أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - آخر أمرٍ عسكري














المزيد.....

آخر أمرٍ عسكري


ضيا اسكندر
كاتب


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 12:50
المحور: الادب والفن
    


تزخر كتب التاريخ بالعديد من قصص الفداء والتضحية من أجل الوطن، كلٌّ منها تمثل حالة فريدة من نوعها، أسهمت في صياغة القيم الإنسانية والأخلاقية لدى كثيرين، وغرست في نفوسهم مبدأ الاستعداد لخوض الحرب وقبول نتائجها، والرضا بما يمكن أن تخلّفه من مآسٍ!
ومن بين هذه القصص، قصة أسرة كردية مؤلفة من زوجين وابنتهما الوحيدة (داريا) المتفوقة دراسياً والمحبوبة في وسطها الاجتماعي؛ فهي جميلة وتتمتع بجاذبية، ولطالما كان والدها يبدي حرصه الشديد عليها من عدم الانجرار وراء إغواءات المعجبين بها إلى أن تكمل دراستها، وغالباً ما كان يمازحها بين الحين والآخر، متوعّداً بابتسام: «سأقتلك بهاتين اليدين» إذا ما زاغت عيناك عن طريق الصواب.

وعلى الرغم من كل هذه المزايا، فضّلت (داريا) الاهتمام بقضية شعبها على أي شيء آخر، بعد أن ترسّخت لديها قناعة المقاومة؛ نتيجة الظلم والاضطهاد وسياسة الإبادة التي يتعرض لها الشعب الكردي.
وفي ليلة ظلماء غادرت بيتها سراً، تاركةً وراءها أسرتها التي تحبها ومدرستها، والتحقت بصفوف المقاتلين في الجبال دفاعاً عن هذه القضية.
وبفضل مواهبها ومهاراتها، صارت قائدة في إحدى الوحدات العسكرية، بعد سنوات من انخراطها في الكفاح المسلح.

وخلال هذه الفترة، لم تغِب عن تفكير والدها الذي غلبه الشوق ولم يعد قادراً على تحمّل فراقها، وهي الأثيرة إلى قلبه، فقرر الالتحاق بدوره، بصفوف المقاتلين ليتمكن من رؤيتها.
خضع الأب لدورات تدريبية عديدة، وأصبح جاهزاً للقتال كبقية الرفاق. وذات يوم، جاءتهم أوامر من القيادة بخوض معركة مع العدو.
وتشاء الصدف - لدى وصوله إلى ساحة القتال - أن تكون ابنته هي من تقود المعركة. وأسوة ببقية المقاتلين طفقت تناديه بلقب (رفيق)، بعد أن تخلّت عن عواطفها العائلية كما تخلّى هو الآخر عنها، وفق التعليمات الحزبية بسبب ظروف الحرب.
خاض المعركة بكل جسارة، وقلبه يُعتصر خوفاً على ابنته، فعاطفة الأبوة لم تندثر لديه كلياً.

ولدى هجوم العدو بطائراته وجنوده، أصيبت (داريا) بقذيفة، خلعت كتفها من مكانه، وكان خلفها والدها يرقبها بذعر. هرع إليها محاولاً نجدتها، وخلع إزاره ليلفّ به كتفها والدموع تنهمر من عينيه، مختلطةً مع دماء ابنته التي تنزف بغزارة وقد أدركت أنها قاب قوسين أو أدنى من الشهادة. فخاطبته قائلةً: «رفيقي.. جرحي عميق وخطير، وكيلا أقع في الأسر، أريد أن تقوم بواجبك، أطلبها منك كأمر عسكري».
أيّ أمر عظيم هذا! أيّ موقفٍ رهيبٍ ومفجعٍ وُضِع فيه الأب! إنه يُبكي حتى الذئاب في جحورها!
تجمّد الأب في مكانه، تتناهبه مشاعر متناقضة، شعر أنه موكلٌ بمهمة تنوء عن حملها الجبال. وأحسَّ بأن حزن الدنيا كله قد تكثّف في لحظةٍ واحدة وانهمر عليه. ألقى على ابنته نظرة استفهامٍ معذّبة، والهلع يتدفق من عينيه! وجعل يبلع ريقه في حيرةٍ وارتباك، فقد كان عليه اتخاذ القرار خلال ومضة متناهية الصغر؛ فجنود العدو يقتربون بسرعة.
لم يكن أمامه خيار آخر. وجّه بندقيته إليها وأغمض عينيه وهو يتذكر عندما كان يمازحها قبل انضمامها إلى صفوف المقاتلين بعبارة «سأقتلك بهاتين اليدين»، ونفّذ "وعيده" بقتلها دون أن يقول لها (سأقتلك).

