أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟














المزيد.....

هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 22:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


سلسلة الأمة العراقية: إشكاليات التكوين ومقاربات التأصيل (2)
كثيراً ما يعترض بعض الأكاديميين على الحديث عن وجود أمة عراقية في العصور السومرية أو البابلية أو الآشورية، بحجة أن مفهوم الأمة بالمعنى الحديث لم يظهر إلا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، وأن الحديث عن "أمة عراقية" في الأزمنة القديمة يمثل إسقاطاً لمفهوم حديث على واقع تاريخي قديم.
وهذا الاعتراض يبدو للوهلة الأولى منطقياً، لكنه في الحقيقة يقوم على خلط منهجي بين وجود الظاهرة وظهور النظرية المفسرة لها.
فالإنسان مارس الزراعة آلاف السنين قبل ظهور علم الاقتصاد الزراعي، وأقام الدول قبل ظهور الفلسفة السياسية، وعاش في مجتمعات منظمة قبل أن يولد علم الاجتماع... ؛ ولم يقل أحد إن المجتمعات لم تكن موجودة قبل علماء الاجتماع، أو إن الدول لم تكن موجودة قبل علماء السياسة.
وكذلك الأمر بالنسبة للأمة.
فالأمة كحقيقة اجتماعية وتاريخية قد تسبق بآلاف السنين ظهور المصطلح أو النظرية التي تحاول تفسيرها.
إن ظهور الفكر القومي الأوروبي الحديث لا يعني أن الأمم وُلدت معه، بل يعني أن الأوروبيين بدأوا في تلك المرحلة التنظير لظاهرة كانت موجودة بأشكال مختلفة قبل ذلك بزمن طويل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل كان السومريون أو البابليون يعرفون مصطلح الأمة؟
بل السؤال هو: هل كانت هناك جماعة بشرية مستقرة ومتماسكة ومتواصلة تاريخياً فوق أرض العراق تمتلك مقومات الاستمرار الحضاري والسياسي والثقافي؟
إذا كان الجواب نعم، فإننا نكون أمام الجذور التاريخية لأمة رافدينية عريقة ، حتى لو لم تكن تستعمل المصطلحات الحديثة نفسها.
***أزمة التعريف القومي الضيق
إن المشكلة الأكبر تكمن في أن بعض الباحثين يتعاملون مع التعريف القومي الأوروبي للأمة وكأنه تعريف نهائي ومقدس.

فإذا كانت الأمة هي وحدة اللغة والعرق حصراً، فإن معظم أمم العالم المعاصرة ستفقد صفتها القومية.
فهل الشعب الهندي ينتمي إلى عرق واحد ولغة واحدة؟
وهل الشعب الإيراني ينتمي إلى قومية واحدة خالصة؟
وهل الشعب الأمريكي أو البرازيلي أو السويسري أو الكندي أو الأسترالي ينتمي إلى أصل عرقي واحد؟
الواقع يقول غير ذلك.
فالهند تضم عشرات القوميات ومئات اللغات واللهجات، ومع ذلك يتحدث العالم كله عن الأمة الهندية.
وإيران تضم فرساً وأذريين وكرداً وبلوشاً وعرباً وتركماناً وغيرهم، ومع ذلك لا يتردد أحد في الحديث عن الأمة الإيرانية.
والولايات المتحدة تشكلت من أمواج بشرية جاءت من مختلف القارات والأعراق، ومع ذلك يتحدث الجميع عن الأمة الأمريكية.
فإذا كانت هذه الكيانات تعد أمماً رغم تنوعها الإثني والقومي، فلماذا يصبح التنوع وحده دليلاً على نفي مفهوم الأمة العراقية؟!
إن هذا يكشف أن الأمة ليست مجرد وحدة دم، بل هي قبل كل شيء وحدة تاريخ ومصير وذاكرة ومجال حضاري وسياسي مشترك.
***العراق: الأمة التي صنعتها الحضارة
والحقيقة أن العراق يقدم نموذجاً فريداً في هذا المجال.
ففي أماكن كثيرة من العالم نشأت الأمة أولاً ثم بنت الحضارة.
أما في العراق فإن الحضارة نفسها كانت العامل الأول في صناعة الأمة.
لقد اجتمعت الجماعات البشرية المختلفة في أرض الرافدين حول مشروع حضاري واحد قبل آلاف السنين.
وشاركت في بناء المدن وشق الأنهار وإقامة المعابد والقصور والأسواق وابتكار الكتابة والقانون والإدارة.
وكان هذا المشروع الحضاري المشترك هو الذي خلق شعوراً موضوعياً بالانتماء إلى فضاء تاريخي واحد.
ومن هنا يمكن القول إن الحضارة العراقية لم تكن نتاج أمة مكتملة التكوين فحسب، بل كانت أيضاً الأداة التي صنعت هذه الأمة ورسخت وجودها عبر الزمن.
***الدولة بوصفها حارس الهوية
ثم جاء العنصر الثاني، وهو الدولة.
فالعراق لم يشهد فقط ولادة الحضارة الأولى، بل شهد أيضاً ولادة أولى التجارب السياسية الكبرى في التاريخ.
ومنذ نشوء المدن السومرية الأولى وحتى الدول والإمبراطوريات اللاحقة، ظل هناك إطار سياسي يتجدد بأشكال مختلفة لكنه يدور دائماً حول المركز الحضاري العراقي.
وهكذا تضافر عنصر الحضارة وعنصر الدولة في إنتاج استمرارية تاريخية نادرة.
فالدولة منحت الحضارة الحماية والتنظيم، والحضارة منحت الدولة الشرعية والهوية.
ومن هذا التفاعل الطويل تشكلت الشخصية العراقية عبر آلاف السنين.

***الأمة العراقية: مفهوم تاريخي لا اختراع حديث
إن القول بوجود أمة عراقية لا يعني الادعاء بأن السومريين كانوا يرددون شعارات قومية حديثة أو يكتبون أدبيات قومية بالمعنى الأوروبي المعاصر.
بل يعني أن العراق شهد تراكماً حضارياً وسياسياً وبشرياً متصلاً أوجد جماعة تاريخية كبرى حافظت على وجودها رغم تغير اللغات والسلالات الحاكمة والأديان والأنظمة.
ولهذا فإن الأمة العراقية ليست اختراعاً سياسياً حديثاً، وإنما هي التعبير المعاصر عن استمرارية تاريخية عميقة تعود جذورها إلى فجر الحضارة.
فإذا كانت أمم كثيرة تستند في وجودها إلى بضعة قرون من التاريخ المشترك، فإن العراق يستند إلى آلاف السنين من التراكم الحضاري والسياسي والإنساني.
ولهذا فإن السؤال ليس: متى وُلدت الأمة العراقية؟
بل لعل السؤال الأصح هو: كيف استطاعت هذه الأمة أن تستمر كل هذا الزمن رغم ما تعرضت له من غزوات وانقطاعات وتحولات؟
إن بقاء العراق حاضراً في التاريخ منذ فجر الحضارة وحتى اليوم ليس دليلاً على وجود دولة عابرة، بل دليل على وجود كيان تاريخي أعمق من الدول وأبقى من الأنظمة؛ كيان يمكن وصفه، دون تردد، بأنه الأمة العراقية.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع
- حين يتحوّل التعطيل إلى ثقافة: العراق بين الحاجة إلى الراحة و ...
- القانون حين يفقد سيادته وعدالته : بيان في هشاشة الدولة والمج ...


المزيد.....




- هجوم على محطة وقود بوسط إسرائيل يخلف قتيلًا ومصابين.. إليكم ...
- لبنان يعلن عدد قتلى الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية ...
- لماذا لا يتعظ صناع السياسة الخارجية الأمريكية من أخطاء الحرو ...
- إطلاق نار في عمق إسرائيل.. ماذا نعرف عن عملية كوخاف يائير وم ...
- من يراقب من؟ أمريكا وإسرائيل تدخلان مرحلة الشك المتبادل
- الولاية الأفضل مفاجأة.. دراسة أمريكية تكشف تدهور جودة الحياة ...
- غير مسبوق.. أحد النازيين الجدد يصل لجولة الإعادة في انتخابات ...
- فيديو لمستوطنين وجندي إسرائيلي يضربون فلسطينيين حتى فقد أحده ...
- ترامب: لم أعد بضمان عدم اندلاع حروب
- ترامب: المفاوضات مع إيران تركزت على سد -ثغرة- بشأن برنامجها ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - رياض سعد - هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