أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - رياض سعد - الايزيديات في اقفاص النيران














المزيد.....

الايزيديات في اقفاص النيران


رياض سعد

الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 10:08
المحور: القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير
    


في قلب الظلام الذي خيّم على الموصل، وتحديدًا في الثاني من حزيران عام 2016، لم يرتكب تنظيم داعش الإرهابي جريمة قتل فحسب، بل نحت مشهدًا بدائيًا من الوحشية المتخيلة، حين أقدم على حرق تسع عشرة امرأة وفتاة إيزيدية وهن أحياء داخل أقفاص حديدية.
لم تكن هذه الجريمة حدثًا عابرًا في سجل الإرهاب الأسود، بل كانت مختبرًا مكثفًا للعقلية التي تقف خلف هذه الأفعال؛ عقلية أبناء الفئة الهجينة وشذاذ الآفاق من المجرمين والذباحين ، والقتلة الحاقدين على مكونات الأمة العراقية الأصيلة، والساعين لتدمير نسيجها الاجتماعي عبر ممارسة الإبادة كطقس علني.
لم تختر هؤلاء النسوة الموت حتفًا، بل اخترنه مقاومةً، بعد أن رفضن رفضًا قاطعًا الانصياع لمنظومة الاستعباد الجنسي التي أقامها التنظيم، والتحول القسري عن معتقدهن.
كان رفضهن بمثابة حكم إعدام صدر من محكمة العدميين... ؛ إن احتجازهن داخل أقفاص حديدية وإحراقهن أمام أنظار المارة، لم يكن مجرد إعدام، بل كان طقسًا إرهابيًا مركبًا أراد له المنفذون أن يكون رسالة رعب متعددة الطبقات. القفص هنا ليس مجرد أداة حبس، بل هو استعارة مادية لوحشية العقل الظلامي التكفيري الذي يسعى إلى تجريد الضحية من إنسانيتها وتحويلها إلى "شيء" يمكن امتلاكه، ثم التلذذ بإفنائه علنًا.
من منظور التحليل النفسي للعقل الإرهابي، تكشف هذه الجريمة عن مزيج سام من السادية الجماعية والشعور العميق بالدونية.. , هؤلاء المجرمون، الذين يرفعون شعارات دينية زائفة، يمارسون عنفهم انطلاقًا من حقد دفين على "الآخر" الذي يرفض الخضوع لهم.
إن إحراق النساء على مرأى من الناس هو اعتراف ضمني بالعجز عن اختراق جوهرهن الروحي، فلم يجدوا سوى النار لتطهير عارهم الذكوري المزعوم.
إنها جريمة تعكس انهيار كل الضوابط الأخلاقية لدى "شذاذ الآفاق" الذين لا ينتمون لأي أمة أو حضارة، بل هم نتاج هجين لثقافة الكراهية والموت والاغتراب.
وعلى المستوى الاجتماعي، كانت هذه الجريمة استمرارًا لسياسة ممنهجة بدأت في آب 2014 مع اجتياح سنجار، حيث وثقت منظمات مثل هيومن رايتس ووتش ولجنة التحقيق الدولية ما أقرته الأمم المتحدة لاحقًا بأنه إبادة جماعية.
لقد أنشأ التنظيم منظومة متكاملة للاستعباد الجنسي، شملت البيع والنقل القسري. كانت حادثة الحرق تتويجًا لهذه المنظومة، ورسالة دموية بأن ثمن الكرامة هو الموت حرقًا.
لكن هذه الوحشية، بدلًا من أن تكسر الإرادة الإيزيدية، حولت الضحايا إلى أيقونات للصمود، وأظهرت للعالم أن الأمة العراقية الأصيلة تُستهدف في أكثر رموزها نقاءً.
أما على الصعيد السياسي والقانوني، فإن الجريمة تتحول إلى مرآة تعكس فشل المجتمع الدولي... ؛ فبينما كانت النسوة تُحرقن، كان مجلس الأمن واليونسكو والمنظمات الحقوقية الدولية تراوح في صمتها المطبق.. ؛ هذا الصمت ليس مجرد عجز، بل هو شكل من أشكال التواطؤ غير المباشر الذي ما زال يغذي مثل هذه التنظيمات.
ورغم أن البرلمان العراقي أقر قانون الناجيات الإيزيديات عام 2021، وعمل فريق التحقيق الأممي (UNITAD) على جمع الأدلة، إلا أن أسئلة جوهرية تبقى دون إجابة: أين ذهبت رفات هؤلاء النسوة؟
ومن هم الجناة الذين نفذوا هذا الفعل بأيديهم وبأمر من؟
ولماذا لا نرى محاكمات محددة وعلنية متصلة بهذه الواقعة بالذات، مما يترك الملف يراوح بين الذاكرة الشفوية والوثائق المبعثرة؟
إن التحدي الأعظم في مرحلة ما بعد داعش هو معركة إثبات الوقائع ذاتها.. , كثير من الأدلة ضاع في حروب التحرير بين عامي 2016 و2017، وبقي مصير آلاف المختطفات مجهولًا.
إن عرقلة مسار العدالة الكاملة يشير إلى فجوة خطيرة بين هزيمة التنظيم عسكريًا وهزيمة منظومته الفكرية والإجرامية.
بالنسبة لعوائل الضحايا، وللذاكرة العراقية الجمعية، يبقى حرق التسع عشرة امرأة إيزيدية في أقفاصهن ليس مجرد خبر صحفي قديم، بل شرخ عميق في جدار الإنسانية، وشهادة دامغة على أن "الفئة الهجينة والمنكوسة" من المجرمين الحاقدين لم تحمل السلاح ضد بشر فقط، بل حملته ضد فكرة الحياة والتعايش ذاتها.
الكشف عن الحقيقة الكاملة لهذه الجريمة، ومحاسبة من خططوا لها ونفذوها، لم يعد مجرد مطلب قانوني، بل هو اختبار حقيقي لبقاء ضمير هذا العالم، إن كان له ضمير.
إن جريمة إحراق النساء الإيزيديات في الموصل ليست مجرد صفحة سوداء في سجل الإرهاب، بل شهادة دامغة على ما يمكن أن تفعله الكراهية حين تتحول إلى عقيدة، والتعصب حين يتحول إلى سلطة، والجهل حين يتسلح بالعنف.. ؛ وهي تذكير دائم بأن حماية التنوع العراقي ليست مهمة تخص مكوناً بعينه، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تقع على عاتق جميع العراقيين.
فالإيزيديون، كما سائر مكونات العراق التاريخية، ليسوا هامشاً في قصة الوطن، بل جزء أصيل من روحه وهويته وذاكرته.. , ومن هنا فإن إنصافهم وإنصاف ضحايا الإرهاب جميعاً هو دفاع عن العراق نفسه، وعن حق الإنسان في أن يعيش حراً وآمناً ومختلفاً من دون خوف من نار التعصب أو سكاكين الكراهية.



