أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية














المزيد.....

الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 08:47
المحور: قضايا ثقافية
    


"الفوضى في الكون والوجود هي التي تمكن الإنسان من خلق الانتظام وفرض النظم على الوجود. ولو كان الانتظام في الوجود هو الأساس الطبيعي، لكان العالم سجناً كبيراً للبشرية وملكات الإنسان الإبداعية. ورغم أن قدرات الإنسان وحريته في خلق الانتظام ليست مطلقة. وإنما محكومة بتوظيف قوانين الطبيعة العمياء. إلا أنها تسمح له بتسخيرها لخلق مساحات هائلة من الانتظام."

غالباً ما ننظر إلى "الفوضى" بوصفها عدواً يجب دحره، أو خللاً في منظومة الوجود يثير القلق والارتباك. لكن، وبنظرة أعمق في فلسفة الوجود، نجد أن هذه الفوضى ليست مجرد "عشوائية"، بل هي المساحة الخام التي تمنح الإنسان مبرر وجوده ككائن مبدع. فلو كان الكون منضبطاً بشكل كامل وقسري منذ البداية، لتحول إلى "سجن كامل الأركان"، حيث لا مكان للمبادرة البشرية أو الابتكار.

الفوضى: رحم الإبداع الإنساني:

تكمن المفارقة في أن الانتظام المطلق يعني "الجمود". فالعالم الذي تسوده منظومات صارمة تضبط وتتحكم في كل تفصيلة صغيرة وكبيرة، هو عالم "مكتمل" لا يحتاج إلى إضافة، وبالتالي لا يحتاج إلى إنسان.
في هذا السياق، تظهر الفوضى كنعمة مقنعة؛ فهي التي تترك "فجوات" في نسيج الواقع، وهذه الفجوات هي التي تملؤها الإرادة البشرية.

• التحرر من الحتمية: الفوضى تكسر قيد الحتمية المطلقة، مما يتيح للإنسان أن يكون "خالقاً للنظم" وليس مجرد "منفذ" لها.

• تفعيل الملكات: العقل البشري صُمم كآلة لحل المشكلات وترتيب المبعثر. فبدون "البعثرة" الوجودية، ستتعطل هذه الملكات وتضمر.

صراع الإرادة مع القوانين "العمياء"
إن قدرة الإنسان على فرض النظام ليست سحراً، بل هي عملية ذكية لتوظيف ما نسميه "قوانين الطبيعة العمياء".
الطبيعة لا تهتم إذا ما كان البيت سيبنى أم سينهار، أو إذا كان الدواء سيشفي المريض أم لا؛ فهي تعمل وفق آليات محايدة (الجاذبية، التفاعلات الكيميائية، قوانين الحركة).
وهنا يتجلى دور الإنسان: هو لا يلغي القانون الطبيعي، بل يسخره.
1. الفهم: إدراك كيفية عمل الفوضى والقوى الطبيعية.
2. التطويع: إعادة صياغة هذه القوى لخدمة غايات بشرية (تحويل طاقة الرياح العشوائية إلى تيار كهربائي منتظم).
3. التشييد: خلق مساحات من النظام (المدن، القوانين، الفنون) وسط محيط من الاحتمالات غير المحدودة.
العالم كورشة عمل.. لا كسجن
لو كان الانتظام هو "الحالة الطبيعية" الدائمة، لكان البشر مجرد تروس في آلة ضخمة، يتحركون بمسارات مرسومة سلفاً لا خيار لهم فيها. لكن كون العالم "مفتوحاً" على الفوضى، حوّله من سجن إلى ورشة عمل كبرى.
في هذه الورشة، يمتلك الإنسان حرية نسبية لكنها هائلة؛ فهو المهندس الذي يضع المخطط، والفنان الذي يختار الألوان. إن "المساحات الهائلة من الانتظام" التي نراها اليوم في التكنولوجيا، والسياسة، والعلوم، ليست إلا انتصارات بشرية صغيرة تراكمت عبر الزمن لتثبت أن العقل هو الأداة الوحيدة القادرة على ترويض "عمى" الطبيعة وتحويله إلى "بصيرة" حضارية.

الفوضى إذن ليست تهديداً للوجود، بل هي شرط الحرية. نحن لا نعيش في عالم منظم لنرتاح فيه، بل في عالم "قابل للتنظيم" لنحقق فيه ذواتنا. إن قدرتنا على خلق النظام من قلب العشوائية هي أسمى تجليات الكرامة الإنسانية، وهي التي تجعل من رحلة البشرية على هذا الكوكب مغامرة إبداعية لا تنتهي، بدلاً من أن تكون مجرد إقامة جبرية في كون مكتمل الصنع.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب
- الخروج من أوبك والطلاق بين الإمارات والسعودية
- لا طلاق إلا لعلة الزنى- المفهوم الذي يتدنى بالزواج المسيحي
- ليس بالكراهية وحدها يحيا الإنسان
- حكاية الدجاجة والبيضة مع القاهر والمقهور
- سحر الغرابة: الهرب من صرامة الواقع إلى غواية الخرافة
- صدمة الحداثة: انبهار وعداء وارتداد
- اللاغائية واللاقصدية واللامعنى في الوجود
- قنديل البحر وعبثية الوجود
- غروب الينبوع: هل جفت سواقي الحضارة الأوروبية؟
- صراع الخير والشر: صيرورة أزلية
- غروب شمس العقل مع خريف الحضارة المعاصرة
- أوروبا.. انتحار الإرادة وسقوط -القلعة- من الداخل والخارج
- الخراب والموت وبيئة حزب الله
- جواهر على قارعة الطريق: المأزق الوجودي الخليجي وحتمية -الحل ...
- استقالة العقل: عندما تصبح -الهزيمة- تضحية و-الحمق- قداسة


المزيد.....




- ترامب يتوجه إلى الصين في زيارة تطغى عليها خلافات بشأن حرب إي ...
- ألمانيا ـ تقدم جديد لحزب البديل وتراجع حاد في تأييد المستشار ...
- حوار مع الرئيس إيمانويل ماكرون في ختام قمة -أفريكا فوروارد- ...
- أبرز الملفات التي تناولها ماكرون في لقاء خاص مع فرانس24
- حرب الشرق الأوسط: ما هي الخيارات المطروحة أمام ترامب بعد الر ...
- حصري: الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يُعلّق على السياسة الفر ...
- صراع من أجل شهيق.. منع -الأكسجين- يهدد حياة الآلاف بغزة
- ويلات سدي تيمان تلاحق طفلة مسنة وحفيدتيها بغزة
- عمار العقاد للجزيرة: نخشى تعرض والدتي وشقيقتي لانتهاكات الاح ...
- زيارة ترمب للصين.. هل تُعقّد المشهد الإيراني أم تفتح باب الح ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية