أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر















المزيد.....

ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 10:15
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يقف الإنسان المعاصر على تخوم زمنية متشابكة، يحمل على كاهله أعباء الماضي بذكرياته المؤلمة، ويمد بصره نحو المستقبل بإغراءاته ووعوده البراقة... ؛ وفي خضم هذه الازدواجية الزمنية، يضيع الحاضر ويتلاشى بين أصابع اللحظة الهاربة، فلا نكاد نقتنع بما في أيدينا، ولا نستشعر قيمة الراهن الذي نعيشه... ؛ إن هذه المعادلة الوجودية المعقدة تستدعي وقفة تأملية عميقة، نستجلي من خلالها طبيعة علاقتنا بالزمن، وسبل التحرر من وطأة الماضي، وطرائق استثمار الحاضر لبناء مستقبل واعٍ ومتوازن .

الماضي: عبء وجودي أم سجن نفسي؟
إن استحضار الماضي على نحو مَرَضي ليس مجرد استعادة للذكريات، بل هو عملية إعادة إنتاج مستمرة للألم، وتكريس للهزائم النفسية التي تستنزف طاقة الحاضر وتشل إرادة المستقبل... ؛ فالإنسان الذي يظل أسيراً لفشل قديم، أو غارقاً في مرارة تجربة قاسية، أو متشبثاً بمجد آفل، إنما يسجن ذاته في قفص زمني لم يعد له وجود فعلي... .
ولعل أبلغ تمثيل أدبي لهذه الحالة النفسية نجده في شخصية "غاتسبي العظيم" عند فيتزجيرالد، الذي ظل حبيس ذكرى حب قديم، فبنى ثروته وقصوره وأقام حفلاته الصاخبة، ليس حباً في الحاضر، بل استجداءً لماضٍ لن يعود... ؛ وهذا تماماً ما يفعله الكثيرون حين يحولون حياتهم إلى محاولة عقيمة لإعادة إنتاج الماضي أو تعويض خساراته، فلا هم عاشوا حاضرهم، ولا هم بنوا مستقبلهم .

بين جاذبية الماضي وقلق المستقبل: جدلية الزمن الإنساني
نحن، كما يعبر البعض ، مخلوقات زمانية بامتياز؛ الماضي يجرنا إلى الخلف بسلاسل الذاكرة والألم، والمستقبل يدفعنا إلى الأمام بسياط الأمل والطموح والقلق ... ؛ وبين هاتين الحركتين المتضادتين، نفقد الطمأنينة النفسية والصفاء الذهني في الحاضر... ؛ وهنا تكمن المفارقة الكبرى : الماضي لم يعد له وجود حقيقي، والمستقبل لم يظهر بعد إلى حيز الوجود، ومع ذلك فإن هذين "العدمين" يستحوذان على كياننا كله، ويتركاننا فارغي الأيدي من الحاضر الذي هو كل ما نملكه حقاً .
وهذا المعنى يتوافق مع ما ذهب إليه القديس أوغسطين في تأملاته عن الزمن، حين تساءل: كيف يكون للماضي وجود وهو لم يعد كائناً؟!
وكيف يكون للمستقبل وجود وهو لم يأتِ بعد؟!
إن الحاضر وحده هو الموجود فعلاً، ولكنه حاضر هارب، نقطة تلاشٍ دائمة بين ما كان وما سيكون ...!!

وهم الزمن وحقيقة النفس: نحو رؤية صوفية للتحرر
إن ما أشار إليه البعض من أن "الزمان كان أيضاً وهماً آخر كبقية الأوهام الأخرى" يحتاج إلى وقفة متأنية... ؛ ليست هذه دعوة إلى إنكار الواقع أو التنصل من المسؤولية، بل هي دعوة إلى إعادة النظر في طبيعة علاقتنا بالزمن نفسه... ؛ فالزمن كما تدركه النفس البشرية ليس حقيقة موضوعية محايدة، بل هو خبرة ذاتية مشبعة بالانفعالات والذكريات والتوقعات... ؛ ولهذا قال الحكماء والصوفية: «إنما هي نفسك، فإن لم تشغلها شغلتك»، في إشارة بليغة إلى أن المشكلة ليست في الزمن ذاته، بل في كيفية تعامل النفس معه .
وتتجاوز الرؤية الصوفية، كما لمسها البعض ، مستوى المعالجة السطحية القائمة على الانشغال بالمحسوسات المادية... ؛ فالإنسان الذي يحاول الهروب من ألم الماضي بالانغماس في الملذات الحسية، أو يطارد سراب السعادة في المقتنيات والإنجازات المادية، إنما «يدور في حلقة مفرغة»، يحقق سعادة مؤقتة سرعان ما تنقشع لتتركه في مواجهة جديدة مع فراغه الوجودي .

من المركزية النسبية إلى المركزية المطلقة: نقطة التحرر
إن التعالي عن آلام الماضي وإغراءات المستقبل، وفق ما يطرحه البعض، لا يتحقق من خلال الانشغال بالمحسوسات فقط ، بل عبر «الخروج من ذاتك ومركزيتك النسبية، والتفكر في ذاتية الخالق والكون ومركزيته المطلقة»... ؛ وهذا طرح عميق يستحق التأمل؛ فحين يستغرق الإنسان في همومه الذاتية وأوجاعه الفردية وطموحاته الشخصية، فإنه يضخم من شأن هذه المشاعر حتى تغدو كأنها الكون كله... ؛ أما حين يرتقي بوعيه إلى آفاق أرحب، فيتأمل في عظمة الخالق وقوانين الكون وسنن الوجود، فإن مشكلاته الشخصية تنكمش إلى حجمها الطبيعي، ويتحرر من سطوة الوهم الذي يخلقه التمركز حول الذات .
وليس هذا انعزالاً عن الواقع أو هروباً من مسؤوليات الحياة، بل هو إعادة تموضع للنفس في الإطار الصحيح، فتستعيد اتزانها وطمأنينتها... ؛ وهنا تفهم، معنى المقولة ، «بأن حتى الزمان كان أيضاً وهماً آخر... ليست حقائق وإنما هي أدوات ووسائل لتصل بها إلى حالة النفس المطمئنة وترجعها إلى نظامها الاكبر »... ؛ فالزمن وسيلة لا غاية، وممر لا مقر، ومن خلال هذا الفهم العميق تتحرر النفس من عبودية الماضي ومن قلق المستقبل معاً .

استعادة الحاضر: اللحظة المعاشة كطريق للخلاص

إن التحرر الحقيقي لا يعني نسيان الماضي أو إلغاءه، بل يعني إعادة تعريف علاقتنا به... ؛ إنه الانتقال من كونه سجاناً إلى كونه معلماً، ومن كونه عبئاً إلى كونه خبرة نستخلص منها الدروس والعبر... ؛ يقول الشاعر العربي المعاصر أدونيس: «ليس الزمن ما يمضي، بل ما يبقى فينا من أثر الزمن»... ؛ وشتان بين من يحمل الماضي كجرح غائر ينزف كلما لمسه، ومن يحمله كحكمة تراكمت واتضحت معالمها .
وهكذا يغدو الحاضر ميداناً للفعل الواعي، لا للاجترار أو القلق... ؛ إنها اللحظة التي تملك فيها أن تختار، وأن تتصرف، وأن تصنع جديداً... ؛ وقد عبر النبي محمد عن هذا المعنى بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان» هكذا يغلق الباب على الماضي بجبروته، ويُفتح الأفق للحاضر بطاقته وإمكاناته .

نحو المستقبل: تخطيط بلا تعلق، وأمل بلا وهم
لا يعني التحرر من المستقبل إهماله أو التخلي عن التخطيط له، بل يعني التعامل معه بروح متوازنة، نخطط له باجتهاد ونتوكل فيه على الله، دون أن نجعله مصدر قلق دائم أو أحلام يقظة تعطل عمل الحاضر... ..
إن الذين يفقهون هذه المعادلة هم وحدهم القادرون على بناء مستقبل حقيقي؛ لأنهم يعملون من موقع الطمأنينة والقوة، لا من موقع الخوف والقلق... ؛ إنهم يرسمون أهدافهم ويشقون طريقهم بصبر وإصرار، لكن دون أن يرتهنوا للنتائج أو تلتهمهم التوقعات والتمنيات ... ؛ وهذا هو معنى «النفس المطمئنة» التي أشار إليها البعض ، تلك النفس التي بلغت مرحلة السكينة والرضا، فلم تعد تتأرجح بين ندم الماضي وخوف المستقبل .