#رياض_سعد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمة العراقية : الهوية الوطنية بين التاريخ والسياسة
- هل الأمة العراقية أقدم من النظرية القومية؟
- الإعلان عن وفاة الإله : قراءة في أخطر مقولات نيتشه
- انكسار المرايا : حين يتحوَّل الرفيق إلى غريم
- الإعلام المزيف وصناعة الواقع في عصر هندسة العقول
- حين تتحوّل الجغرافيا إلى عبءٍ تاريخي
- فيزيولوجيا الرؤية: كيف تحوّلت العين إلى منفذٍ لاستنزاف الروح ...
- ذاكرة الخراب : نشأة الجلاد في رحم الفئة الهجينة
- حين يحتقر الفقيرُ الفقيرَ: عقدة الهروب من المرايا
- العراقي والكتاب: من العشق التاريخي إلى النفور المعاصر
- اغتصاب الحق وادعاء الملكية
- إعلان بروكلاميشن في بريطانيا عام 1611
- سيكولوجيا الوهم.. لماذا لا يخبرنا الدماغ بفراغه؟
- حين تُدار الأوطان بالثقة العمياء لا بكفاءة الخبراء
- القانون في العالم العربي: بين غربة النص وتعدد مراكز القوة وه ...
- سيكولوجيا الحضور والغياب: عندما تذبل المشاعر في مرايا الاختف ...
- عُمرٌ بمثابة معادلة
- حين تتحول الأحزاب إلى سجونٍ فكرية
- عندما يفقد القانون روحه ؛ يتحول حُماته إلى مصدر للرعب
- الأذيّة بين ضعف النفس وحقيقة الدوافع


المزيد.....




- مصدران إسرائيليان: ترامب ونتنياهو تحدثا هاتفيا للمرة الثانية ...
- ما الذي قد يعنيه إنجاز علمي جديد في علاج تساقط الشعر لنساء م ...
- -إيلون ماسك يتدخل بشكل مباشر في السياسة البريطانية عبر إكس، ...
- روسيا تلجأ لخدعة من الحرب العالمية لتمويه المسيرات الذكية؟
- ميلانشون يتحدى منافسيه للرئاسة بـ-فرنسا الجديدة-
- الاحتلال يهدم منازل ويشرّد عشرات الفلسطينيين بالضفة
- مصر وسوريا.. تقدم حذر
- بعد نصف قرن.. ليانا تعيد قضية -الكنزة الحمراء- إلى ذاكرة الف ...
- حرب إيران بالصور.. 100 يوم من القتال والتفاوض
- غروسي: دور الوكالة الذرية في إيران مرهون بطبيعة الاتفاق المر ...


المزيد.....

- اشتراكيون ديموقراطيون ام ماركسيون / سعيد العليمى
- الرغبة القومية ومطلب الأوليكارشية / نجم الدين فارس
- ايزيدية شنكال-سنجار / ممتاز حسين سليمان خلو
- في المسألة القومية: قراءة جديدة ورؤى نقدية / عبد الحسين شعبان
- موقف حزب العمال الشيوعى المصرى من قضية القومية العربية / سعيد العليمى
- كراس كوارث ومآسي أتباع الديانات والمذاهب الأخرى في العراق / كاظم حبيب
- التطبيع يسري في دمك / د. عادل سمارة
- كتاب كيف نفذ النظام الإسلاموي فصل جنوب السودان؟ / تاج السر عثمان
- كتاب الجذور التاريخية للتهميش في السودان / تاج السر عثمان
- تأثيل في تنمية الماركسية-اللينينية لمسائل القومية والوطنية و ... / المنصور جعفر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القومية , المسالة القومية , حقوق الاقليات و حق تقرير المصير - رياض سعد - الايزيديات في اقفاص النيران