في تلك اللحظة، لم يعد الأب مجرد أب. لقد أصبح ضحية الحرب قبل أن يصبح قاتلاً. كل شهقة منه كانت اتّهاماً موجّهاً ليس إلى نفسه، بل إلى حرب لا تكتفي بقتل الأطفال، بل تجعل آباءهم يقتلونهم بأيديهم رحمة بهم. إنه مشهد لا يبكي الذئاب في جحورها فحسب، بل يجعل الصخر يتفطر حزناً على إنسان أجبر على أن يكون قاتل من يحب.

ذكّرتني هذه القصة المؤثرة (الأب وابنته) للكاتب الكردي حسني مته، والتي ترجمها إلى العربية الكاتب آلان عبد الله، بقصص وحكايا مماثلة عن أب يقتل ابنته أو أخ يقتل أخته، ولكن بدافع الشرف!
كم الفارق شاسعٌ بين الدافعين؟!
أب يقتل ابنته إنقاذاً لها من الوقوع بالأسر، دفاعاً عن شرفها لأنها ستتعرّض لويلات التعذيب والإذلال وربما الاغتصاب. وآخر يقتل ابنته دفاعاً عن "شرفه" بسبب علاقة عاطفية!
إنها تراجيديا العصر بلا منازع.

أختتم وأقول: لا أعتقد بأنني شعرتُ يوماً بتأثرٍ أشدّ من تأثري لدى قراءة هذه القصة المؤثرة والمعبّرة. إن هذا النوع من الأدب هو ما نحتاج إليه، وعلى الكتّاب في مختلف صنوف الإبداع، أن يتوخّوا في نصوصهم إيصال الفكرة التي من شأنها رفع ذائقة المتلقّي ودغدغة مشاعره الإنسانية النبيلة التي يسعى إلى تكليسها، كل ما يحيط بنا من مظاهر الانحطاط والتخلف.
وإن اقتضى الأمر، فليصفعنا هؤلاء الكتاب صفعاً على وجوهنا ويصرخوا في وجوهنا:
"لا تمدحوا القاتل، حتى لو كان أباً. ارحموه، لكن لا تبرروا فعله. وغضبكم الوحيد، غضبكم الأقدس، فليكن موجهاً إلى الحرب وحدها. لأن الحرب هي من تخلق الأب القاتل، ثم تنتظر منا أن نحييه!".
فهل نحن فاعلون؟



#ضيا_اسكندر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فيضان الفرات.. من أغرق الجزيرة السورية؟
- التقمّص بين الإيمان والعلم: هل نعيش أكثر من حياة؟
- عفويّةٌ لا تتقن التمثيل
- مسرح الانتخابات السورية.. سبعة آلاف -ناخب- لتمثيل شعب
- الاستبصار في الحلم.. بين حدسٍ متوهّج ووهمٍ مُنمّق
- حين يتحوّل الضوء إلى رفاهٍ مستحيل
- العمال يُسحقون والنقابات تُتقن فنّ التفرّج
- مجرمون تحت الضوء… وآخرون في الظل
- القطاع العام السوري: قتله الأسد فساداً.. فهل يدفنه «النظام ا ...
- الكسل الثوري المُهذَّب
- الطلاق الصامت.. حين يتحوّل الزواج إلى عزلة مزدوجة
- ظاهرة الشيوخ في سوريا الجديدة
- الصعود إلى الهاوية
- حين تهتز عروش الكبار.. من السويس إلى واشنطن
- قُبلة… خارج النص!
- على ماذا يجب أن نُركّز؟
- كيف نصل إلى حلّ الأزمة السورية؟
- الحرب على إيران.. لماذا لا تستعجل موسكو وبكين بإنهائها؟
- الحرب الخاطفة التي قد تطول
- العالم على حافة مواجهة كبرى


المزيد.....




- كريم عبدالعزيز يبدأ تصوير فيلم -الفيل الأزرق 3-
- إحصائيات تشير لتصدر فيلم -7DOGS-.. ومحمد رمضان يواصل الحديث ...
- فرنسا: فيلم -معركة ديغول- يحيي الجدل حول إرث الجنرال الذي لا ...
- وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي صاحبة -برسيبول ...
- مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا ...
- رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
- أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني ...
- رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران ...
- لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في ...
- فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضيا اسكندر - آخر أمرٍ عسكري