أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - الحضارة الإنسانية وصراع الأضداد















المزيد.....

الحضارة الإنسانية وصراع الأضداد


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8714 - 2026 / 5 / 23 - 23:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ فجر التاريخ، لم تكن مسيرة الحضارة الإنسانية يوماً خطاً مستقيماً صاعداً بانتظام، بل كانت أشبه بـ "موجات مد وجزر". تتقدم البشرية خطوات واسعة في العلوم، والحقوق، والتنظيم الاجتماعي، ثم تواجه كبوات كبرى — كالأوبئة، أو الحروب العالمية، أو انهيار الإمبراطوريات — تظهر وكأنها تطيح بكل ما تم بناؤه، قبل أن تستجمع الإنسانية قواها لتنهض من جديد بوعي أرقى وتجربة أعمق.
اليوم، يعيش العالم حالة عارمة من القلق والتشاؤم الحضاري. والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن نعيش بالفعل مرحلة "انكسار حضاري" وتراجع للقيم الإنسانية أمام موجات التطرف، والعدمية، والتحولات السياسية والفكرية الحادة؟
لإجابة هذا السؤال علينا تفكيك المشهد الراهن عبر قراءة القوى المؤثرة فيه، ومقارنتها بالمسار التاريخي العام.

أولاً: قوى "الارتداد الحركي" والتطرف الديني والسياسي
تُمثل تنظيمات مثل "الإخوان المسلمون" وثمراتها "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" ظواهر ارتدادية عنيفة، تحاول قسر التاريخ للعودة إلى الوراء عبر هدم المكتسبات المدنية للحضارة الحديثة. حيث تستمد قوتها من قوة تأثير الموروث الديني، ومن اللعب على مشاعر المظلومية، والجهل، واستغلال الفراغ السياسي والأمني في مناطق النزاع.
على صعيد الدول، تُمثل نماذج مثل "الجمهورية الإسلامية الإيرانية" (بنظامها الثيوقراطي القائم على ولاية الفقيه) نموذجاً لتوظيف الأيديولوجيا الدينية في صراع النفوذ الإقليمي والدولي. هذا الصراع المشحون بتسونامي كراهية مقدسة، يُعلي من شأن الولاء العقائدي على حساب التنمية المدنية، وحقوق الإنسان، والرفاه الاقتصادي لمواطنيها وللشعوب المحيطة بها.

على الرغم من فداحة الخسائر البشرية والمادية التي تتسبب فيها هذه القوى، إلا أن القراءة التاريخية العميقة تبين أنها لا تعدو أن تكون "جيوب مقاومة" ضد حركة العصر، وليست بدائل حضارية قابلة للحياة.
الإخوان المسلمون وداعش والقاعدة لم يقدموا نموذجاً إدارياً أو اقتصادياً مستداماً، بل سرعان ما ينهارا عسكرياً وهيكلياً بمجرد اصطدامه بالمنظومة الدولية.
كما وأن الأنظمة الثيوقراطية تواجه اليوم أزمات شرعية حادة داخلياً، مدفوعة بوعي الأجيال الشابة (الجيل Z وما بعده) التي تتوق للانفتاح والعيش الطبيعي، مما يجعل هذه النماذج المتطرفة في حالة دفاع ومقاومة مستمرة للبقاء، وليس في حالة زحف حضاري حقيقي.

