أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الفصام بين العقل المحض والعقل العملي














المزيد.....

الفصام بين العقل المحض والعقل العملي


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 10:23
المحور: قضايا ثقافية
    


"حالات العديد من المفكرين الذين يتبنون خطاباً عقلانياً مضاداً للغيبيات والخرافات، ونجد موقفهم من الأحداث الواقعية متوحداً مع الخطاب الديماجوجي اليساري والعروبجي والداعشي السائد، يرجع إلى أن العقل المحض يتوصل تلقائياً لنقد ونقض الأفكار المطلقة. فيما تظل المواقف والرؤى الحياتية الواقعية عسيرة على المراجعة والتغيير."

هنا مفارقة فكرية غريبة: مفكر يقضي عمره في تفكيك بنية "النص المقدس" أو نقد "الموروث الغيبي" بأدوات عقلانية صارمة، لكنه بمجرد أن يواجه حدثاً سياسياً أو صراعاً واقعياً، يسقط في فخ الخطاب الديماجوجي (الغوغائي) ذاته الذي تتبناه التيارات الأكثر راديكالية وظلامية، سواء كانت يسارية متطرفة، أو قومية عروبية متخشبة، أو حتى تقاطعات مع العنف الداعشي.
هذه الظاهرة ليست مجرد "هفوة" سياسية، بل هي تجسيد للانفصام بين العقل المحض والعقل العملي المرتبط بالهوية والانتماء.
1. سهولة "نقد الغيبيات" وصعوبة "نقد الذات"
العقل المحض بطبيعته أداة نقدية؛ فهو يميل تلقائياً لنقض الأفكار المطلقة لأنها تتعارض مع منطقه الرياضي والمنطقي. لذا، من السهل على المثقف أن يرفض "الخرافة" لأنها تقع خارج نطاق البرهان.
لكن الصعوبة تكمن في المواقف الحياتية والواقعية، لأنها ليست مجرد أفكار مجردة، بل هي "هوية". الانتماء لتيار (يساري، عروبي……إلخ) يوفر للمثقف شعوراً بالمعنى والأمان الجماعي. هنا، يتوقف العقل عن كونه "مشرطاً للجراحة" ويتحول إلى "ترس للدعاية"، حيث يتم تطويع الأدوات العقلانية لتبرير الاصطفاف مع الحشود.
2. وحدة الخطاب: عندما يلتقي النقيضان
من المدهش أن نرى خطاب "المفكر العقلاني" يتوحد مع خطاب "الديماجوجي" في تفسير الأحداث الواقعية. السبب هو أن كلاهما يسقط في فخ الثنائيات الصفرية:
• اليسار المتطرف: يرى العالم من منظور صراع القوى المادية المطلق.
• العروبجي: يرى الواقع من منظور المظلومية التاريخية والمؤامرة.
• الداعشي: يرى العالم فسطاطين (إيمان وكفر).
المفكر الذي يتبنى خطاباً عقلانياً "ضد الغيبيات" قد يجد نفسه يتبنى نفس هذه "القطبية" في الواقع السياسي، لأن العقل المحض إذا لم يتسلح بمرونة سوسيولوجية ونفسية، يسقط في دوغما جديدة لا تختلف في جوهرها عن الغيبيات التي حاربها.
3. الصنم القابع في اللاوعي
لماذا تظل الرؤى الحياتية عسيرة على المراجعة؟
1. الاستثمار العاطفي: نقد الخرافة لا يكلف المثقف شيئاً من مكانته في وسطه "النخبوي"، بل يعززها. لكن نقد "التيار السياسي" أو "الهوية القومية" يعني العزلة والمنفى الاجتماعي.
2. ارتباط الفكرة بالجسد: الأفكار المطلقة (الغيبيات) هي أفكار في الرأس، أما المواقف الواقعية فهي مواقف في "الشارع" و"التاريخ" و"الدم"، وهي مجالات تحكمها العواطف البدائية أكثر من المنطق الصوري.
3. العقل كأداة تبرير: يمتلك المفكر قدرة فائقة على "عقلنة" المواقف غير العقلانية. هو لا يتبع الغوغاء فحسب، بل يمنح غوغائيتهم لغة "أكاديمية" أو "فلسفية" تجعل السقوط في الديماجوجية يبدو كأنه "موقف مبدئي".
العقلانية ليست "نصوصاً" بل "سلوكاً"
إن أزمة المفكر العربي (والعالمي أحياناً) هي توهمه بأن نقد "الدين" أو "الميتافيزيقا" هو نهاية المطاف العقلاني. الحقيقة أن الاختبار الحقيقي للعقلانية ليس في نقد "الأشباح" أو "الغيبيات"، بل في القدرة على نقد "الأصنام الواقعية" والخطابات السائدة التي نقتات عليها يومياً.
بدون قدرة المثقف على مراجعة مواقفه السياسية والاجتماعية بنفس الصرامة التي ينقد بها "الخرافة"، سيظل عقله "محضاً" في الهواء، بينما تظل قدماه غارقتين في وحل الديماجوجية. العقلانية الحقة هي التي تبدأ حيث تنتهي العواطف الجماعية، لا حيث تبدأ.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب
- الخروج من أوبك والطلاق بين الإمارات والسعودية
- لا طلاق إلا لعلة الزنى- المفهوم الذي يتدنى بالزواج المسيحي
- ليس بالكراهية وحدها يحيا الإنسان
- حكاية الدجاجة والبيضة مع القاهر والمقهور
- سحر الغرابة: الهرب من صرامة الواقع إلى غواية الخرافة
- صدمة الحداثة: انبهار وعداء وارتداد
- اللاغائية واللاقصدية واللامعنى في الوجود
- قنديل البحر وعبثية الوجود
- غروب الينبوع: هل جفت سواقي الحضارة الأوروبية؟
- صراع الخير والشر: صيرورة أزلية


المزيد.....




- -بحث مجالات التعاون والمستجدات الإقليمية-.. تفاصيل اتصال جدي ...
- -وداعا للسفن السريعة-.. ترمب يثير الجدل بصور هجومية ضد إيران ...
- 112 دولة تدعم مشروع قرار أمريكي خليجي في مجلس الأمن بشأن مضي ...
- الشيخ محمد بن زايد يتلقى اتصالا هاتفيا من ترامب
- رئيس دولة الإمارات يتلقى اتصالا هاتفيا من ولي عهد السعودية
- بولس: لا حل عسكريا للأزمة في السودان
- تقييم إسرائيلي: خياران أمام ترامب للتعامل مع إيران
- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الفصام بين العقل المحض والعقل العملي