أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع














المزيد.....

الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 09:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن، فرقٌ شاسعٌ كالفرق بين الثرى والثريا... ؛ فمعظم الناس يتشدّقون بالسلام والمحبة والتسامح، إلا أنّ سلوكهم اليومي كثيرًا ما يتّسم بالأذيّة والعدوان، سواء بالكلمة أو الفعل أو التلميح أو حتى بالصمت المتعمّد.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في المجتمعات البشرية؛ إذ إنّ الإنسان قد يرفع شعارات الرحمة في العلن، بينما يمارس القسوة بأشكالها المختلفة في الخفاء أو في تفاصيل الحياة اليومية...!!
ولذلك، فلا تستغرب إذا وجدت يومًا أنّ أحدهم قد آذاك ماديًا أو معنويًا، أو تسبّب بأذيّتك بصورة مباشرة أو غير مباشرة؛ لأنّ الأذيّة أصبحت، للأسف، سلوكًا متجذرًا لدى بعض الناس، يمارسونه بدافع الحقد أو الجهل أو الشعور بالنقص أو حتى بدافع التسلية المرضية أحيانًا.
إنّ الإنسان السويّ بطبيعته يميل إلى الأمان والطمأنينة والتعايش، لكنّ النفس البشرية حين تفسدها العقد النفسية والأحقاد والمصالح الضيقة تتحول إلى مصدر ضرر للآخرين... ؛ ولهذا فإنّ الأذيّة ليست دائمًا فعلًا عابرًا، بل هي في كثير من الأحيان انعكاسٌ لبنية نفسية مضطربة أو بيئة اجتماعية مشوّهة أو تربية ناقصة.
وللأذيّة صورٌ متعددة، يمكن اختصار أبرزها في ستة أنماط رئيسية:
أولًا: من يؤذيك لأنك آذيته يومًا ما
وهذا شخصٌ يرى أنّه يستعيد حقّه أو ينتقم لكرامته المجروحة... ؛ وقد يكون منصفًا في بعض الحالات، لأنّ الإنسان غالبًا لا يحصد إلا ما زرعه... ؛ فالكلمة الجارحة قد تعود يومًا إلى صاحبها، والإساءة قد ترتد على المسيء ولو بعد حين... ؛ ولهذا كان الحكماء يقولون: “كما تدين تُدان”.
ثانيًا: من يؤذيك لأنه يظن ـ مجرد ظن ـ أنك آذيته
وهذا نموذج منتشر بكثرة في مجتمعاتنا؛ إذ تنشأ عداوات طويلة بسبب سوء فهم أو وهم أو تفسير خاطئ لموقف عابر... ؛ وهذا الشخص يعيش أسير الظنون والهواجس، فيبني مواقفه على التخمين لا على الحقيقة، فتراه يعاديك بينما أنت لا تعرف أصل العداوة ولا سببها... ؛ وهنا تتحول الشكوك إلى سلاح يهدم العلاقات الإنسانية ويزرع الكراهية بين الناس.
ثالثًا: من يؤذيك لأنه يشعر أنك تحتقره
وهذا شخص هشّ من الداخل، يعاني من شعور دفين بالنقص والدونية، فيفسّر نجاح الآخرين أو اختلافهم عنه على أنّه احتقار له... ؛ ولذلك يتحول إحساسه الداخلي بالعجز إلى عدوان على الآخرين... ؛ ومثل هذا الإنسان لا يؤذيك لأنك أخطأت بحقه، بل لأنه عاجز عن التصالح مع نفسه.
رابعًا: من يؤذيك لأنك أفضل منه
وهذا هو الحسد في أوضح صوره... ؛ فبعض الناس لا يحتملون رؤية شخص ناجح أو محبوب أو متفوّق أو مستقر نفسيًا، لأنّ نجاح الآخرين يذكّرهم بإخفاقاتهم وعجزهم... ؛ ولهذا يحاولون التقليل منك أو تشويه صورتك أو إلحاق الضرر بك، لا لشيء إلا لأنك تمتلك ما يفتقدونه هم... ؛ والحسد من أكثر الدوافع الخفية التي تقف وراء كثير من الأذى الاجتماعي والمهني وحتى العائلي.
خامسًا: من يؤذي الجميع بلا استثناء
وهذا شخص عدواني بطبعه، مجبول على الأذيّة، لا يكاد يترك أحدًا إلا وناله بشيء من الضرر أو الإساءة... ؛ فهو يعيش حالة صراع دائم مع العالم، ويشعر بلذّة خفية حين يفسد راحة الآخرين أو يعكّر صفو حياتهم... ؛ ومثل هؤلاء غالبًا ما يكونون أسرى غضب داخلي مزمن أو تربية قاسية أو اضطرابات نفسية دفعتهم إلى تحويل الأذى إلى أسلوب حياة.
سادسًا: من يؤذيك لأنك أحسنت إليه
وهذه من أكثر صور الأذيّة إيلامًا وغرابة... ؛ فبعض النفوس اللئيمة لا تحتمل فضل الآخرين عليها، لأنّ الإحسان يذكّرها بعجزها أو بنقصها الأخلاقي، فتقابل الجميل بالإساءة... ؛ ولهذا قيل: “اتّقِ شرّ من أحسنت إليه”... ؛ وليس المقصود التوقف عن فعل الخير، بل إدراك أنّ النفوس ليست سواء، وأنّ الإحسان حين يقع في نفس خسيسة قد يتحول إلى سبب للحقد بدل الامتنان.
إنّ أخطر ما في الأذيّة أنّها لا تجرح الجسد فقط، بل قد تترك ندوبًا عميقة في الروح والذاكرة والثقة بالناس... ؛ فكلمة مهينة قد تعيش في قلب الإنسان سنوات طويلة، وخيانة واحدة قد تغيّر نظرته إلى العالم كله... ؛ ولهذا فإنّ المجتمعات التي تكثر فيها الأذيّة تتحول تدريجيًا إلى بيئات قاسية يسيطر عليها الخوف والشك وانعدام الطمأنينة.
ومع ذلك، فإنّ الوعي بطبيعة الناس وفهم دوافعهم النفسية والاجتماعية يخفف كثيرًا من وقع الصدمات... ؛ فليس كل أذى دليلًا على نقصك أنت، بل قد يكون انعكاسًا لخللٍ عميق في الطرف الآخر... ؛ ولهذا فإنّ الحكمة لا تكمن فقط في تجنب إيذاء الناس، بل أيضًا في تعلّم كيفية التعامل مع المؤذين دون أن تتحول قلوبنا إلى نسخة أخرى منهم.
فالإنسان النبيل لا يُقاس بعدد من يحبونه، بل بقدرته على الاحتفاظ بإنسانيته رغم كل ما يتعرض له من أذى وإساءة ... .



