أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض سعد - ديونٌ في سويداء القلوب














المزيد.....

ديونٌ في سويداء القلوب


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 09:58
المحور: قضايا ثقافية
    


هناك مواقفُ في حياتنا لا تُشبه ما نعهده... ؛ لا تأتي في قوالبَ جامدة، ولا تخضع للمقاييس المألوفة... ؛ إنها تلك اللحظات النبيلة التي يقدمها الأصدقاء، والمعارف، بل والغرباء أحيانًا، دون أن يطلبوا مقابلًا، ودون أن ينتظروا تسجيلًا في دفاتر رد الدين وطلب العوض ...
نعم , هناك نوعٌ آخر من الديون، أكثرُ عمقًا وأبقى أثرًا، لا تطالب به المحاكم، ولا تُحصيه الحسابات، بل يسكنُ في القلب ويقيمُ في الذاكرة طويلًا... , إنّها ديونُ المواقف النبيلة.
هل سمعتم بديونٍ من طبيعةٍ أخرى؟
إنها ديونٌ لا تُسطَّرُ في الدفاتر،
ولا تُسدَّدُ بالمال،
إنها "ديونُ المواقف"... ؛ تكتب بمداد الوفاء والنبل في سويداء القلوب ...
هي ذاكرةُ الروح، ونبض القلب ...
ورصيدٌ من الجمال والنبل لا يُقاسُ بالأرقام ...
تبدأ القصة عادةً في لحظة ضعف، أو شدة، أو حيرة... ؛ فجأة، تجد من يقف بجانبك، لا لأنه ملزم، بل لأن إنسانيته تفيض... ؛ كلمة صادقة في وقت اليأس، يد مبسوطة في وقت العوز، صمت متفهم في وقت لا تُجدي فيه الكلمات... ؛ هذه المواقف لا تُقاس بالمال، ولا تُرد بجميل مماثل بالمعنى الحرفي؛ لأنها تنتمي إلى عالم آخر، عالم النقاء الإنساني.
ففي حياة الإنسان لحظاتٌ ثقيلة، تضيق فيها النفس، وتتراجع فيها القدرة على الاحتمال، ويشعر المرء أنّ العالم قد أصبح أبردَ من أن يمنحه يدًا واحدة تُطمئنه... , وفي تلك اللحظات تحديدًا، يظهر المعدن الحقيقي للناس... ؛ فبعضهم يمرّ عابرًا، وبعضهم يكتفي بالكلمات الجافة الباردة والخالية من المعاني الحقيقية ، بينما يختار آخرون أن يقفوا معنا بصمتٍ صادق، كأنّ وجودهم وحده يقول: “لستَ وحدك”.
وهذه المواقف، مهما بدت صغيرة في ظاهرها، تترك أثرًا لا يزول... ؛ قد تكون كلمةً حقيقية قيلت في وقت الانكسار، أو حضورًا صادقًا في ساعة ضيق، أو مساعدةً قُدِّمت دون طلب، أو وفاءً لم يتغيّر رغم تقلّبات الأيام... ؛ تلك الأمور لا ينساها القلب أبدًا، لأنّ الإنسان لا يتذكّر دائمًا ما قيل له، لكنه يتذكّر جيدًا كيف شعر حين كان ضعيفًا فوجد من يحتوي ضعفه بصدق.
ولذلك فإنّ المواقف الإنسانية ليست عبئًا نفسيًا كما يظن البعض، بل هي استثماراتٌ عاطفية وأخلاقية بعيدة المدى... ؛ فكلُّ موقفٍ نبيل يُزرع في روح الإنسان يتحوّل مع الزمن إلى محبةٍ خالصة، وودٍّ عميق، وارتباطٍ لا تصنعه المصالح العابرة... ؛ إنّ العلاقات الحقيقية لا تُبنى على كثرة اللقاءات، ولا على المجاملات اليومية، بل على لحظات الصدق التي يظهر فيها الإنسان إنسانًا بحق.
وما أجمل أن يحمل المرء في قلبه عرفانًا لمن وقفوا معه يومًا... ؛ فالوفاء ليس كلماتٍ تُقال في المناسبات، بل هو قدرة الإنسان على ردّ المعنى الجميل حين تدور الأيام... ؛ أن تكون حاضرًا لمن كانوا يومًا حضورًا لك، وأن تمنح غيرك الطمأنينة نفسها التي مُنحتها في أوقات ضعفك...
نعم , هي تبقى في القلب لا كذكرى عابرة، بل كبذرة تُزرع في تربة الروح... ؛ مع مرور الأيام والسنوات، لا تذبل، بل تتعمق جذورها... ؛ كلما مررت بموقف صعب، استحضرت ذلك الوجه المشرق، تلك اليد التي رفعتك، فتجد في نفسك قوةً جديدة، وحافزًا لأن تكون أنت الآخر عند الحاجة.
ومع الوقت، تثمر هذه المواقف حبًا وودًا لا يشيخ... ؛ إنها علاقة تتجاوز المصالح، إلى التضحية والحضور الصادق. ..
الوفاء لها لا يكون برد الجميل فحسب، بل بأن نكون نحن أيضًا "ذلك الشخص" في حياة غيرنا... ؛ فتصير الدنيا أقل قسوة، وتزدهر القلوب بمعاني الإخاء التي لا تعرف السقوط والانحلال ...
وهكذا، فإن أسمى الديون ليست تلك التي تُسجل في الحسابات، بل تلك التي تُسجل في الضمير... , ديون لا تثقل، بل ترفع... ؛ تبقى خفيفة الظل، ثقيلة الأثر، تنبت في القلب حديقة من الحب لا تذبل، مهما تقلبت بنا الأيام.
إنّ بعض الأشخاص يمرّون في حياتنا مرورًا عاديًا، ثم تمحوهم الأيام، بينما هناك آخرون تصنع مواقفهم الكبيرة مكانًا دائمًا لهم في القلب... ؛ قد تتغيّر المسافات، وتنشغل الحياة، وتمضي السنوات، لكنّ النفوس النبيلة تبقى محفوظة في الذاكرة بشيءٍ من الامتنان والحنين والدعاء الصادق.
لهذا، فإنّ أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس المال، ولا الشهرة، ولا الكلمات الكثيرة، بل أثرًا طيبًا في قلب أحدهم. فالمواقف النبيلة لا تموت، لأنّها ببساطة تتحوّل مع الزمن إلى محبةٍ لا يشيخها الغياب.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن
- سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...
- العراق بين تآكل الهوية الوطنية وتشظي الذات الجمعية واستدعاء ...
- جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفو ...
- صناعة الصنم : كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته ...
- المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف:قراءة ف ...
- التجنيد الإلزامي في العراق: استراتيجية أمنية عتيقة أم هدر لل ...
- المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات
- سقوط الصنم: تفكيك بنية النظام الصدامي بوصفه مشروعاً غريباً و ...
- المعادلة الوجودية: حساب الزمن ومصاريف العمر
- أغنية في حضرة الموت
- ابنُ الربيع الذي ضاق بالأرض
- ألفُ مفخخةٍ ولا صدامٌ واحد: سردية الألم العراقي بين النظام ا ...


المزيد.....




- نجل الرئيس الفلسطيني يفوز بعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح.. ...
- الخليج على أعتاب مرحلة حساسة.. ضربة بمسيّرة تشعل حريقًا قرب ...
- مطالب إيرانية مقابل شروط أمريكية لاستئناف المفاوضات وإنهاء ا ...
- الحكومة الإسرائيلية تعقد اجتماعا أمنيا لبحث السيناريوهات الم ...
- روسيا تقول إنها تعرضت لهجوم أوكراني بأكثر من 600 مسيّرة أسفر ...
- ضربة بطائرة مسيّرة قرب محطة للطاقة النووية في أبوظبي
- هل تفوقت أسراب المسيرات الأوكرانية على روسيا؟
- أزمة خانقة في غزة: تكدس المقابر وتجريفها يحرم الأهالي من دفن ...
- خامنئي يكلف قاليباف بإدارة العلاقات مع الصين
- أحدث كوابيس البحرية البريطانية.. فرقاطات صُنعت بطريقة خاطئة ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - رياض سعد - ديونٌ في سويداء القلوب