الخاتمة: دعوة إلى المصالحة مع الزمن
في نهاية هذا التحليل، نخلص إلى أن الماضي والمستقبل ليسا عدوين للإنسان، بل إن المشكلة تكمن في علاقتنا غير المتوازنة بهما... ؛ إن التحرر الحقيقي ينبثق من إدراك عميق بأن الماضي قد مضى ولن يعود، وأن المستقبل غيب لا نملك منه شيئاً، وأن ما بين أيدينا هو هذه اللحظة الحاضرة التي إن أحسنا استثمارها ؛ تصالحنا مع ماضينا واتسق مستقبلنا .
وإن الرحلة نحو المطلق ، أو نحو المعنى الأعمق للوجود، ليست انفلاتاً من الزمن، بل هي إتقان لفن العيش فيه... ؛ إنها تحرير للانسان من وهْمَيْه العظيمين: الإحساس بالذنب تجاه ما فات، والقلق مما هو آتٍ... ؛ وحين تتحرر النفس من هذين القيدين، تشع طمأنينة وصفاء، وتغدو قادرة على أن تحيا حقاً، لا أن تمر في الحياة مروراً .
فلنشغل أنفسنا بالحق، كي لا تشغلنا الأوهام... ؛ ولنجعل من الحاضر ساحة للعبور إلى المطلق، لا قفصاً لاجترار النسبي والمؤقت... ؛ وتلك، لعمر الحق، هي الحياة التي تستحق أن نحياها .



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن
- سيرة الإنسان بين ربيعٍ يتيم وخريفٍ محتوم
- حين يتحوّل الوطن إلى عبء: كيف يصنع الظلم قطيعة بين الإنسان و ...
- فساد بلا قيود وفشل بلا حدود : قراءة في اخفاق وفساد القيادات
- حفريات الظل: أركيولوجيا الشيطان في المرآة البشرية
- مهزوزون على عروش الاوهام : تشريح نفسي اجتماعي لظاهرة هشاشة ا ...
- العراق بين تآكل الهوية الوطنية وتشظي الذات الجمعية واستدعاء ...
- جنود الطين وضباط الذهب : سوق الاجساد المنهكة في جمهورية الفو ...
- صناعة الصنم : كيف وظّف نظام صدام الإعلام العربي لتلميع صورته ...
- المال العام بين الأمانة والعدل والهِبة وسفاهة التصرف:قراءة ف ...
- التجنيد الإلزامي في العراق: استراتيجية أمنية عتيقة أم هدر لل ...
- المظاهر الخداعة والنرجسية: تضخم الصورة وانكماش الذات
- سقوط الصنم: تفكيك بنية النظام الصدامي بوصفه مشروعاً غريباً و ...
- المعادلة الوجودية: حساب الزمن ومصاريف العمر
- أغنية في حضرة الموت
- ابنُ الربيع الذي ضاق بالأرض
- ألفُ مفخخةٍ ولا صدامٌ واحد: سردية الألم العراقي بين النظام ا ...
- طوفان المني : سيرة الاضطراب والاغتراب الوجودي
- عندما تغيب الشمس عن جنوب لبنان: قراءة استراتيجية في العدوان ...


المزيد.....




- تأشيرة -شنغن- في أوروبا..هكذا يستفيد منها المسافرون إلى الحد ...
- شاهد.. ترامب وشي يزوران معبدًا في الصين
- من جنوب لبنان.. آدم زين الدين يلفت الأنظار في The Voice Kids ...
- ترامب وشي وجها لوجه.. الرئيس الأميركي يعد نظيره الصيني بـ-مس ...
- ترامب يزور بكين.. والصين والولايات المتحدة تسعيان لاحتواء ال ...
- أوكرانيا: هجوم روسي بالصواريخ والمسيّرات يستهدف كييف ويوقع ق ...
- تقارير: بعد الصواريخ المحمولة على الكتف.. أسلحة صينية جديدة ...
- شي جينبيغ وترامب، -الصديقان اللدودان- يتفاوضان على شؤون العا ...
- صحيفة نيويورك تايمز: - إيران لا تزال تمتلك قدرات صاروخية بال ...
- هل يزيد الحمل بعد سن 35 من خطر متلازمة داون والتشوهات الخلقي ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر