أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي














المزيد.....

حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 17:08
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


لم تكن مأساة العراق الحديثة وليدة فردٍ واحد، ولا نتاج قريةٍ أو مدينةٍ بعينها، بقدر ما كانت ثمرة تراكمات طويلة من الاستبداد، والعنف السياسي، وتفكك الهوية الوطنية، وهيمنة الولاءات الضيقة على حساب الدولة والمواطنة.
وحين ينهار ميزان العدالة، تتحول بعض البيئات المغلقة إلى حواضن للخوف والقسوة والطاعة العمياء، لا لأن أبناءها يولدون أشرارًا، بل لأن الأنظمة الشمولية تعيد تشكيل الإنسان وفق حاجتها إلى البقاء.
لقد شهد العراق، خصوصًا خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، صعود نموذج سياسي قام على تمجيد القوة، وتقديس الزعيم، وربط الدولة بأجهزة القمع والقرابة والانتماء الطائفي والمناطقي الضيق.
ومع مرور الزمن، لم تعد السلطة تُدار بعقل الدولة، بل بعقل الجماعة التي ترى في الوطن غنيمة، وفي المختلف خصمًا ينبغي إخضاعه أو إلغاؤه.
وهنا بدأت الكارثة الحقيقية: حين تحوّل الانتماء الوطني إلى هوية ثانوية، وحلّت محلّه روابط الخوف والمصلحة والعصبية.
إن أخطر ما يصنعه الاستبداد ليس السجون وحدها، بل تشويه الوعي الجمعي... ؛ فالإنسان الذي يعيش طويلًا داخل منظومة القهر، قد يفقد تدريجيًا حساسيته الأخلاقية، ويعتاد رؤية العنف بوصفه أمرًا طبيعيًا، بل وربما ضرورة للحفاظ على النفوذ والامتيازات... ؛ ومن هنا تتولد شخصيات قاسية، ترى الرحمة ضعفًا، وترى البطش دليلًا على القوة والسيادة.
لقد دفع العراقيون أثمانًا باهظة نتيجة هذا النموذج السياسي؛ ملايين الضحايا بين قتيلٍ ومهجّرٍ ومعتقلٍ ومفقود، ومدن كاملة أنهكتها الحروب والمقابر والخوف... ؛ ومع ذلك، فإن اختزال المأساة في منطقة أو عشيرة أو قرية بعينها لا يقدّم فهمًا حقيقيًا للتاريخ، بل يكرر المنطق نفسه الذي غذّى الكراهية والانقسام لعقود طويلة... ؛ فالاستبداد حين يتمكن من دولةٍ ما، لا يفسد الجغرافيا فقط، بل يفسد الإنسان أينما كان.
إن المجتمعات التي تُحرم من التعليم الحر، والعدالة، والتنمية، والحياة السياسية الطبيعية، تصبح أكثر قابلية لإنتاج العنف والتعصب... ؛ ولذلك فإن العلاج لا يكون بإنتاج كراهية مضادة، ولا بتحويل الناس إلى متهمين جماعيين، بل ببناء دولة قانون وهوية وطنية تتجاوز الثأر والانقسامات.
لقد تعلّم العراق، بعد كل هذا الخراب، أن الأوطان لا تُبنى بالعصبيات، ولا تُحمى بالخوف، وأن أي جماعة تتوهم أنها أكبر من الوطن ستتحول، عاجلًا أم آجلًا، إلى عبء على نفسها وعلى التاريخ.
أما الهوية الوطنية الحقيقية، فهي تلك التي ترى الإنسان مواطنًا قبل أن يكون ابن عشيرة أو منطقة أو طائفة، وتؤمن بأن العدالة وحدها قادرة على حماية الدولة من العودة إلى دوامة الدم والانتقام.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...
- ديونٌ في سويداء القلوب
- التشريع بين إرادة الدولة وحاجات المجتمع: لماذا تشرع القوانين ...
- ثقل الماضي وقلق المستقبل وضرورة العيش في حضرة الحاضر
- صنم الطاغية في محراب الضحية: تشريح ظاهرة تمجيد الجلادين والم ...


المزيد.....




- تقييد راكب بعد محاولته فتح باب الطوارئ أثناء الرحلة
- تصعيد واسع في الخليج: قتيل وجرحى في الكويت.. والحرس الثوري ي ...
- ملياردير رغم أنفه ومع وقف التنفيذ.. 21 مليار دولار تدخل حساب ...
- نتنياهو: سنجد حلاً لمسيّرات حزب الله قريبًا.. ومسؤول إسرائيل ...
- غروسي: هجوم مسيرة على براكة أخطر من زابوريجيا
- بعد تأجيل طويل.. ماذا نعرف عن مراسم تشييع علي خامنئي المرتقب ...
- استنفار صحي في الكويت بعد الهجوم الإيراني
- إزلة ألغام هرمز ـ مسعى أوروبي لإسناد المهمة لـ-أسبيدس-
- رقم قياسي للتجنيس في ألمانيا.. والسوريون في الصدارة
- الإبادة المنسية للغجر.. أحفاد الضحايا يطالبون فرنسا بالاعترا ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي