أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - قراءة في خريف -الأمة الخالدة-














المزيد.....

قراءة في خريف -الأمة الخالدة-


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 09:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة: بريق الشعارات وعتمة الواقع
في منتصف القرن العشرين، انطلقت من أروقة التنظير السياسي صرخة مدوية اختزلت أحلام ملايين البشر في جغرافيا ممتدة: "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة". كان هذا الشعار، الذي صاغه ميشيل عفلق وتبناه حزب البعث العربي الاشتراكي، قبل أن يتلقفه جمال عبد الناصر ليتصدر مشهد "القومية العربية"، بمثابة مخدر موضعي لنخب ثقافية وسياسية تائهة. لقد خلب هذا الشعار لُبّ الجماهير، لكنه، ومع مرور العقود، لم يتجاوز حدود الحبر على الورق، وتلطيخ الجدران بالهتافات، وتدبيج القصائد الحماسية، وإدارة احتفاليات إعلامية صاخبة لخصتها أغانٍ من نوع "وطني حبيبي الوطن الأكبر".
بين ضجيج الأناشيد ومعاناة رجل الشارع اليومية، تشكلت فجوة سحيقة؛ حيث انفصلت النخب تماماً عن واقع الشعوب ومشاكلها الحياتية، لتدخل في غيبوبة أيديولوجية دامت عقوداً.

أولاً: المعارك الدونكيشوتية واختطاف الشعارات:
بدلاً من بناء قلاع حقيقية للتنمية، والتعليم، وحقوق الإنسان، وتحقيق الثالوث الشهير (وحدة، حرية، اشتراكية) ــ باختلاف ترتيب عناصره بين الناصرية والبعثية ــ راحت الأنظمة العروبية تخوض معارك دونكيشوتية مع "الاستعمار، والإمبريالية، والصهيونية". لم تكن هذه المعارك تهدف إلى التحرر الحقيقي بقدر ما كانت تُستخدم كشماعة لشرعنة الاستبداد، وقمع الحريات الداخلية، وبناء دول المخابرات والسجون.
وجاءت الصدمة الكبرى مع مطلع تسعينيات القرن العشرين، حينما أسفرت شعارات الوحدة العربية عن بشاعة وجهها الحقيقي باجتياح العراق الصدامي لدولة الكويت. في تلك اللحظة الفارقة، سقط قناع القومية؛ فلم ينقذ دولة عربية من براثن شقيقتها العربية سوى تحالف دولي قادته ذات "القوى المعادية للعروبة المزعومة" التي طالما شتمتها أبواق النظام العربي. كان هذا الاجتياح بمثابة المسمار الأول والأضخم في نعش وهم "الأمة الواحدة".

ثانياً: وحوش التأسلم السياسي وسقوط الأقنعة:
مع بزوغ القرن الحادي والعشرين، وتحديداً بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، انهار الهيكل القومي المترنح تماماً، لتخرج من جحور وكهوف الصحاري العربية وحوش "التأسلم السياسي" والتطرف العنيف. هذه الوحوش لم تكتفِ بالمعارك الإعلامية والدونكيشوتية لنظيرتها العروبية، بل ذهبت لتفجير برجي التجارة العالمي في نيويورك، معلنةً ولادة زمن جديد.
واللافت هنا ليس سلوك الجماعات المتطرفة ذاته، بل رد فعل الشارع؛ إذ هبت فئات واسعة من الجماهير العربية لتهتف للبطل الوحشي الجديد الذي ولد من قبور الماضي وكهوفه. وخلال الربع قرن الذي تلا ذلك الحدث، أثبتت التجربة أن الانتماء الحقيقي لشعوب هذه المنطقة لم يكن يوماً للعروبة، ولا لدولها "الكرتونية" وحدودها المصنوعة في "سايكس بيكو"، بل كان دائماً كامناً وتحت الطلب لكل من يرفع راية الدين، حتى لو كانت راية مغمسة بالدماء والخراب.

ثالثاً: من الدولة الوطنية إلى الشظايا الطائفية:
بناءً على هذه التربة الفكرية المجدبة من القيم الإنسانية والحضارية الحديثة، نبتت الميليشيات المسلحة كالفطريات السامة. وبدلاً من أن تتوحد الأقطار التي زعم الفكر العروبي أن الاستعمار مزقها، رأينا العكس تماماً: تفكك الدول الوطنية ذاتها إلى شظايا وشراذم.

انفرط عقد "الأمة" الزائفة، ليعود الجميع إلى هوياتهم الأولية البدائية:
انقسامات عرقية وثقافية: عرب، أكراد، أمازيغ، سريان، أفارقة. سُنَّة، شيعة، مسلمون مسيحيون. تشظيات طائفية ومذهبية وعرقية.
وفي هذا المشهد السريالي من التآكل الداخلي، كادت لم تنج من هذا التفكك الهيكلي المدمر سوى مصر؛ نظراً لطبيعة شعبها التاريخية التي تمثل أكثر شعوب المنطقة تجانساً واستقراراً حضارياً ممتداً عبر آلاف السنين، مما حماها (إلى حد كبير) من سيناريو التفتت المليشياوي.

رابعاً: الفشل الحضاري والانكفاء على الأسطورة:
الخلاصة المرة أن المسيرة الطويلة الممتدة من منتصف القرن الماضي حتى اليوم تقودنا إلى حقيقة قاسية: لقد فشلت شعوب هذه المنطقة ونخبها السياسية والثقافية في الالتحاق بقطار حضارة العصر، وقيمه، ومفاهيمه الحديثة القائمة على الديمقراطية، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وفصل الدين عن الدولة.

هذا الفشل الذريع، الذي يحتاج إلى دراسات سسيولوجية ونفسية جادة وعميقة، دفع بالمنطقة إلى الارتداد العكسي. وبدلاً من التطلع نحو المستقبل، انكفأت الشعوب عائداً إلى الوراء، بحثاً عن ملاذ آمن في أحلام الماضي الأسطوري وخلافاته التاريخية، لتعيش في حاضر ممزق يتغذى على أوهام التاريخ.

خاتمة: مواجهة المرآة:
إن اختزال الهوية في شعار قومي إقصائي، أو في راية دينية متطرفة، كان هو الداء الذي نخر في جسد المنطقة. وطالما ظلت النخب والشعوب ترفض مواجهة الحقيقة في المرآة، وتفضل العيش في العهد الدونكيشيوتي أو الكهفي، فإن دوامة التفكك ستستمر، وسيبقى "الوطن الأكبر" مجرد أثر شعري في أرشيف إذاعي قديم.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السلفية والأرثوذكسية.. القطار يتجه للخلف
- لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه
- بنيوية الخلاف الأرثوذكسي البروتستانتي: صراع الطقس والفردانية
- الأناجيل الغنوصية (Gnostic Gospels)
- المسافة بين المفردة Singularity وظهور الإنسان
- إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية
- أمريكا وإيران: قوة التكنولوجيا ضد صمود الأيديولوجيا
- الفصام بين العقل المحض والعقل العملي
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب
- الخروج من أوبك والطلاق بين الإمارات والسعودية
- لا طلاق إلا لعلة الزنى- المفهوم الذي يتدنى بالزواج المسيحي


المزيد.....




- بوتين يحيي شي بمثل صيني شهير خلال الاجتماع: -يوم من فراقك كث ...
- النساء اللواتي -يزورهنّ ملاك الموت- كلّ شهر قبل الدورة الشهر ...
- قرارات إسرائيلية جديدة لتغيير معالم القدس
- صور أقمار صناعية تكشف دمارا بقطع بحرية إيرانية في ميناء ببند ...
- كتابات بجانب خريطة إيران خلال مؤتمر لوزير خارجيتها في الهند ...
- سوريا.. أحمد الشرع يكشف بصورة هدية من ترامب ويعلق
- شاهد: جماهير أرسنال تحتفل بجنون بلقب الدوري الإنجليزي بعد 22 ...
- واشنطن تستعد لاحتمال عودة الحرب وإيران تتوعد بـ-مفاجآت-.. وج ...
- أزمة تضرب قطاع الصناعات الكيماوية الألماني.. والحل بيد الساس ...
- شي جينبينغ وبوتين يفتتحان محادثات في بكين لتعزيز التعاون الا ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - قراءة في خريف -الأمة الخالدة-