أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - العيد وعقدة البرمودا














المزيد.....

العيد وعقدة البرمودا


محمد وهاب عبود

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 18:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يبدو أن السلطة في العراق، قبيل كل مناسبة وأثنائها، تنتصر لرد الفعل على حساب الفهم، وتحوٌل ساحات الاحتفال إلى ميادين رقابة. فقد أعلنت الاجهزة الامنية في محافظة صلاح الدين اعتقال شباب يرتدون الـ"برمودا"، وآخرين بتهمة التحرش، وهذا المشهد ألفناه وبات يتكرر تقريبا منذ سنوات. وبالإمكان القول إن عملية الاعتقال هنا تعمل كمرهم سريع على جرح عميق وضربة لفرض الطاعة، لكنها لا تلملم الأسباب التي أنشأت الجرح. فحين يعلن الأمن عن قلقه من البرمودا/الشورت كما لو أنها وباء، يتبدّى الانزلاق نحو قراءة سطحية للواقع.

التحرش فعل مشين ولا يحتاج إلى حجج كثيرة لإدانته، بيد أنه ظاهرة تتكاثر في بيئة مريضة، فالحديث عن التحرش يجب أن يمر عبر محطات: بنية اجتماعية منهكة، بطالة ممتدة، ضعف التعليم، وفضاءات عامة مهشمة. حين يغيب الفضاء الثقافي والتربوي تصبح السلوكيات الشاذة نتاجاً طبيعياً لفراغ طويل الأمد. أما اعتقال من يرتدون لباساً معيّناً، فلا يحمل طابع العدالة بقدر ما يحمل رمزية عقابية، إذ يستبدل الحوار بالتحقير والتأديب بالقسر والإكراه.

يرتكب الساسة والامنيون خطأً عند تعلقهم الدائم بالأدوات الأمنية لتصحيح أزمات لا تشفيها السجون. فالإجراء البوليسي يملك فعالية آنية، لكنه لا يصنع استقراراً نفسياً ولا يزرع انتماءً. وفي المقابل قد يُنتج جيلاً مشدود الأعصاب معتاداً على المواجهة أو الانزواء، ومتشككاً في مؤسسات يفترض أن تكون راعية لا قبضة مهدِدة. فالمنع الذي يمارس تحت ستار الفضيلة يتحوّل إلى إذلال تُخزن في ذاكرة الأفراد.

الشباب هم طاقة تحتاج إلى فضاء رحب كي لا تُسخر ضد نفسها، ففي بلاد غرقت سنوات طويلة في صراعات متلاحقة، وفي طبقة سياسية يشغلها التحاصص السياسي وتوزيع الوظائف كمغانم، يندر أن تتوافر شبكة ثقافية قادرة على احتواء العطاء. فالمسارح تحصى بأصابع اليد والمتاحف تتهالك والمعارض تكاد تكون ذكرى. من جهة أخرى تنمو المولات كبديل، أسواق تغذي الاستهلاك وتخلق مساحات زائفة من اللقاء الاجتماعي، والنتيجة استبعاد الحياة الثقافية من الفضاء العام حتى تبدو إكسسواراً لا ضرورة.

إن الفن والثقافة يمارسان دوراً تأسيسياً لا يقتصر تأثيرهما على الترفيه، إنما على تشكيل الحس النقدي والقدرة على التعبير، إذ تصنع مدرسة الثقافة أجيالاً قادرة على قراءة العالم والتفاعل معه وتقدم مساحات لاختبار الهوية وتفريغ الطاقات بطرق حضارية، ومع إهمالهما تموت آليات الحوار ويصير الشارع مسرحاً لتفريغ ما لم يجد بداً من أن يخرجه.

إن منطق الحياة يتمثل في أن الشئ الوحيد الثابت فيها هو المتغير، لكن لا تعني هذه العبارة دعوة إلى تغيير وتبدل حاد أو متطرف، إنما تأكيد أن التشخيص وحده لا يكفي، المطلوب تحويل التشخيص إلى بنية ثقافية واجتماعية توسع مجال الحرية دون تفكيك النظام العام. فالدولة التي تميل دائماً إلى قفل الأبواب الأمنية تملك سلطة لكنها تخلف فراغاً أعمق ومجتمعاً لا يثق في إمكاناته ولا في مؤسساته.

الإدانة الصريحة للتحرش ضرورية لكن إدانة الزي مثيرة للدهشة عندما تتحول إلى سبب اعتقال واستصغار. التاريخ يحفظ طرقاً لاحتواء الفعل وترويضه عبر التربية والثقافة، أما ثمن السوط فيصبح مدخلاً لتراكمات مستقبلية ربما تحيل المجتمع إلى جزر منفصلة، شباب معزولون ومؤسسات متضاربة وذوات تحتمي بالصمت.

المسألة ليست مفاضلة بين أمن وحرية، إنها سؤال عن كيفية بناء فضاءات عامة قادرة على امتصاص التصادم وإنتاج معنى. وإذا ما تساءلنا كيف يبدو العراق حين تتعاطى قياداته مع الشباب كأدوات انتخابية لا كأجيال تصنع المستقبل؟ الجواب: قلق أمني وسوق استهلاكي ومشاعر محطمة وغاضبة، ويمكن رصد ذلك دون التعبير عن مجاملات أو انطباعات حالمة، مع التذكير أن القمع يجهز المستقبل لخصام طويل الأمد.



#محمد_وهاب_عبود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشهد من قمة بكين
- صلاة الرئيس
- من السلام بالقوة إلى الغموض الاستراتيجي
- إعلام ساخن وجمهور بارد
- أمريكا وأطفال الحصار.. هل يتكرر السيناريو؟
- التنفس عبر فوهات المدافع
- عودة -أبو خليل-
- مواقع تتربح وطفولة تُستباح
- المنطقة الرمادية بين النصر والهزيمة
- الإبادة المنسية.. مليون طفل عراقي ضحية الحصار الأمريكي
- ماذا بعد انقشاع غبار المعركة؟
- إبستين وشراء البراءة من الإعلام
- قصة السومريين والمجلس الوزراي للاقتصاد
- لماذا هذه الكراهية للشعوب؟
- انتخابات العراق 2025.. لا جديد يُذكر والقديم يُعاد
- القابضون على الذكاء الاصطناعي
- شيطنة فنزويلا
- جائزة نوبل.. تكريم الغرب لنفسه
- البودكاست وثقافة الثرثرة
- سلطة النهب


المزيد.....




- إسرائيل تعلن تكثيف ضرباتها في لبنان وسط إدانات عربية وأوروبي ...
- -صمتها سيكون جيدًا جدًا-.. ترامب حول ما أثير عن تعليق إيران ...
- إعلام إيراني: طهران علّقت المسار التفاوضي مع واشنطن إلى حين ...
- رغم انتقاداته للحلف.. ترامب يبلغ أردوغان عزمه حضور قمة النات ...
- شاهد: 7000 لاعب يتنافسون في مهرجان ضخم لتنس الطاولة في موسكو ...
- المدعي العسكري الإسرائيلي: نواجه تصاعداً في عدد الدعاوى والت ...
- دير الزور تتجاوز أخطر مراحل فيضان الفرات بعد فتح تركيا بوابا ...
- استهداف -سد القرعون-.. الاحتلال يهدد شريان الحياة الأخير في ...
- الذكاء الاصطناعي بين واشنطن وبكين.. تعاون معلن وحرب خفية
- هل تفجر معادلة -الضاحية مقابل الشمال- مواجهة جديدة بين إيران ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد وهاب عبود - العيد وعقدة البرمودا