كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8682 - 2026 / 4 / 19 - 09:59
المحور:
قضايا ثقافية
عند النظر إلى قنديل البحر، نرى كائناً يكسر كل قواعد "الأهمية" التي وضعها البشر.
هو بلا دماغ يخطط،
بلا قلب ينبض بالعاطفة،
وبلا عظام تسنده.
إنه مجرد 95% من الماء المتجسد في شكل هلامي.
يبدو هذا الكائن هو "البوستر" الرسمي لـ اللاغائية؛ فهو يبدو وكأنه نكتة بيولوجية وُجدت بلا هدف سوى الطفو.
1. الوجود الذي يتحدى "المعنى"
نحن كبشر، مهووسون بـ "الغاية". نربط قيمة الكائن بمدى تعقيده أو فائدته في السلسلة الغذائية. قنديل البحر يضرب عرض الحائط بكل هذه المفاهيم. إنه يعيش "الآن" بكل بساطة، دون طموح، دون وعي بالذات، ودون قصة بطولية.
هذا الفراغ البيولوجي يجعلنا نتساءل:
إذا كان كائن بهذا "الهراء" التركيبي قادراً على البقاء، فهل نحن حقاً بحاجة لكل هذا التعقيد والوعي لنبرر وجودنا؟
2. مفارقة البقاء: 500 مليون عام من "اللا شيء"
هنا تأتي الصدمة التي قد تثير حنق الفلسفة العدمية: هذا الكائن "العشوائي" الذي تراه بلا مبرر، موجود على الأرض منذ أكثر من 500 مليون سنة. لقد شهد ظهور الديناصورات وانقراضها، وعاصر صعود البشر، ومن المرجح أن يبقى بعدنا.
• الكفاءة القصوى: قنديل البحر ليس "عشوائياً" من الناحية التقنية؛ إنه قمة في الاقتصاد. لا يصرف طاقة على التفكير، ولا على تدفئة جسده، ولا على بناء هيكل.
• الاستجابة الصامتة: بدلاً من الدماغ، يمتلك "شبكة عصبية" بسيطة تسمح له بالاستشعار والرد على البيئة. إنه لا "يفكر" في الصيد، هو "يحدث" له الصيد.
3. هل الغاية ضرورة أم اختراع بشري؟
هذا الكائن كدليل دامغ على "لاغائية الوجود"، فوجوده يجرد الطبيعة من الرومانسية. الطبيعة لا تهتم بـ "لماذا"، هي تهتم فقط بـ "كيف".
• الإنسان: يبحث عن المعنى ليتحمل ثقل الوجود.
• قنديل البحر: الوجود بالنسبة له هو الغاية والوسيلة في آن واحد.
"قنديل البحر لا يحاول أن يكون شيئاً، وهذا سر نجاحه المرعب."
جمال العبث
قنديل البحر فعلاً دليل على أن الكون لا يحمل "رسالة" موجهة لنا، وأن الحياة قد تظهر وتستمر لمجرد أنها "تستطيع" ذلك، وليس لأن هناك خطة كبرى.
لكن من المثير للسخرية أن هذا الكائن الذي نراه "بلا معنى"، هو نفسه الذي يمتلك فصيلة (مثل Turritopsis dohrnii) تُلقب بـ "القنديل الخالد" لقدرتها على إعادة دورة حياتها من الشيخوخة إلى الشباب؟
ربما المعنى الوحيد هو الاستمرار، حتى لو كان هذا الاستمرار شفافاً، صامتاً، وهلامياً تماماً.
سؤال لمجرد التفكير: هل شعورنا بـ "العبثية" تجاه هذه الكائنات ينبع من كوننا نقيسها بمقاييسنا البشرية، أم أن الطبيعة فعلاً مجرد سلسلة من الصدف التي أتقنت البقاء؟
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