أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟















المزيد.....

هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟


منصور رفاعي اوغلو

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


السؤال قاسٍ، لكنه مشروع: عندما تصل جماعة ذات خلفية إسلامية إلى الحكم، ثم نرى خوف الأقليات، وتضخم السلطة الفردية، وتراجع المشاركة السياسية، وخلط الدين بالأمن، واستعمال الخطاب الشرعي لتجميل قرارات الدولة، فهل المشكلة في الإسلام نفسه؟ أم في الإسلام السياسي حين يتحول من دعوة أخلاقية إلى سلطة حاكمة؟

الإجابة الأدق هي: تصرفات الحكومة السورية لا تثبت أن الإسلام كدين لا يصلح للحياة العامة، لكنها تثبت شيئًا أخطر: أن تحويل الإسلام إلى أداة حكم حزبي أو فصائلي قد يفسد الدين والدولة معًا.

الإسلام شيء، وحكم الإسلاميين شيء آخر

هناك فرق كبير بين الإسلام بوصفه دينًا يحمل قيم العدل والرحمة وحرمة الدم وكرامة الإنسان، وبين جماعة سياسية تقول إنها تمثل الإسلام ثم تطلب من الناس أن يطيعوها باسم الدين. المشكلة تبدأ عندما يصبح الحاكم قادرًا على تقديم نفسه لا كسياسي يمكن نقده، بل كحارس للشريعة، وكأن معارضته ليست معارضة لحكومة بل اعتراض على الدين نفسه.

هنا يتحول الإسلام من مصدر أخلاقي إلى درع سياسي. وإذا صار الدين درعًا للحاكم، فإن المحاسبة تصبح أصعب، والنقد يصبح تهمة، والخصوم يتحولون إلى “أعداء المشروع” لا إلى مواطنين لهم حقوق.

وهذه بالضبط هي العقدة الكبرى في التجربة السورية الجديدة: ليست المشكلة فقط في أن الحكومة لها خلفية إسلامية، بل في أن هذه الخلفية تأتي بعد حرب طويلة، وسلاح، وفصائل، وثارات، ومجتمع ممزق. عندما تدخل الأيديولوجيا الدينية إلى هذا الخليط، تصبح الدولة مهددة بأن تتحول إلى سلطة غلبة لا سلطة قانون.

سوريا لا تحتاج إلى خطبة دينية بل إلى دولة قانون

بعد سقوط نظام الأسد، لم تكن سوريا بحاجة إلى شعارات كبيرة. كانت تحتاج إلى قضاء مستقل، شرطة مهنية، دستور جامع، ضمانات حقيقية للأقليات، جيش وطني لا فصائلي، وعدالة انتقالية تمنع الثأر الجماعي. لكن التقارير الدولية أظهرت أن المرحلة الانتقالية بقيت محكومة بهشاشة أمنية ومؤسساتية خطيرة. منظمة هيومن رايتس ووتش تحدثت في تقريرها لعام 2026 عن عمليات قتل على أساس الهوية، بينها مجازر استهدفت مدنيين علويين ودروزًا في 2025 من قبل قوات حكومية أو قوات حليفة لها، ما زاد المخاوف من استمرار العنف.

هذه الوقائع لا تعني أن كل من في الحكومة قاتل، ولا أن كل مؤيد لها طائفي. لكنها تعني أن الدولة فشلت في الامتحان الأهم: حماية المواطن لا بحسب طائفته، بل بحسب مواطنته. الدولة التي لا يستطيع المسيحي أو العلوي أو الدرزي أو الكردي أو حتى المسلم السني المعارض أن يشعر فيها بالأمان، ليست دولة إسلامية عادلة؛ إنها دولة خائفة من شعبها، أو عاجزة عن ضبط سلاحها.

حين تصبح “الأغلبية المسلمة” مبررًا للهيمنة

من أخطر أخطاء الإسلاميين أنهم يخلطون بين حقيقة اجتماعية وهي أن الأغلبية مسلمة، وبين نتيجة سياسية تقول إن من حق تيار ديني واحد أن يحتكر الدولة. نعم، أغلبية السوريين مسلمون، لكن سوريا ليست مسجدًا كبيرًا، بل وطن فيه مسلمون ومسيحيون وعلويون ودروز وإسماعيليون وكرد وعرب وتركمان وسريان، وفيه مؤمنون وغير متدينين.

الدولة ليست خطبة جمعة. الدولة عقد بين مواطنين مختلفين. فإذا حكمت باسم هوية واحدة، فإنك تقول للآخرين ضمنيًا: أنتم ضيوف في وطنكم. وهذا وحده يكفي لتدمير فكرة الدولة.

حتى لو وعدت السلطة الجديدة بحماية الأقليات والوحدة الوطنية، بقيت هناك مخاوف جدية من التهميش تحت حكم ذي طابع إسلامي، كما أشارت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء في تقريرها عن سوريا في 2025. المشكلة ليست في الوعد، بل في الضمان. الأقليات لا تريد تصريحًا لطيفًا من الحاكم، بل دستورًا وقضاءً ومؤسسات تمنع الحاكم نفسه من ظلمها.

الدستور المؤقت: انتقال أم تثبيت سلطة؟

أحد أكثر المؤشرات خطورة هو شكل المرحلة الانتقالية. فقد ذكرت رويترز أن أحمد الشرع أُعلن رئيسًا للمرحلة الانتقالية في يناير 2025، مع تعليق الدستور ومنحه صلاحية تشكيل مجلس تشريعي مؤقت. كما أشارت وكالة أسوشيتد برس إلى أن الإعلان الدستوري المؤقت وضع البلاد عمليًا تحت حكم جماعة ذات خلفية إسلامية لمدة خمس سنوات، رغم أنه تضمن وعودًا بالحريات وحماية الحقوق.

هنا يظهر السؤال الحقيقي: هل هذه مرحلة انتقالية نحو دولة لكل السوريين، أم انتقال من استبداد عائلي إلى استبداد أيديولوجي؟ المشكلة أن السوريين لم يخرجوا من حكم الأسد لكي يدخلوا في حكم جماعة تقول لهم: “انتظروا خمس سنوات، ثم نرى”.

الدولة التي تؤجل الديمقراطية بحجة الخطر، وتؤجل المحاسبة بحجة المرحلة، وتؤجل الحريات بحجة الاستقرار، تعيد إنتاج منطق الاستبداد ولو بلحية وخطاب ديني.

هل المشكلة في الشريعة أم في احتكار تفسيرها؟

الإسلاميون يقولون عادة: “نحن لا نحكم بأهوائنا، نحن نحكم بالشريعة”. لكن السؤال: من يفسر الشريعة؟ ومن يراقب من يفسرها؟ ومن يحاسب الحاكم إذا استخدم النصوص لمصلحته؟

في التاريخ الإسلامي نفسه لم تكن المشكلة في وجود الدين، بل في استعمال الدين لتقديس السلطة. كل حاكم ظالم تقريبًا وجد فقيهًا يبرر له. وكل سلطان أراد قمع الناس وجد لغة دينية جاهزة: الفتنة، الطاعة، المصلحة، درء المفاسد، وحدة الصف. وهكذا يتحول الدين من قوة تحرير إلى جهاز ضبط اجتماعي.

لذلك، عندما تقول حكومة دينية إنها تطبق الإسلام، يجب ألا نسأل فقط: هل رفعت شعار الإسلام؟ بل نسأل: هل منعت التعذيب؟ هل حمت الأقليات؟ هل احترمت المعارضين؟ هل قبلت تداول السلطة؟ هل فصلت بين القضاء والسياسة؟ هل عاملت المرأة كمواطنة كاملة؟ هل سمحت للناس بأن يختلفوا معها دون خوف؟

إن لم تفعل، فهي لا تثبت فشل الإسلام، بل تثبت فشل من استخدم الإسلام للوصول إلى الحكم.

الحكومة السورية مثال على مأزق الإسلام السياسي

التجربة السورية تكشف مأزقًا يتكرر في أكثر من بلد: الإسلام السياسي قوي في المعارضة، ضعيف في الدولة. يعرف كيف يخطب، يعبئ، يهاجم، يرفع الشعارات، ويقدم نفسه كبديل أخلاقي. لكنه عندما يصل إلى الحكم يكتشف أن إدارة الدولة لا تتم بالشعارات: تحتاج اقتصادًا، مؤسسات، قانونًا، تسويات، خبراء، قضاءً، شرطة محترفة، واعترافًا بالتعدد.

Reuters نقلت أن السلطات السورية الجديدة استخدمت تعاليم إسلامية في تدريب الشرطة الجديدة بهدف ملء الفراغ الأمني بعد تفكيك أجهزة الأسد. قد يبدو هذا جيدًا من حيث النية، لكن الدولة الحديثة لا تكفيها الموعظة الأخلاقية. الشرطي لا يجب أن يكون “متدينًا” فقط، بل يجب أن يكون مقيدًا بالقانون، مدربًا على حقوق الإنسان، خاضعًا للمحاسبة، ومحايدًا تجاه المواطنين. الأخلاق بلا مؤسسة تتحول إلى مزاج. والمؤسسة بلا محاسبة تتحول إلى قمع.

لا تحكموا على الإسلام من فشل الإسلاميين

من الظلم أن نقول إن تصرفات الحكومة السورية تثبت أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة. هذا استنتاج سهل لكنه غير دقيق. الإسلام دين واسع، وتاريخه متنوع، وفيه فقه ومقاصد وتجارب حضارية وأخلاقية لا تختصرها جماعة مسلحة أو سلطة انتقالية.

لكن من العدل أن نقول: تصرفات الحكومة السورية تثبت أن الحكم باسم الإسلام خطر جدًا إذا لم يكن مقيدًا بدستور مدني، ومواطنة متساوية، وانتخابات حقيقية، وقضاء مستقل، وضمانات للأقليات.

الدين يمكن أن يلهم القيم. لكن الدولة يجب أن تُدار بالقانون. الدين يمكن أن يقول للحاكم: اعدل. لكن الدستور يجب أن يستطيع أن يمنعه إذا ظلم. الدين يمكن أن يربي الضمير. لكن الضمير لا يكفي لبناء دولة.

الخلاصة

تصرفات الحكومة السورية لا تثبت أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة، لكنها تضرب بقوة فكرة أن الإسلاميين، بمجرد رفعهم شعار الدين، يصبحون أصلح من غيرهم للحكم. ما نراه يثبت أن الدولة لا تُبنى بالهوية الدينية، بل بالمواطنة. لا تُبنى بالخطب، بل بالمؤسسات. لا تُبنى بوعود حماية الأقليات، بل بضمانات تمنع اضطهادهم. لا تُبنى بتقديس الحاكم، بل بإمكانية عزله ومحاسبته.

الإسلام الذي يتحدث عن العدل لا يخاف من دولة القانون. الذي يخاف من دولة القانون هو السياسي الذي يريد أن يحكم باسم الإسلام ثم يرفض أن يُحاسَب كأي حاكم عادي.

لذلك، السؤال الصحيح ليس: هل الإسلام يصلح لحكم دولة؟
السؤال الصحيح هو: هل يصلح من يحتكر الإسلام، ويتكلم باسمه، ويجعل نقده كفرًا أو خيانة، أن يحكم دولة متنوعة مثل سوريا؟

والجواب، من التجارب التي نراها، واضح ومؤلم: لا.



#منصور_رفاعي_اوغلو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا يرحب الغرب المسيحي باللاجئين بينما يرفضهم الأتراك المس ...
- تركيا: الجار الذي لا يريده أحد
- سلطة الجولاني في سوريا وسرقة المجتمع باسم الدين
- هل يدفع العداء التركي الإسرائيلي الاقتصاد إلى الهاوية في ترك ...
- العروبة أم الإسلام أم الحضارة: إلى ماذا يجب أن ننتمي؟
- النظام السوري الجديد: هل هو نسخة سنية من حكم ولاية الفقيه ال ...
- الاحتلال العثماني يعود إلى سوريا مجددًا: لن نحكم الشعب… سنحك ...
- عنصرية الأتراك وتأثيرها على علاقتهم بالجيران
- لماذا تدعم تركيا الحكم الديني في سوريا بينما تمنع وجوده في ت ...
- كيف يثبت الاسلام السياسي يوما بعد يوم انه لا يصلح لادارة دول ...
- التدين التركي: طقوس دون إيمان
- أين استثمارات الدولة في الأراضي الكردية؟
- هل انحلت مشاكل تركيا الاقتصادية بعد ترحيل السوريين كما ادعت ...
- حزب العدالة والتنمية: أقلّ التماسيح وحشية في المستنقع السياس ...
- وزارة الهجرة الهولندية في تعاملها مع اللاجئين: عندما يتحول ا ...
- بعد حادثة المدرستين في تركيا… هل بدأ الأتراك يدركون أن العنص ...
- عن القضاء التركي: كيف تطلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأورو ...
- رسالة إلى وزارة الهجرة الهولندية: نحبكم من أعماق قلوبنا، است ...
- عندما تقول أوروبا: عزيزي أردوغان، لا تُتعِب أجهزتك الاستخبار ...
- عن أفعال الجيش التركي على الحدود السورية: هل تعلّم الإسرائيل ...


المزيد.....




- خاتمة لا تُنسى للموسم الثاني من مسلسل -المدينة البعيدة-
- شاهد.. ترامب يُشبّه -بركة الانعكاس- في نصب لنكولن بناطحات ال ...
- -استسلام-.. الأمين العام لـ-حزب الله- يعلق على اتفاق لبنان و ...
- معارك إقليم النيل الأزرق بالسودان تدفع الآلاف نحو المجهول
- مظاهرات في ألبانيا ضد مشروع عقاري فخم على صلة بصهر ترامب
- ليبيا: عمالة غير مدربة في الأفران والمطاعم تهدد سلامة الغذاء ...
- اغتالت الحروب غاباتها.. أشجار صغيرة تبعث آمالا كبيرة في أفغا ...
- العصيان المدني.. خيار الحريديم أمام -خيانة- نتنياهو
- في أفغانستان والعراق.. لماذا تعجز الطائرات الأمريكية عن الطي ...
- بعد صراع مع المرض.. رحيل إمام الأقصى الشيخ وليد صيام


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - منصور رفاعي اوغلو - هل تثبت تصرفات الحكومة السورية أن الإسلام لا يصلح لحكم دولة؟