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن
- سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...
- العراق بين تآكل الهوية الوطنية وتشظي الذات الجمعية واستدعاء ...
- جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفو ...
- صناعة الصنم : كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته ...
- المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف:قراءة ف ...
- التجنيد الإلزامي في العراق: استراتيجية أمنية عتيقة أم هدر لل ...
- المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات
- سقوط الصنم: تفكيك بنية النظام الصدامي بوصفه مشروعاً غريباً و ...
- المعادلة الوجودية: حساب الزمن ومصاريف العمر


المزيد.....




- إيران تفعّل دفاعاتها الجوية وتتوعد برد -أسرع وأشد- على أي هج ...
- ما نعرفه عن اعتراض إسرائيل -أسطول الصمود-.. هل تغيرت قواعد ا ...
- شاكيرا تفوز باسترداد 64 مليون دولار من الحكومة الإسبانية
- المحكمة العليا في إسبانيا تبرئ شاكيرا من تهمة التهرب الضريبي ...
- ترامب يجمد هجوما على إيران بطلب خليجي ويهدد بـ-هجوم شامل- إذ ...
- الولايات المتحدة تفرض إجراءات مشددة على حدودها بعد تفشي إيبو ...
- أكثر من 145 ألف طفل أمريكي فُصلوا عن آبائهم بسبب حملة ترمب ل ...
- تحليل لـCNN.. ترامب لا يملك سوى -خيار واحد حقيقي- للتخلص من ...
- ترامب يكشف لـCNN كواليس تأجيل شن -هجوم الثلاثاء- على إيران
- إيلون ماسك يخسر دعوى قضائية رفعها على شركة أوبن إيه آي


المزيد.....

- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع