أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم














المزيد.....

المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 11:27
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"صارت المسيحية أحد أركان الحضارة الغربية،ليس لأنها صانعتها. ولكن لأنها لم تصمد في مواجهتها، وتأقلمت وتوافقت معها."

تُعد العلاقة بين المسيحية والحضارة الغربية واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في التاريخ الفلسفي والسياسي. فالحقيقة أن المسيحية لم "تصنع" الحضارة الغربية، بقدر ما "استسلمت" لها. وذلك بعكس السردية التقليدية، التي تصف الكنيسة بأنها الأم الرؤوم لأوروبا. هذا يفتح الباب لقراءة تاريخية مغايرة، ترى في علمانية الغرب من فرض شروطه على الدين، وليس العكس.

1. التناقض الجوهري: ماورائية وغيبية الشرق وواقعية ومادية الغرب:

عندما انطلقت المسيحية من المشرق، كانت تحمل سمات الزهد، والتركيز على الملكوت السماوي، ورفض قيم "العالم" المادي. منادية بتجاهل العالم وكراهيته والعزوف والتعفف عن شهواته. لكنها حين انتقلت إلى روما، اصطدمت بحضارة تقوم على القانون، القوة العسكرية، والتراتبية الإمبريالية.

• الصمود المفقود: بدلاً من أن تُغير المسيحية جوهر روما الوثني، قامت روما بـ "رومنة" المسيحية. تحولت الكنيسة إلى مؤسسة بيروقراطية تحاكي هيكلية الإمبراطورية، واُستبدلت بساطة الرسل بأبهة الأباطرة. وآثار هذا مازالت حتى الآن ماثلة، في ملابس الكهنة والأساقفة والباباوات، التي تكاد تكون نسخة طبق الأصل من ملابس الأباطرة ذوي التيجان المرصعة بالجواهر!!

• التأقلم الباكر: أول ملامح التوافق كانت "قسطنطينية" (نسبة للإمبراطور قسطنطين)، حيث تم تطويع النص الديني ليخدم وحدة الدولة، مما جعل الدين ركناً في الحضارة الغربية بوصفه "أداة ضبط اجتماعي" لا كمشروع تغيير راديكالي.

2. المنعطف الكبير: العصور الوسطى والنهضة

في العصور الوسطى، بدا وكأن الكنيسة هي من يقود الغرب، لكن الحقيقة كانت مغايرة؛ فقد كان الإقطاع (وهو نظام اقتصادي محض) هو المحرك الفعلي، والكنيسة هي من "تأقلمت" معه عبر منح الشرعية الإلهية للنبلاء.
ومع بزوغ فجر النهضة، واجهت المسيحية اختبارها الأصعب. لم تستطع المسيحية الصمود أمام النزعة الإنسانية (Humanism) التي وضعت الإنسان مركزاً للكون بدلاً من الإله. ولم تصمد إلا قليلاً في مواجهة العلم والعلماء. ومالبثت أن استسلمت تحت راية "إنقاذ مايمكن إنقاذه"، سواء من شعبية العقيدة ذاتها، أو من سلطان كهنتها وثرواتهم.
وبدلاً من القطيعة التامة، حدث "تطويع" للمفاهيم الدينية لتناسب العقلانية الصاعدة، ولاشك أن هذا لم يكن فقط نتيجة لبراجماتية ومرونة قادة الكنيسة، وإنما أيضاً لطبيعة المسيحية، التي لم يهتم لاهوتها الأصيل بالعالم وما يحدث فيه، وقد كان يستهدف بالأساس ملكوتاً سماوياً في حياة أخرى.
فتبنت الكنيسة المبادىء الأخلاقية السامية التي توصلت إليها العقلية العلمانية. ثم جاء من آباء الكنيسة من حشر هذه الإنسانيات حشراً في الخطاب واللاهوت المسيحي. وقد كان كان التوجه حلاً يرضي جميع الأطراف، المتدين منها والعلماني والملحد على حد سواء.

1. الإصلاح البروتستانتي: كان أكبر عملية "توافق" في التاريخ:
حيث تم تكييف الدين ليتناسب مع النزعة الفردية الرأسمالية الصاعدة، وهو ما فصل فيه عالم الاجتماع "ماكس فيبر".

2. القبول بالعلم: بعد صراعات مريرة (غاليلو وغيره)، لم تصمد التفسيرات الحرفية للنصوص، فاضطر الفكر المسيحي للتراجع خطوة للخلف، تاركاً المجال العام للعلم، ومكتفياً بالحيز الوجداني.

3. العلمانية: الاستسلام الأخير أم الاندماج الأقصى؟
من الواضح أن عظمة الحضارة الغربية وصانعيها تكمن في أنها "روّضت" الدين. فالمسيحية اليوم في الغرب ليست ركناً لأنها تحكم، بل لأنها أصبحت "إطاراً ثقافياً" متوافقاً تماماً مع القيم الديمقراطية والليبرالية التي أتت بها العقلية العلمانية المحضة.

• فصل الدين عن الدولة: هذا المبدأ الغربي لم يكن خياراً كنسياً. بل كان هزيمة للمؤسسة الدينية أمام الدولة القومية. ومع ذلك، "تأقلمت" المسيحية مع هذا الوضع لدرجة أنها أصبحت تدافع عن العلمانية كضمانة لحرية الاعتقاد.
• الأخلاق الكونية: الكثير من القيم التي نعتبرها اليوم "مسيحية غربية" (مثل حقوق الإنسان) هي في الأصل نتاج فلسفة التنوير التي كانت في صراع مع الكنيسة، ولكن المسيحية المعاصرة تبنتها وأعادت صياغتها ضمن خطابها.

قوة المرونة لا قوة الصمود
إن اعتبار المسيحية ركناً للحضارة الغربية هو اعتراف بـ "براغماتية" هذا الدين وقدرته الهائلة على التحول. فالحضارة الغربية، بطبيعتها الديناميكية والمادية، كانت هي الطرف الأقوى في المعادلة.

"المسيحية لم تصنع الغرب بقدر ما أعاد الغرب اختراع المسيحية لتناسب طموحاته."

لقد بقيت المسيحية ركناً لأنها قبلت أن تكون "تابعة" للتحولات الكبرى، من الإقطاع إلى الرأسمالية، ومن السلطة المطلقة إلى الديمقراطية. هذا التوافق هو الذي منحها البقاء، لكنه سلبها تفردها القديم، لتصبح في نهاية المطاف "صبغة" حضارية أكثر منها "محركاً" سيادياً.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب
- الخروج من أوبك والطلاق بين الإمارات والسعودية
- لا طلاق إلا لعلة الزنى- المفهوم الذي يتدنى بالزواج المسيحي
- ليس بالكراهية وحدها يحيا الإنسان
- حكاية الدجاجة والبيضة مع القاهر والمقهور
- سحر الغرابة: الهرب من صرامة الواقع إلى غواية الخرافة
- صدمة الحداثة: انبهار وعداء وارتداد
- اللاغائية واللاقصدية واللامعنى في الوجود
- قنديل البحر وعبثية الوجود
- غروب الينبوع: هل جفت سواقي الحضارة الأوروبية؟
- صراع الخير والشر: صيرورة أزلية
- غروب شمس العقل مع خريف الحضارة المعاصرة
- أوروبا.. انتحار الإرادة وسقوط -القلعة- من الداخل والخارج
- الخراب والموت وبيئة حزب الله
- جواهر على قارعة الطريق: المأزق الوجودي الخليجي وحتمية -الحل ...
- استقالة العقل: عندما تصبح -الهزيمة- تضحية و-الحمق- قداسة
- الإعلاميون العرب والمواجهة القسرية مع الحقائق
- انتحار الهوية: كيف تحول الكراهية -المقدسة- أصحابها إلى سجناء ...
- المثقف ومغامرة التنوير


المزيد.....




- المقاومة الاسلامية اللبنانية تستعرض تفوقها بتشغيل المسيرات ف ...
- رئيس مجموعة إعلامية كبرى في أوروبا: علينا أن نكون صهاينة وأك ...
- الشيخ قاسم : نشكركم على رسالتكم التي تعبِّرون فيها عن الاهتم ...
- وزير النقب والجليل الإسرائيلي يقتحم المسجد الأقصى
- ازدواجية المعايير الغربية: بين دمج الدين بالسياسة وتجريم الم ...
- إيهود باراك: لا أستبعد تعطيل نتنياهو نتائج الانتخابات إذا لم ...
- رئيس حكومة الاحتلال الأسبق إيهود باراك: من الصعب جدًا إخضاع ...
- أول قانون لأحوال المسيحيين في مصر.. إجماع كنسي ومخاوف حقوقية ...
- الفكرة الدينية كمحرك للحضارة: قراءة في فلسفة مالك بن نبي للن ...
- رئيس المؤتمر اليهودي العالمي: أنفقنا 600 مليون دولار ولم ننج ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم