أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - الإيديولوجيا اليهودية وميثولوجيا الدولة














المزيد.....

الإيديولوجيا اليهودية وميثولوجيا الدولة


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 21:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تُقدم القراءة التاريخية والنقدية للتوراة ولأسفار "العهد القديم"، والمسار الحضاري لليهودية، طرحاً مغايراً للمفهوم الشائع عن الأديان. فاليهودية في جوهرها البنيوي والتاريخي تبدو كـ إيديولوجيا سياسية وقومية لشعب ولبناء دولة، أكثر من كونها ديناً "أخروياً"، يعنى بخلاص الإنسان ومصيره الروحي بعد الموت. إنها نسق فكري وتشريعي صيغ لخدمة الهوية الجمعية وتماسك الجماعة البشرية.

1. إله الترحال وتأسيس المملكة:
بدأت اليهودية كإيديولوجيا قومية لقبائل بدوية تبحث عن التماسك في بيئة إقليمية صعبة. اتخذت هذه القبائل إلهاً خاصاً بها ("يهوه")، يمثل عصبها العصبي والسياسي، وحملته معها في ترحالها داخل "تابوت العهد"، ليكون رمزاً للسيادة والوحدة، ريثما يتحقق الهدف الأسمى: تنصيب ملك أرضي وتأسيس دولة.
وعندما استقرت هذه الجماعات في أرض فلسطين، انتقل الإله من الفضاء البدوي المتنقل إلى الحيز الجغرافي الثابت. وبُني له معبداً، ليتحول من "إله خيمة" إلى "إله دولة".

2. ميثولوجيا الملوك: داود وسليمان وحل الأزمة الاجتماعية
في سياق التحول نحو الدولة، تبرز شخصيتا داود وسليمان في الأسفار اليهودية كرافعتين ميثولوجيتين لشرعية الحكم:
الملك داود: القادم من قاع السلم الاجتماعي ليجلس على العرش، يمثل تجسيداً لحلم الصعود القومي البشري.
الملك سليمان: الذي بنى "الهيكل" كمسكن دائم للإله "يهوه".
إن المبالغات والقصص العجائبية المحيطة بهاتين الشخصيتين في العهد القديم تضعهما في خانة الأساطير التأسيسية، بأكثر مما تدفع نحو اعتبارهما شخصيات تاريخية موثقة وفق المعايير العلمية.

الآية المقلوبة: الوضع هنا يبدو مقلوباً مقارنة بالأديان اللاحقة. فالإله في الإيديولوجيا اليهودية المبكرة جاء ليرمز للملك الأرضي ويمنحه الشرعية، ولم يكن الملك هو الذي يمثل ظل إله السماء على الأرض.

3. العزلة القومية والآخر في المنظور اليهودي:
بناءً على هذا التأسيس القبلي، تكرست اليهودية كدين قومي مغلق. يعتبر "الآخر" غريباً أو أدنى مرتبة. وهي النظرة التي تنعكس حتى في بعض السياقات التاريخية المبكرة للأناجيل. حيث ظهرت ملامح التمايز القومي وصعوبة انفتاح النص على الأمميين في البدايات.
ومع أن اليهودية لم تكن ديناً تبشيرياً يسعى لنشر الهداية عالمياً، إلا أنها طورت لاحقاً نظام "الدخلاء" (Proselytes)؛ وهو نظام لا يشبه التبشير الديني، بقدر ما يشبه منح الجنسية الوطنية للأجانب اليوم، وفق شروط صارمة تضمن الولاء التام للمنظومة القومية.

4. مادية العقيدة وغياب الميتافيزيقا الأخروية:
من أكثر الأدلة دلالة على الدنيوية السياسية لليهودية هو غياب "السماء" والحياة الأخرى. فالأسفار اليهودية، رغم ضخامتها وامتداد تدوينها عبر قرون، تكاد تخلو من أي ذكر تفصيلي للجنة والنار أو الحساب الأخروي.
الجزاء والعقاب: يتمحور بالكامل حول الأرض (النصر، الهزيمة، الخصوبة، القحط، الملك، والشتات).
ولنا ملحوظة بسيطة في وعد جاء بالتوراة يقول:
"أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ." (خر 20: 12).
الوعد هنا ليس أخروياً في ملكوت السماوات كالمعتاد في المسيحية. وإنما هو وعد دنيوي مادي بحت: طول عمر وامتلاك أرض.
المسيا المنتظر: بالنسبة لليهود، ليس مخلصاً روحياً يغفر الخطايا ويوفي للإله عقاباً قديماً مستحقاً على آدم وبنيه كما يقول اللاهوت المسيحي. بل هو ملك سياسي وبطل عسكري من نسل داود، يأتي ليحطم الأغلال الأرضية. ويعيد مجد إسرائيل السياسي بين الأمم.
ولم يظهر التفكير في عالم آخر في اليهودية إلا متأخراً. وظل محل انقسام وجدل بين الفريسيين والصدوقيين، الذين أنكروا وجود قيامة من الأموات والحياة في عالم آخر.
لهذا السبب، رفض اليهود دعوة "شاؤول الطرسوسي" (بولس الرسول). الذي قدم للعالم مسيحاً وديعاً ومذبوحاً. ملكوته في السماء لا في الأرض. وهو ما تناقض جذرياً مع الجوهر الإيديولوجي لليهودية.

5. ثوب المقدس والدولة الشمولية الحديثة:
لم تكن اليهودية بدعاً في هذا السياق. بل مثلت النموذج الأبرز لظاهرة تاريخية متكررة: ظهور إيديولوجيات قومية تتشح بثياب المقدس.
إن الدين في هذه المنظومات لا يعمل كموجه روحي. بل يعمل كـ "أسمنت فكري" يربط الحصى البشري المتناثر، ويحوله إلى كتلة صلبة تُبنى عليها الدولة القومية الشمولية.
هذا الربط الوثيق بين "المقدس والدولة" هو ذاته الجسد الإيديولوجي الذي نراه اليوم في الحركات الشمولية والقومية المتطرفة. حيث يُختزل الإلهي في السياسي، وتُسخر السماء لخدمة التوسع والهيمنة على الأرض.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأساة عَقْل العَقْل العربي
- الحب وسنينه البيولوچية
- حكاية القلب: بين وَهْم الإدراك وحقيقة البيولوجيا
- الحضارة الإنسانية وصراع الأضداد
- ديناميكية العقل العلمي: بين مرونة الثقة وجدلية الشك
- بكين ومركز ثقل النظام الدولي الجديد
- قراءة في خريف -الأمة الخالدة-
- السلفية والأرثوذكسية.. القطار يتجه للخلف
- لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه
- بنيوية الخلاف الأرثوذكسي البروتستانتي: صراع الطقس والفردانية
- الأناجيل الغنوصية (Gnostic Gospels)
- المسافة بين المفردة Singularity وظهور الإنسان
- إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية
- أمريكا وإيران: قوة التكنولوجيا ضد صمود الأيديولوجيا
- الفصام بين العقل المحض والعقل العملي
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية


المزيد.....




- قائد قوة الجو فضاء بالحرس الثوري سيد مجيد موسوي: سيكون مصدر ...
- نواب إيرانيون يدعون إلى الانتقام لاغتيال المرشد الأعلى علي خ ...
- حكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية تقيم مراسم إحياء ذكرى إم ...
- مستشار قائد الثورة اللواء رحيم صفوي: مضيق هرمز حق قانوني للج ...
- 67 مستوطناً اقتحموا باحات المسجد الأقصى المبارك، خلال فترة ...
- الاحتلال يغلق المسجد الأقصى ويشن حملة اعتقالات واسعة في الضف ...
- عندما ألف شيخ الأزهر كتابين في التشريح والكيمياء
- الخارجية الايرانية: بريطانيا ستتحمل تبعات قرارها المعادي لحر ...
- الخارجية الإيرانية: حرس الثورة هو جزء لا يتجزأ من القوات الم ...
- جيش الاحتلال يغلق أبواب المسجد الأقصى بذريعة تنفيذ تدريبات ع ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - الإيديولوجيا اليهودية وميثولوجيا الدولة