أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى














المزيد.....

الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8626 - 2026 / 2 / 22 - 09:58
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليس من الحكمة أن تنشغل الأمم والشعوب والجماعات والمكونات بضجيج الخطابات المتشنجة والشعارات العاطفية والسياسية الطوباوية أو بحملات التشويه التي تطلقها بعض المنابر الغاضبة؛ فالقوافل الكبرى لا تتوقف عند صراخ العابرين والمعترضين ، والمسارات التاريخية لا تُرسم بالانفعال، بل بالعقل والتدبير وحسابات المصلحة ... .
إن معيار النجاح السياسي لأي قوةٍ فاعلة في مجتمعها لا يُقاس بعلوِّ الشعارات، ولا بحدّة الخطب، بل بقدرتها على تحقيق أكبر قدرٍ ممكن من المكاسب الوطنية، وتقليل الأضرار، ودفع المفاسد عن مجتمعها بقدر المستطاع... ؛ فالسياسي الرشيد هو من يحسن قراءة موازين القوى، ويقدّم سلامة وطنه واستقرار شعبه وابناء جلدته على نزوات المواقف اللحظية أو ردود الأفعال العاطفية أو الارتباطات والتحالفات الخارجية المبنية على الاواصر العرقية والقومية او الدينية والمذهبية او الايدلوجيات السياسية والحزبية ... .
لقد أثبتت التجارب أن الشعارات الرنّانة لا تبني دولة، وأن الأيديولوجيا مهما بلغت من الصلابة لا تنتصر وحدها على التكنولوجيا، ولا على الاقتصاد، ولا على شبكة المصالح الدولية المتشابكة... ؛ فالسياسة ليست ساحة أمنيات، بل ميدان أسباب؛ وقد قيل في الأثر الاسلامي : «أبى الله إلا أن تسير الأمور بأسبابها»، وهي قاعدة عقلية قبل أن تكون دينية، تؤكد أن السنن الكونية والقوانين الطبيعية لا تحابي أحدًا... .
وفي السيرة الاسلامية ما يعضّد هذا المعنى؛ إذ كان الميل إلى الصلح خيارًا حين تقتضيه المصلحة، وكانت المهادنة أداةً من أدوات القوة المؤجَّلة، لا علامة ضعفٍ دائم... ؛ فالحكمة تقتضي أحيانًا أن يُؤجَّل الصدام حتى تتكافأ الموازين، وأن يُختار أخفّ الضررين دفعًا لأعظمهما .
ولم تخلُ الأمثال الشعبية من هذه الحكمة العملية؛ فهي تعبّر عن إدراكٍ فطريٍّ بأن التكيّف مع الواقع، ومراعاة الضغوط، وإدارة التحديات بمرونة، قد يكون سبيلًا إلى البقاء والاستمرار... ؛ فالسياسة فنّ الممكن، لا فنّ التمنّي، وهي علم إدارة المخاطر قبل أن تكون ساحة استعراض للمواقف .
ومن هنا، فإن التعامل مع القوى الكبرى في النظام الدولي ينبغي أن يُبنى على قاعدة المصالح لا الانفعالات... ؛ فالعالم اليوم محكوم بشبكات نفوذ اقتصادي وأمني وتقني، ولا يمكن لأي دولةٍ أو قوةٍ سياسية أن تعيش بمعزل عن هذه الحقائق... ؛ و إن الانفتاح المدروس، والحوار، وعقد الاتفاقيات، وحتى تقديم بعض التنازلات المحسوبة، قد يكون ثمنًا معقولًا إذا كان المقابل هو حفظ الأمن والاستقرار وصيانة وحدة المجتمع .
وليس سرًّا أن كثيرًا من الدول اختارت طريق التفاهم مع القوى المؤثرة في النظام الدولي، فدفعت أثمانًا سياسية أو اقتصادية محدودة، لكنها كسبت في المقابل استقرارًا طويل الأمد، وحمت مجتمعاتها من دوامات الصراع المفتوح... ؛ أما المجتمعات التي خاضت مواجهات غير متكافئة، دون استعداد كافٍ أو حلفاء أقوياء أو رؤية واضحة، فقد دفعت أثمانًا باهظة من أمنها واقتصادها ووحدتها الداخلية ... .
إن المفاضلة بين خسارة جزءٍ من الموارد المادية وبين خسارة الوطن أو استقرار المجتمع ليست مفاضلة معقّدة؛ فالوطن إذا انهار لا تُغنيه الشعارات، والمجتمع إذا تفكّك لا تعيده الخطب الحماسية... ؛ والقيادة التي تعجز عن التمييز بين الثمن والكلفة، وبين التضحية الضرورية والمغامرة غير المحسوبة، إنما تعرّض مجتمعها لمخاطر جسيمة .
وفي الظروف السياسية الراهنة، تبرز الحاجة إلى قاعدة عمل وطنية مستقلة، تُقدّم المصلحة العامة على الاعتبارات الضيقة، وتُحسن إدارة علاقاتها الخارجية بتوازنٍ وحذر... ؛ فالتعامل مع القوى الكبرى – بما فيها القوى التي نختلف معها – لا يعني الارتهان، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لحماية المكتسبات وتعزيز الاستقرار .
إن رفع رايات المواجهة الدائمة في وجه قوى تفوق في العدة والعدة، دون حسابٍ دقيقٍ للعواقب، ليس بطولة سياسية، بل قد يتحول إلى مقامرة وجودية وتهور ساذج ... ؛ أما الواقعية المتزنة، فهي التي تجمع بين الحفاظ على السيادة، وبين تجنّب الانجرار إلى صراعات تستنزف الداخل وتبدّد الطاقات ... .
فالسياسة في نهاية المطاف تُقاس بنتائجها لا بنيّاتها، وبمآلاتها لا بشعاراتها... ؛ والخير كل الخير في صيانة الاستقرار، وتعزيز التداول السلمي للسلطة، وترسيخ دولة القانون، ومواصلة البناء والإعمار، وإحباط مشاريع الفوضى والتخريب ... .
وهكذا تبقى الحكمة السياسية قائمة على معادلة دقيقة: قوةٌ تُبنى بتدرّج، ومصلحةٌ تُدار بعقل، وواقعٌ يُقرأ بوعي، حتى لا تتحول العواطف إلى قرارات، ولا تتحول القرارات إلى أزماتٍ يصعب احتواؤها .



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطاغية الصغير: سايكوباتية القيادة وتحويل المؤسسة إلى جحيم إ ...
- التناغم الكيميائي : حينما تذوب النفوس في بوتقة اللقاء
- مقولة وتعليق / 68/ بين رَهبة الجنازة ولهو العودة: قراءة في و ...
- ضحايا بلا صدى: التواطؤ الصامت مع استهداف الشيعة في الوعي الس ...
- بين المنفى والداخل: قراءة سياسية-اجتماعية-نفسية في إشكالية إ ...
- مقولة وتعليق / 65 / الأسرة بين صناعة الإنسان وصناعة العُقَد
- العراق بين نعمة الجغرافيا ولعنة الموقع: قراءة في القدر الجيو ...
- تحولات الخطاب وسقوط الشعارات في المشهد السوري
- معاداة الاغلبية العراقية في سوريا: بين التعبئة الطائفية ومخا ...
- العراق بين مطرقة الأطماع التركية وسندان الصمت الدولي
- العراقي والهوية الضائعة : بين تشظي الذات في دولة منهارة و إر ...
- القيادة السامة في المؤسسات الحكومية: مقاربة نفسية-اجتماعية ل ...
- أشباحٌ تمرُّ عبر شاشات العالم الافتراضي
- مقولة وتعليق / 67 / تعويض الفوات: قراءة وجدانية في انتظار ال ...
- معيار المصلحة الوطنية في قراءة التحالفات الإقليمية ومستقبل ا ...
- وطن بلا هوية .. و وطنية بلا بوصلة !! تشظي الهوية العراقية وا ...
- بين العاطفة والعقل: تفكيك ظاهرة تمجيد الخطاب الهويّاتي المتع ...
- تحليل ظاهرة الاضطهاد الطائفي والعنصري في الدول العربية
- سُكَارَى بِالنِّفْطِ، عِطَاشَى بِالمَاءِ: رُؤْيَا سُرْيَالِي ...
- مقولة وتعليق / 64 / عبير الرسائل


المزيد.....




- أوكرانيا تتحول إلى دولة أرامل بظل مواجهتها -كارثة- ديموغرافي ...
- العراق.. السلطات تتعامل مع تلوث إشعاعي رُصد بإحدى ركائز جسر ...
- بريطانيا: مقتل شاب وإصابة اثنين آخريْن في حادث طعن أمام مسجد ...
- أرض الصومال تبدي استعدادها لمنح واشنطن امتيازا في استغلال -م ...
- الاحتلال يشن 7 غارات على غزة وتفاقم الأوضاع الإنسانية في الخ ...
- معارك عنيفة بمدينة الطينة السودانية وتحذيرات أممية من انهيار ...
- جدل سوري حول توقيت هجمات تنظيم الدولة والجهات التي تقف وراءه ...
- انتهاكات متواصلة تطال التجمعات البدوية بالضفة في سياق تغيير ...
- مسؤول عسكري سابق: سبب واحد يمنع الهجوم الأمريكي على إيران حت ...
- استكمالا للاتفاق مع قسد.. دمشق تتسلم مطار القامشلي تمهيدا لت ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رياض سعد - الواقعية السياسية ومنطق المصالح في زمن التحولات الكبرى