أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه














المزيد.....

لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 09:56
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بعد مسيرة حضارة علمية طويلة، وصلنا فيها إلى عصرٍ يتحدث فيه العالم بلغة الخوارزميات، ويُدار فيه الوجود ببيانات الذكاء الاصطناعي، كان من المتوقع – حسب النبوءات العلمانية الكلاسيكية – أن يطوي الإنسان صفحة الغيبيات والطقوس الدينية، ليعلن انتصار "العقل الخالص".
لكن الواقع يصفع هذه التوقعات. فلا تزال المليارات تحني رؤوسها في المساجد، والكنائس، والمعابد، ولا تزال النصوص المقدسة تدير إلى حد ليس بقليل حياة البشر العاطفية والاجتماعية. حتى بين الشعوب الأكثر إنتاجاً للإنجازات العلمية.
هذا الصمود المذهل للدين يطرح سؤالًا جوهرياً:
هل التدين مجرد "جهل مؤقت" يتبدد بالعلم، أم أنه شفرة غائرة في التكوين العقلي والسيكولوجي للإنسان؟

1. التكوين العصبى والبيولوجي: الدماغ مبرمج على "الإيمان"
خلال العقود الأخيرة، نشأ علم يسمى "علم الأعصاب الديني" (Neurotheology)، وحاول العلماء من خلاله فهم ماذا يحدث في الدماغ أثناء الممارسات الروحية. أظهرت صور الرنين المغناطيسي أن الدماغ البشري يمتلك شبكات عصبية مجهزة تماماً للتعامل مع المفاهيم الغيبية.

• البحث عن السببية (The Causal Drive):

الإنسان مع بداية وعيه تتشكل لديه رغبة عارمة في تفسير كل شيء بـ "فاعل". إذا تحركت شجيرة، يفترض الطفل أن هناك كائناً حركها. هذا الميل الأقرب للفطرية يعزز فكرة وجود "خالق عاقل" وراء هذا الكون المنظم. وهذا في الأغلب ليس ناتجاً عن غريزة فطرية بيولوچية يولد بها الإنسان. فالأقرب أن يكون مكتسباً نتيجة الخبرات الحياتية. فارتباط السبب بمسبب هو بداية فجر الوعي الإنساني، الذي هو أيضاً فجر ارتباط الجهاز العصبي لأي كائن حي بما يحدث حوله من ظواهر وأحداث.

• تجاوز الذات الفص الجداري (Parietal Lobe):

عند ممارسة العبادة أو التأمل العميق، يهدأ نشاط هذا الجزء من الدماغ المسؤول عن تحديد حدود "الأنا" والمكان. النتيجة السيكولوجية هي شعور عارم بالاتحاد مع "قوة عظمى المطلقة"، وهو احتياج بيولوجي يشعر الإنسان بالسلام والامتداد.

2. الاحتياج السيكولوجي:
ملاذ الضعف الإنساني
يمتلك الإنسان وعياً فريداً بين الكائنات، لكن هذا الوعي يمثل عبئاً سيكولوجياً ثقيلاً. فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يدرك حتمية موته، ويعجز أمام عشوائية الكوارث والمرض. هنا يتدخل التدين ليلبي احتياجات نفسية لا يمكن للمختبرات العلمية سدّها:

أ. الطقوس كدرع ضد القلق
الطقوس الدينية (الحركات المتكررة، الصلوات الجماعية، التراتيل) ليست مجرد حركات فيزيائية، بل هي آليات دفاعية سيكولوجية. تمنح الطقوس العقل شعوراً بالسيطرة والنظام في عالم فوضوي. في أوقات الأزمات، تفرز الطقوس هرمونات تقلل التوتر وتخلق حالة من الثبات الانفعالي.

ب. صناعة المعنى (The Quest for Meaning)
العلم يجيب عن سؤال "كيف" (كيف نشأ الكون؟ كيف يعمل الجسد؟)، لكنه يقف صامتاً تماماً أمام سؤال "لماذا" (لماذا أنا هنا؟ ما قيمة معاناتي؟). الذكاء الاصطناعي قد يشخص لك المرض بدقة متناهية، لكنه لن يخبرك "لماذا يتألم الأخيار؟". الدين يمنح المعاناة الإنسانية معنى، ويجعل للموت امتداداً، وهو ما يقي النفس البشرية من الوقوع في فخ العدمية والاضطراب النفسي.

3. لغز الصمود: لماذا لم ينقرض المتدينون في عصر الذكاء الاصطناعي؟

القول بأن التقدم العلمي سيلغي الدين يعبر عن فهم خاطئ لطبيعة الدور الذي يلعبه كل منهما. العلم والدين لا يتحركان في نفس المضمار:

• العلم أداة، والدين هوية: الذكاء الاصطناعي أداة فائقة الذكاء لحل المشكلات الإجرائية، لكنه لا يوفر "مجتمعاً". الأديان تؤسس لشبكات تضامن اجتماعي، وتمنح الفرد شعوراً بالانتماء لكتلة بشرية تتقاسم معه نفس القيم والمصير.

• الروايات الأسطورية والمجاز: ينتقد العلم "القصص الدينية" بمعايير مادية جافة، غافلاً عن أن العقل البشري يفكر بـ القصة والمجاز لا بالمعادلات الصماء. النصوص المقدسة تقدم نماذج أخلاقية صالحة للتمثيل الإنساني (الخير ضد الشر، التضحية، التسامي)، وهي حاجة وجدانية لا تشبعها لغات البرمجة (Python) أو خوارزميات التعلم الآلي.

"إن الحاجة إلى إله ليست اختراعاً كهنوتياً للسيطرة على الشعوب، بل هي صرخة الوعي الإنساني الباحث عن نقطة ارتكاز في كون لا نهائي."

خاتمة: غريزة لا تموت
التدين ليس خياراً فكرياً طارئاً يمكن حذفه بتحديث برمجي، بل هو نزوع فطري، بنيوي، متجذر في عقولنا وجيناتنا.
كلما تقدم الإنسان تكنولوجياً وزاد شعوره بالآلية والاغتراب وسط الآلات الصماء، كلما اشتدت حاجته للعودة إلى الطقس، وإلى الجماعة، وإلى القوة المطلقة لتعيد له إنسانيته. سيظل المتدينون يشكلون القطاع الأكبر من البشرية، ليس لأنهم يجهلون العلم، بل لأنهم يدركون – بوعي أو بدون وعي – أن الخبز والعلم يمنحاننا البقاء، في حين أن الإيمان هو ما يمنحنا العزاء والسبب لهذا البقاء.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بنيوية الخلاف الأرثوذكسي البروتستانتي: صراع الطقس والفردانية
- الأناجيل الغنوصية (Gnostic Gospels)
- المسافة بين المفردة Singularity وظهور الإنسان
- إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية
- أمريكا وإيران: قوة التكنولوجيا ضد صمود الأيديولوجيا
- الفصام بين العقل المحض والعقل العملي
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب
- الخروج من أوبك والطلاق بين الإمارات والسعودية
- لا طلاق إلا لعلة الزنى- المفهوم الذي يتدنى بالزواج المسيحي
- ليس بالكراهية وحدها يحيا الإنسان
- حكاية الدجاجة والبيضة مع القاهر والمقهور


المزيد.....




- واشنطن بوست: مهرجان ترمب الديني يفجر الجدل بشأن -أمريكا المس ...
- البيت الأبيض ينظم صلاة لاستعادة الجذور المسيحية لأميركا
- لجنة الاستهلال التابعة لمكتب قائد الثورة الاسلامية تعلن يوم ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهدفنا تجمعاً لجنود الاحتلال ...
- تفاصيل قرار إسرائيلي جديد لتهويد المسجد الأقصى
- القائد العام لحرس الثورة الإسلامية: على العدو الصهيوني الغاد ...
- القائد العام لحرس الثورة الإسلامية: استشهاد عزالدين الحداد ...
- بزشكيان لوزير الداخلية الباكستاني: وحدة الدول الإسلامية من ش ...
- إيران تدرب متطوعين على حمل السلاح ضمن حملة للدفاع عن الجمهور ...
- مستشار قائد الثورة الإسلامية علي أكبر ولايتي: تهديدات ترامب ...


المزيد.....

- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - كمال غبريال - لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه