دعوة ترمب للانضمام إلى -مجلس السلام-
- ترمب يحذر من -خطورة- تعاون بريطانيا وكندا مع الصين
- كيف تستيطع الاستفادة من حواسيب -آيباد- القديمة؟
- هل ينجح العراق في تحييد نفسه عن حرب إيران؟
- دولة جديدة ترفض دعوة ترامب للانضمام إلى -مجلس السلام-
- متى يصبح محيط الخصر -مؤشر خطر-؟
- -منهكة لكنها خطرة-.. سيناريوهات رد إيران على أي ضربة أميركية ...


المزيد.....

- قراءة تفكيكية في رواية - ورقات من دفاتر ناظم العربي - لبشير ... / رياض الشرايطي
- نظرية التطور الاجتماعي نحو الفعل والحرية بين الوعي الحضاري و ... / زهير الخويلدي
- -فجر الفلسفة اليونانية قبل سقراط- استعراض نقدي للمقدمة-2 / نايف سلوم
- فلسفة البراكسيس عند أنطونيو غرامشي في مواجهة الاختزالية والا ... / زهير الخويلدي
- الكونية والعدالة وسياسة الهوية / زهير الخويلدي
- فصل من كتاب حرية التعبير... / عبدالرزاق دحنون
- الولايات المتحدة كدولة نامية: قراءة في كتاب -عصور الرأسمالية ... / محمود الصباغ
- تقديم وتلخيص كتاب: العالم المعرفي المتوقد / غازي الصوراني
- قراءات في كتب حديثة مثيرة للجدل / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب أزمة المناخ لنعوم چومسكي وروبرت پَولِن / محمد الأزرقي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - رياض سعد - مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار الخلاص