|
|
الهايكو العراقي قراءة نقدية
بلقيس خالد
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 16:11
المحور:
الادب والفن
قراءة نقدية تحليلية في الهايكو العراقي الشاعرة : بلقيس خالد قصيدة : " تنتظركَ في هيئة عيد" الناقد الدكتور عبدالكريم الحلو
✭✭✭✭✭
الفصل الأول القصيدة : " تنتظركَ في هيئة عيد"
-1- وهو ينحدرُ فوق البلاط، آياتُ تطهيرٍ: الماء. -2- صلاةٌ.. تتصاعدُ نحو السماءِ: البخور. - 3 - يضحكُ تحت الشمس، يستحمُّ في الضياء: السجاد.. -4- بلهفةِ قلبٍ حيٍّ، تنتظرُ العيد معنا: البيوت. -5- كلما غسلتُ نافذةً.. اتسعت عيناها للضوء: غرفة الاستقبال. -6- تظنُّ أَن العيد جاءَ لأجلها، تقفز فرحاً: طفلةٌ في بيت جاري. -7- ليوقظ الأرواح النائمة، كدرويشٍ يدورُ داخل البيت: الضوء. -8- تُحبُّ أَن تبدو جميلةً أمام الذين نُحبُّهم: بيوتنا. -9- صلاةٌ عراقيةٌ، مكتوبةٌ بالتمر والهيل: الكليجة. -10- إلهي.. ما زالت قلوبنا مشرئبةً.. تنتظركَ في هيئة عيد. ✭✭✭✭✭
المقدمة : حين يقتربُ العيد تبدأُ البيوتُ العراقيةُ بترميمِ أرواحِها المتعبة… الماءُ ينزلُ فوق البلاط كأنّهُ صلاةٌ سريّة، والبخورُ يصعدُ إلى السماءِ حاملًا دعواتِ الأمهات، بينما يركضُ الضوءُ في زوايا الغرف كدرويشٍ وجدَ أخيرًا طريقَهُ إلى القلب. كلُّ شيءٍ يستعدُّ للفرح : النوافذُ، السجادُ، رائحةُ الهيل، وضَحِكاتُ الأطفال التي تُشبهُ أجنحةَ العصافير. وفي هذا النصّ الشفيف للشاعرة بلقيس خالد لا يأتي العيدُ بوصفهِ مناسبةً عابرة، بل بوصفهِ خلاصًا صغيرًا تنتظرُهُ الأرواحُ طويلًا… حتى يبدو اللهُ قريبًا في هيئةِ نورٍ أو دعاءٍ أو عيد. ✭✭✭✭✭
الفصل الثاني
القراءة النقدية التحليلية
يمضي نصّ الشاعرة بلقيس خالد الموسوم بـِ «تنتظركَ في هيئة عيد» في بناء هايكو عراقي ذي خصوصية شعورية وثقافية واضحة، إذ لا يكتفي باستعارة تقنية الهايكو القائمة على الومضة والاقتصاد اللغوي، بل يعيد توطينها داخل البيئة العراقية بكل ما تحمله من طقوس البيت والضوء والماء والرائحة والانتظار الروحي. النص لا يكتب “العيد” بوصفه مناسبة زمنية، بل بوصفه حالة تطهّر داخلي وجماعي، تبدأ منذ لحظة غسل البلاط وتنتهي عند التطلع الصوفي إلى حضور إلهي “في هيئة عيد”. وهنا تتبدّى وحدة النص العميقة؛ فالمقاطع العشرة ليست شذرات منفصلة، بل درجات شعورية تتصاعد من المادي إلى الروحي، ومن تفاصيل البيت اليومية إلى أفق التجلّي. في المقطع الأول: “وهو ينحدر فوق البلاط آيات تطهير: الماء.” يتحوّل الماء من عنصر وظيفي إلى علامة تطهير رمزية. فالشاعرة تمنح الفعل اليومي بعدًا شبه طقوسي، وتربط بين النظافة الجسدية والتطهّر النفسي. إن عبارة “آيات تطهير” تمنح الماء قداسةً تتجاوز مادّيته، وكأن البيت يدخل استعدادًا روحانيًا لاستقبال العيد. أما في: “صلاة.. تتصاعد نحو السماء: البخور.” فتقوم الصورة على التحويل الصوفي للرائحة؛ فالبخور ليس مجرد عطر منزلي، بل صلاة متصاعدة، أي أن المادة تتحول إلى دعاء. وهنا يظهر الحس التأملي الذي يميّز النص بأكمله، حيث الأشياء لا تبقى أشياء، بل تصبح إشارات روحية. وفي مقطع: “يضحك تحت الشمس، يستحم في الضياء: السجاد.” نجد تشخيصًا حميميًا للأشياء المنزلية. السجاد يضحك ويستحم، وكأن البيت كائن حي يستعيد بهجته مع اقتراب العيد. هذه الأنسنة للأشياء تمنح النص دفئًا عائليًا واضحًا، وتؤكد أن العيد في المخيال العراقي ليس حدثًا فرديًا بل احتفال تشارك فيه الموجودات كلها. من أجمل المقاطع وأكثرها إنسانية: “تظن أن العيد جاء لأجلها، تقفز فرحًا: طفلة في بيت جاري.” هنا تبلغ القصيدة ذروة البراءة. فالطفلة لا تُقدَّم كشخصية منفصلة، بل بوصفها مرآة للفرح الجمعي. كما أن عبارة “بيت جاري” تضيف بعدًا اجتماعيًا حميميًا؛ فالعيد في الثقافة العراقية يتجاوز حدود الذات إلى الجار والحيّ والمجتمع. وفي المقطع السابع: “ليوقظ الأرواح النائمة، كدرويش يدور داخل البيت: الضوء.” تصل اللغة إلى مستوى صوفي عالٍ. فالضوء يتحول إلى “درويش”، وهي صورة مبتكرة تجمع بين الحركة الروحية والإنارة الداخلية. هنا لا يعود الضوء عنصرًا بصريًا فقط، بل قوة إيقاظ روحي، وكأن العيد فعل بعث داخلي للأرواح المتعبة. أما المقطع التاسع: “صلاة عراقية، مكتوبة بالتمر والهيل: الكليجة.” فهو من أكثر المقاطع نجاحًا في تأصيل “الهايكو العراقي”. إذ تتحول الكليجة — بوصفها رمزًا تراثيًا — إلى نص ديني - وجداني مكتوب بمكونات الذاكرة العراقية. فالتمر والهيل ليسا مجرد نكهة، بل لغة هوية وانتماء. وتأتي الخاتمة: “إلهي.. ما زالت قلوبنا مشرئبة.. تنتظرك في هيئة عيد.” لتفتح النص على أفقٍ وجودي عميق؛ فالعيد هنا ليس نهاية انتظار بل صورة رمزية للخلاص والرحمة والطمأنينة. والجميل أن الشاعرة لم تقل “ننتظر العيد”، بل “ننتظرك في هيئة عيد”، فتوحّد بين المقدّس والفرح الإنساني، بين الإلهي واليومي، في خاتمة ذات نفس صوفي شفيف. فنيًا، يتميز النص بـ: * اقتصاد لغوي مكثّف ينسجم مع روح الهايكو. * صور حسية نابضة بالماء والضوء والرائحة. * أنسنة الأشياء المنزلية بطريقة حميمة. * تصاعد دلالي من التنظيف المادي إلى الصفاء الروحي. * توظيف البيئة العراقية دون افتعال أو مباشرة. إنه نص ينجح في تحويل تفاصيل الاستعداد للعيد إلى طقس جمالي وروحي، ويمنح الأشياء الصغيرة قدرةً على قول المعنى الكبير؛ لذلك يبدو هذا الهايكو العراقي أقرب إلى “تراتيل منزلية” مكتوبة بحبر المحبة والانتظار. ✭✭✭✭✭
الفصل الثالث التقييم العام : تُقدّم الشاعرة بلقيس خالد في هذا النص تجربةً هايكوية ناضجة تمتلك خصوصيتها التعبيرية والوجدانية، إذ استطاعت أن تُطوّع بنية الهايكو القصيرة لتنسجم مع البيئة العراقية وروحها الاجتماعية والروحية، دون أن تفقد الهايكو جوهره القائم على الالتقاط الخاطف والدهشة والتكثيف. إن أبرز ما يميّز تجربتها هنا هو قدرتها على تحويل التفاصيل اليومية البسيطة إلى إشارات شعرية عميقة؛ فالماء، والبخور، والسجاد، والكليجة، والضوء، ليست مجرد مفردات منزلية، بل كائنات حيّة تتحرك داخل النص وتؤدي وظيفة شعورية ورمزية. وهذا يدل على حسّ شعري مرهف يمتلك عينًا قادرة على اكتشاف الشعر في الأشياء الصغيرة. كما تُظهر الشاعرة وعيًا واضحًا ببناء الصورة الهايكوية؛ فهي لا تعتمد الزخرفة البلاغية الثقيلة، بل تذهب نحو البساطة المضيئة، حيث تتولد الدلالة من المفارقة الخفية أو من لحظة التأمل الصامت. وهذه سمة مهمة في كتابة الهايكو الحقيقي، الذي يقوم على الإيحاء أكثر من الشرح. ومن الناحية الفنية، نجحت بلقيس خالد في: * الحفاظ على الاقتصاد اللغوي دون إفقار المعنى. * خلق صور حسية حيّة تعتمد الضوء والرائحة والحركة. * منح النص وحدة داخلية متماسكة رغم تعدد المقاطع. * مزج الحسّ الروحي باليومي بطريقة طبيعية غير متكلّفة. * تقديم “هايكو عراقي” يحمل ملامح البيئة والذاكرة المحلية. أما على مستوى التجربة الشعرية، فيبدو أن الشاعرة تمتلك ميلًا واضحًا نحو الكتابة التأملية ذات النفس الإنساني والصوفي الخفيف، حيث يتحول البيت العراقي في نصوصها إلى فضاء للحنين والدفء والانتظار الروحي. وهذه النزعة تمنح قصيدتها طابعًا حميميًا يلامس القارئ بسرعة وصدق. ويمكن القول إن هذا النص يُعدّ من النماذج الجميلة في كتابة الهايكو العربي المعاصر، لأنه لم يقع في النقل الحرفي للتجربة اليابانية، بل أعاد إنتاجها بروح عراقية نابضة بالحياة والذاكرة والطقوس الشعبية. إنها شاعرة تمتلك حساسية لغوية واضحة، وصوتًا شعريًا هادئًا لكنه عميق الأثر، وقادرة على أن تصنع من التفاصيل العابرة لحظة شعرية مضيئة تبقى في الذاكرة.
الخاتمة :
وهكذا لا تبدو قصائد بلقيس خالد مجرّد ومضات هايكوية عابرة، بل تبدو كأنها صلاةٌ عراقيةٌ صغيرة تُكتبُ بالماءِ والضوءِ ورائحةِ الهيل، وتُعلَّقُ على أبواب البيوتِ المتعبة كي لا تسقطَ أرواحُها في العتمة. إنها شاعرةٌ تعرفُ كيف تُصغي إلى الهمس الخفيّ للأشياء؛ إلى السجادِ وهو يضحكُ تحت الشمس، وإلى النوافذِ وهي تتّسعُ للضوءِ كقلوبِ الأمهات، وإلى البخورِ وهو يصعدُ نحو السماءِ حاملاً دعواتِ البيوتِ العراقية التي أرهقها الانتظار. في هذا النص لا يأتي العيدُ من الأسواقِ ولا من الزينة، بل يخرجُ ببطءٍ من قلوبِ الناس، من يدِ أمٍّ تُرتّبُ فناجينَ الشاي بمحبة، ومن طفلةٍ تظنُّ أن الفرحَ خُلِقَ لأجلِ قفزتِها الصغيرة، ومن بيتٍ فقيرٍ يغسلُ أحزانَهُ بالماءِ كي يبدو أقلَّ تعباً أمام ضيوفه. هنا يصبحُ الضوءُ كائناً صوفياً يدورُ داخلَ الغرفِ مثلَ درويش، ويصبحُ الماءُ آيةَ تطهير، وتصبحُ الكليجةُ صلاةً عراقيةً مكتوبةً بالتمرِ والحنين. إنه نصٌّ لا يقرأُ العيدَ بوصفهِ موعداً زمنياً، بل بوصفهِ خلاصاً روحياً مؤجلاً، وكأنَّ العراقيَّ كلما ضاقت به الأرضُ اخترعَ للفرحِ نافذة، وكلما أثقلتهُ الحروبُ أضاءَ قلبهُ بقنديلِ انتظار. ولذلك جاءت الخاتمةُ مضمّخةً بذلك الشوقِ الإنسانيِّ العميق: “ننتظركَ في هيئةِ عيد” وكأنّ العيدَ هنا ليس سوىٰ اسمٍ آخرَ للرحمة، واسمٍ آخرَ للهِ حين يمر خفيفاً على البيوتِ المنهكة فيتركُ على أبوابها شيئاً من الطمأنينة… وشيئاً من الدموعِ المضيئة.
#بلقيس_خالد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ما لم تكنسهُ النساء.. قراءة الناقد د. عبد الكريم الحلو
-
تنتظركَ في هيئة عيد
-
ما لم تكنسهُ النساء
-
الحداثة السائلة في ” تفسير ما لا يقال”هايكو الشاعرة بلقيس خا
...
-
ريوكٌ برتبةِ قصيدة
-
تفسيرُ ما لا يُقال
-
قراءة في.. (هواءٌ يشبهكَ)
-
قراءة في نص -ترتيب القلق-
-
هواءٌ يشبهكَ
-
العائلة: المصنع الأول للقيادة
-
الشاعر والناقد الدكتور محمد خالد النبالي وترتيب القلق.
-
ترتيبُ القلق
-
الناقد الدكتور علاء العبادي ونص (تتزوجينني أيتها الجميلة)
-
تتزوجينني أيتها الجميلة
-
نهرُ ديالى- هايكو عراقي
-
الشاعر طالب عبد العزيز، قراءة في كتاب (ورد لنهار جديد)
-
وجاءَ الخميس..
-
(ورد لنهار جديد) -عبد الكريم حمزة عباس
-
عيد الحب في اتحاد أدباء البصرة
-
وردٌ لنهار جديد: أنطولوجيا القصة النسوية في البصرة تشرقُ من
...
المزيد.....
-
بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة
...
-
أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي
...
-
إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف
...
-
منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب
...
-
مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس
...
-
-شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في
...
-
-الشهداء يعودون إلى رام الله- ... الفن الفلسطيني في معركة ال
...
-
ترمب ينوي إحياء حفل الاستقلال بعد انسحاب فنانين: أنا أشهر من
...
-
فنانون في حديقة الحيوانات هذه يحوّلون النفايات إلى منحوتات ف
...
-
وزير الثقافة اللبناني: مدينة صور تواجه خطرا يهدد إرثها العال
...
المزيد.....
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|