أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت














المزيد.....

البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت


مروان فلو

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 18:21
المحور: القضية الكردية
    


ليست البيشمركة مجرد تسمية عسكرية، وليست مؤسسة نشأت في ظرف سياسي عابر، بل هي فكرة متجذرة في وجدان الشعب الكردي، ورمز خالد للتضحية والفداء والصمود. فاسم "بيشمركة" في اللغة الكردية يعني "الذين يواجهون الموت"، وهو وصف لم يُمنح لمن حمل السلاح فحسب، بل لكل من وضع حياته في مواجهة الخطر دفاعاً عن شعبه وأرضه وكرامته.
وقد ارتبط هذا الاسم تاريخياً بجمهورية مهاباد عام 1946 بقيادة القاضي محمد، حين جرى اعتماد مصطلح "بيشمركة" ليكون الاسم الرسمي للمقاتلين الكرد. ويُنسب اقتراح هذه التسمية إلى المناضل أحمد دسمال، الذي طرحها خلال أحد الاجتماعات في مضافة القاضي محمد، فحظيت بقبول واسع لما حملته من معانٍ عميقة تجسد روح المقاتل الكردي واستعداده للتضحية. ومن الإنصاف أن يُذكر اسم أحمد دسمال كلما ذُكرت البيشمركة، لأنه ساهم في منح الحركة الكردية أحد أكثر رموزها خلوداً وتأثيراً.
لقد تأسست البيشمركة على أسس وطنية نبيلة، وشارك في وضع لبناتها رجال آمنوا بحق الشعب الكردي في الحياة الحرة الكريمة، وفي مقدمتهم القاضي محمد، ومعه ملا مصطفى البارزاني، إضافة إلى عدد من الشيوخ والعلماء والشخصيات الوطنية التي رأت في الدفاع عن الشعب واجباً أخلاقياً وقومياً لا يقبل التهاون.
ومنذ نشأتها، كانت البيشمركة بالنسبة للكرد أكثر من قوة مسلحة؛ كانت صمام أمان للشعب وحارساً للهوية ودرعاً للوجود. ففي مختلف المراحل التاريخية التي مر بها الكرد، بقيت البيشمركة عنواناً للمقاومة والصمود، وملاذاً لكل من رفض الخضوع للظلم أو التخلي عن حقوقه.
ولذلك لم ينظر الشعب الكردي إلى البيشمركة بوصفها جهازاً بيروقراطياً أو تشكيلًا عسكرياً تقليدياً، بل باعتبارها ظاهرة نضالية شعبية متجذرة في المجتمع. فكل مقاتل كردي ثائر حمل هموم شعبه ودافع عن أرضه كان يُنظر إليه بوصفه بيشمركة، سواء انتمى إلى هذا التنظيم أو ذاك، لأن جوهر البيشمركة لا يكمن في الانتماء الحزبي، بل في الاستعداد للتضحية.
ومن المهم التذكير بأن مقاتلي حزب العمال الكردستاني في بدايات تأسيس الحركة كانوا أيضاً يُعرفون في الأوساط الكردية باسم "البيشمركة"، قبل أن يشيع استخدام مصطلح "الكريلا"، وهو مصطلح عالمي يُستخدم للدلالة على المقاتلين الذين يخوضون حرباً شعبية أو حرب عصابات ضد قوى أكبر منهم عدداً وعتاداً. ومع مرور الزمن أصبح اسم الكريلا هو الأكثر انتشاراً وتعريفاً بهم على المستوى العالمي.
ورغم اختلاف المسارات والتنظيمات والانتماءات السياسية، فإن البيشمركة والكريلا يلتقيان في معنى واحد: الاستعداد للتضحية في سبيل الشعب. فكلاهما يمثل في نظر أنصاره نموذج الإنسان الذي يضع القضية فوق المصلحة الشخصية، ويختار طريقاً مليئاً بالمخاطر دفاعاً عن الحرية والكرامة.
إن البيشمركة أكبر من أي حزب، وأبقى من أي قائد، لأنها جزء من الذاكرة الجماعية للشعب الكردي. إنها روح المقاومة التي انتقلت من جيل إلى جيل، وهي الإرادة التي رفضت الاستسلام مهما اشتدت الظروف. أما الكريلا، فقد أصبحت بدورها رمزاً آخر من رموز النضال الكردي المعاصر، وحملت إلى العالم صورة المقاتل الذي يواصل طريقه رغم الحصار والمخاطر والتضحيات.
وحين يقدم الإنسان حياته من أجل شعبه، فإنه يبلغ مرتبة من الإخلاص لا يمكن قياسها بالمناصب ولا بالمكاسب السياسية. فالتاريخ لا يخلد أصحاب السلطة بقدر ما يخلد أصحاب التضحية. ولهذا بقيت أسماء آلاف الشهداء من البيشمركة والكريلا حية في ذاكرة أبناء شعبهم، لأنهم اختاروا أن يكونوا في الصفوف الأولى حين كان الخطر يهدد الجميع.
لقد كانت البيشمركة وستبقى رمزاً للفداء في الوجدان الكردي، كما ستبقى الكريلا عنواناً للإرادة التي لا تنحني. وبين الاسمين تمتد حكاية شعب آمن بحقه في الحياة والحرية، وقدم عبر عقود طويلة رجالاً ونساءً واجهوا الموت بثبات لكي يبقى الأمل حياً في قلوب الأجيال القادمة.
وليس البيشمركة اسماً يُمنح، بل شرف يُكتسب. وليس الكريلا لقباً عابراً، بل طريقاً اختاره رجال ونساء آمنوا بأن الحرية تستحق التضحية.
من جبال كردستان إلى سهولها ووديانها، كُتبت صفحات طويلة من تاريخ النضال بدماء أولئك الذين تقدموا نحو الخطر عندما تراجع الآخرون، وحملوا أحلام شعبهم فوق أكتافهم في أحلك الظروف. لقد رحل كثير منهم، لكن أسماءهم بقيت حية في ذاكرة الأمة الكردية، لأن التضحية الصادقة لا تموت.
وسيظل اسم البيشمركة، الذي اقترحه أحمد دسمال واعتمده رجال جمهورية مهاباد بقيادة القاضي محمد، رمزاً للشجاعة والإقدام ومعنىً خالداً لمواجهة الموت من أجل الحياة الكريمة. كما سيبقى اسم الكريلا رمزاً للإرادة التي لم تنكسر رغم الحروب والحصار والتحديات.
قد تختلف الأحزاب، وقد تتبدل القيادات، وقد تتغير الظروف السياسية، لكن البيشمركة والكريلا سيبقيان في وجدان الملايين عنواناً للفداء والوفاء والانتماء. فهما ليسا مجرد تشكيلين مسلحين في نظر مؤيديهما، بل جزء من قصة شعب طويل الكفاح، شعب آمن بأن الكرامة لا تُمنح بل تُنتزع، وأن الحرية لها ثمن، وأن أعظم من يدفع هذا الثمن هو من يضع روحه على كفه دفاعاً عن شعبه ووطنه.
المجد للشهداء الذين رسموا بدمائهم دروب الحرية، والاحترام للمقاتلين الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن شعبهم، والوفاء لكل من بقي مخلصاً لقيم التضحية والشجاعة التي جسدها البيشمركة والكريلا عبر الأجيال.



#مروان_فلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إعادة تصنيف حزب العمال الكردستاني: قراءة في توقيت شهادة مايك ...
- السلام الدائم لا يُبنى بالوصاية: قراءة تحليلية في مسارات تحر ...
- وقف النار الوهمي: عندما تكون الهدنة مجرد استراحة المحارب
- الكرد وحضارات الشرق القديم: إعادة قراءة التاريخ المُهمَّش در ...
- الدولة العميقة ومنطق المؤسسات: كيف تُدار الصراعات الدولية بع ...
- السياسة المائية كسلاح جيوسياسي: تركيا وسوريا وتفكيك الهوية و ...
- هندسة السيادة الذهنية: تفكيك -البنية الجوانية*- وبناء الإنسا ...
- الكورد وتحولات الشرق الأوسط: لحظة تاريخية لا تحتمل الانقسام
- بين مطرقة -الواقعية السياسية- وسندان -العاطفة الجماهيرية-: ق ...
- إيران وتركيا بين النزعة التوسعية وحق الشعوب في تقرير المصير
- الأمن الاقتصادي الشامل في عصر التهديدات المركبة
- الحرب التي لا تراها: كيف تُهزم الدول قبل إطلاق أول رصاصة؟
- الكورد بين سيفر ولوزان: لماذا رُفض المشروع القومي الكوردي بع ...
- الكورد بين لوزان والأزمة السورية: هل يتكرر التاريخ؟
- لماذا أصبح وعي المواطن خط الدفاع الأول للدولة؟
- محاولة إنكار الامتداد الحضاري واللغوي للكورد
- الاستلاب إلى البناء: نحو دستور للشخصية الكوردستانية في القرن ...
- الحرب الهجينة: كيف تُهزم الدول من الداخل قبل أن تسمع صوت الر ...
- كيف تُهزم الدول من الداخل قبل أن تُهزم على الحدود؟
- القضية الكُردية بين أنقرة وحزب العمال الكوردستاني وروژآفا: ج ...


المزيد.....




- اعتقالات في خور الزبير على خلفية مشروع استثماري.. ومزارعون ي ...
- ما مصير المهاجرين؟.. كل ما تريد معرفته عن ميثاق الهجرة الأور ...
- اعتقالات تطال نساء أفغانيات على خلفية قواعد اللباس.. حملة لط ...
- تفاؤل حذر بين المهاجرين في أمريكا بعد قرار قضائي ينهي تجميد ...
- مقيد اليدين والقدمين.. تفاصيل صادمة عن ظروف اعتقال الطبيب حس ...
- وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف: نؤكد ضرورة تنفيذ مهام ميث ...
- لافروف: الأمين العام الحالي للأمم المتحدة يتواطأ علنًا مع ا ...
- مئات يتظاهرون تكريما للتلميذة الفرنسية المقتولة -ليهانا-
- شهيدان وجرحى في غارات إسرائيلية استهدفت خيام النازحين بخانيو ...
- اعتداءات للمستوطنين في نابلس وحملة اعتقالات تطال مواطنين بال ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - مروان فلو - البيشمركة والكريلا.. حين يصبح الإنسان أكبر من الموت