أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح؟














المزيد.....

فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح؟


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 10:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في المدن الحديثة لم يعد الإنسان متعبًا من العمل فقط، بل من النظر.
نحن لا نعيش داخل الطبيعة كما عاش أسلافنا، بل داخل عاصفة بصرية لا تهدأ؛ شاشات، وجوه، إعلانات، إشعارات، أضواء، كاميرات، ونظرات بشرية متقاطعة تلتهم الجهاز العصبي بصمت.
ولهذا لم يعد الإرهاق النفسي اليوم وليد الفكر وحده، بل وليد الحضور.
العلم يخبرنا أن القسم الأعظم من النشاط العصبي في الدماغ مرتبط بالرؤية.
لكن الفلسفة تذهب أبعد من ذلك: الإنسان لا يرى العالم فقط، بل يُستهلك به.
العين ليست عضوًا بريئًا.
إنها أخطر منافذ الروح على العالم الخارجي.
كل صورة تدخل إلينا لا تمر مرورًا عابرًا، بل تترك خدشًا صغيرًا في الوعي، حتى وإن لم نشعر بذلك.
ولهذا فإن المدن الحديثة لم تعد أماكن للسكن، بل ساحات استنزاف إدراكي دائم.
إن الإنسان القديم كان يخاف الوحوش، أما الإنسان المعاصر فيخاف النظرات.
لقد تحوّل الحضور الاجتماعي إلى نوع من المحاكمات الصامتة.
كل مكان مزدحم هو امتحان عصبي خفي؛ الدماغ يراقب الوجوه، يحلل النوايا، يقارن المكانة، يقرأ تعابير العيون، ويعيد تشكيل السلوك وفقًا للآخرين.
حتى الصمت داخل المقاهي لم يعد صمتًا، بل مراقبة متبادلة بين غرباء متعبين.
ولهذا يشعر كثير من الناس بإرهاق غامض بعد اللقاءات الاجتماعية، رغم أنهم لم يبذلوا جهدًا جسديًا حقيقيًا.
إنهم ببساطة استُنزفوا بصريًا.
نحن لا ندرك أن العين تستهلكنا أكثر مما نستهلكها.
فالدماغ لا يتعامل مع الصورة بوصفها “شكلًا”، بل باعتبارها احتمالًا:
هل هذا الشخص خطر؟
هل أنا مقبول؟
هل أبدو ضعيفًا؟
هل تمت ملاحظتي؟
هل تم تجاهلي؟
ومن هنا تبدأ المأساة الوجودية للإنسان الحديث: لقد أصبح يرى نفسه من خلال عيون الآخرين أكثر مما يراها من داخله.
وسائل التواصل الاجتماعي عمّقت هذه الكارثة النفسية.
فالإنسان لم يعد يعيش حياته، بل يراقب صورته وهو يعيشها.
لقد انقسم الكائن البشري إلى شخصين: شخص يعيش، وآخر يراقب كيف يبدو أثناء العيش.
إنها مرحلة غير مسبوقة من الاغتراب العصبي.
حتى الوحدة لم تعد عزلة حقيقية، لأن الهاتف يحمل العالم كله إلى العين، والعين تحمل العالم كله إلى الدماغ، والدماغ لا ينسى.
ربما لهذا السبب أصبح القلق مرض العصر.
ليس لأن البشر يفكرون كثيرًا فقط، بل لأنهم يتعرضون لكمية مرعبة من الحضور البصري المستمر.
الإنسان اليوم يعيش تحت طوفان من الصور يفوق قدرة جهازه العصبي الذي صُمّم أصلًا لحقول هادئة، لا لمدن إلكترونية تلمع أربعًا وعشرين ساعة.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: كلما ازدادت قدرتنا على الرؤية، ازداد فقداننا للسكينة.
لقد صار الإنسان كائنًا مرئيًا أكثر من كونه كائنًا حيًا.
وجوده بات مرهونًا بأن يُرى، لا بأن يشعر.
ولهذا لم تعد العزلة خوفًا من الوحدة، بل محاولة يائسة لحماية الدماغ من فائض العالم.
إن العين ليست نافذة على الواقع كما يقول الشعراء، بل ثقبٌ يدخل منه العالم كله إلى أعصابنا.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...
- ظاهرة التعطيل المفرط: استنزاف للوطن وإرهاق للمواطن


المزيد.....




- لحظة اصطدام سيارة بمنزل سكني في فلوريدا.. شاهد ما حدث
- جنح القاهرة الجديدة تقضي بحبس دومة سنة مع الشغل لدفاعه عن حق ...
- طهران تتوعد بـ-سيل من الصواريخ والمسيّرات- في حال تجدد الهجم ...
- مقتل شخص وأكثر من 60 جريحا في هجوم بمسيرات وصواريخ ‌إيرانية ...
- ألبوم -نفس- لسلوى جرادات: مقاربة موسيقية أصيلة لنصوص شاعرات ...
- لبنان: مقتل 6 أشخاص باستهداف إسرائيلي لسيارة قرب مدينة صور
- بين النفقة والسكن.. معاناة المطلقات في مصر
- ماكرون يلتقي وزير الداخلية الجزائري والبلدان يتفقان على تعزي ...
- تنسيق قطري سعودي لدعم جهود الوساطة وخفض التصعيد بالمنطقة
- قوى سودانية تتمسك بحوار داخلي وترفض شرعنة الدعم السريع


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - رياض سعد - فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح؟