ثانياً: اليسار الليبرالي، الفوضوية، والعدمية.. هدم أم إعادة صياغة؟
على المقلب الآخر، وتحديداً في المجتمعات الغربية التي قادت التحديث العالمي، يضج الواقع بصراخ يتعالى مع الوقت، بأن هناك تهديداً خطيراً ينخر في جسد الحضارة من الداخل:
1 اليسار الليبرالي المتطرف (أو ما يُعرف بثقافة الـ "Woke"):
يُتهم هذا التيار بأنه انتقل من الدفاع عن حقوق الأقليات والمهمشين إلى فرض دكتاتورية فكرية جديدة (ثقافة الإلغاء)، ومحاولة تفكيك المفاهيم الفطرية والمؤسسات المستقرة كـ "الأسرة". والترويج والاحتفاء بالممارسات الجنسية الشاذة، ضرباً لصميم الآلية الطبيعية للتكاثر البشري وحفظ النوع.
كذلك إعادة قراءة التاريخ البشري بالكامل من منظور "الضحية والجلاد"، مما يهدد التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي في الغرب.
هذا التيار نتيجة المثالية المفرطة (Perfectionism) وقع في متلازمة تأثيم الذات (أو ما يُعرف علميًا بـ جلد الذات أو الشعور المزمن بالذنب - Chronic Guilt / Self-Blame Syndrome)، فذهب لترويج الأفروسنتريك (Afrocentricity)، ولاضطهاد وكراهية الجنس الأبيض، تعويضاً عن سابق ظلمه للجنس الأسود. واضطهاد الرجل إنصافاً للمرأة. بل والعداء لسلوكيات الإنسان عموماً، لأنه يتغذى على لحوم وألبان كائنات حية. ليتحول الأمر هكذا لعداء وتحريض هيكلي ضد الإنسانية.
2 الفوضويون والعدميون:
الحركات الفوضوية (مثل Antifa في بعض تمظهراتها) والتيارات العدمية التي تفقد الإيمان بأي قيمة أخلاقية أو غاية وجودية، تصاعدت كأثر جانبي لـ "الفردانية المفرطة" وسيادة المادية. هؤلاء لا يملكون مشروعاً للبناء، بل ينحصر جهد الغضب لديهم في تفكيك المؤسسات القائمة باعتبارها فاسدة هيكلياً.
هذا الحراك الفكري المقلق يُشخصه الفيلسوف الألماني "هيغل" في فلسفته للتاريخ عبر جدليته الشهيرة عن صراع الأضداد (الأطروحة، الأطروحة المضادة، ثم الجديد)، الذي ينتج جديداً لم يسبق وجوده.
ما نشهده اليوم من تطرف ليبرالي أو عدمي هو "رد فعل عنيف" (أطروحة مضادة) على قرون من المحافظة والجمود أو المظالم الاجتماعية السابقة. والتاريخ يعلمنا أن المجتمعات الحية تُصحح مسارها بنفسها؛ حيث بدأت تظهر بالفعل ملامح "ارتداد عقلاني" داخل الغرب نفسه ضد الشطط الليبرالي والفوضوي، سعياً للوصول إلى حالة توازن (التركيب الجديد) تحمي الحريات دون تدمير ركائز المجتمع.
3 التغيرات الديموجرافية التي تغير طبيعة هوية مراكز صناعة الحضارة الإنسانية بطابعها الديموقراطي الليبرالي. وتشير لمخاطر انحسارها، لصالح زحف ثقافة استبدادية شرقية. وتفشي ثقافة الكراهية والعداء الديني للمسيحية الأوروبية، ونزوعها التخريبي لعموم الحضارة الإنسانية.

ثالثاً: هل نحن في مرحلة "انكسار" أم "مرحلة انتقالية"؟
إذا نظرنا إلى الصورة الكبيرة، يتضح أننا لسنا أمام "سقوط حر" للحضارة، بل نحن في "مخاض انتقال حضاري عاصف". ما يمر به العالم اليوم يعود إلى عدة عوامل بنيوية:
الفجوة التقنية والأخلاقية: تقدمت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل بسرعة البرق، بينما ظلت المنظومة الأخلاقية والقوانين الدولية عاجزة عن مواكبة هذا التدفق، مما خلق حالة من الفوضى الرقمية والمعلوماتية (المعلومات المضللة، غرف الصدى الفكري).
أزمة العولمة: استفادت الشركات الكبرى من العولمة، بينما تضررت الطبقات الوسطى والعاملة في كثير من الدول، مما أنتج صعوداً للشعبوية اليمينية من جهة، والتطرف اليساري والعدمية من جهة أخرى.

"الحضارة لا تموت بضربات الخوارج عليها، بل تموت عندما تفقد إرادة الحياة وقدرتها على التجدد الداخلي." — مالك بن نبي (بتصرف)

خلاصة الموقف: التفاؤل التاريخي المشروط
إن القول بأننا نعيش انكساراً حضارياً كاملاً فيه نوع من المبالغة الناتجة عن "قربنا الزمني" من الأحداث. لو سألنا إنساناً عاش خلال "حرب الثلاثين عاماً" في أوروبا، أو أثناء "الاجتياح المغولي" لبغداد، أو خلال "الحرب العالمية الثانية"، لقال يقيناً: إنها نهاية العالم والحضارة. ومع ذلك، خرجت البشرية من كل تلك الكوارث بمنظومات أرقى (كالقانون الدولي، وحقوق الإنسان، والمؤسسات الأممية).
بالأرقام والبيانات الكلية (رغم النكسات الحالية):
نسب الفقر المدقع في العالم أقل بكثير مما كانت عليه قبل قرن.
الرعاية الصحية والوعي العلمي في أعلى مستوياته تاريخياً.
قدرة المجتمعات على التواصل وفضح الانتهاكات أصبحت لحظية وفورية.
النتيجة:
الحضارة الإنسانية اليوم تواجه بلا شك "أزمة منتصف العمر"، وتتعرض لهجمات شرسة من قوى ظلامية في الشرق، وقوى تفكيكية عدمية في الغرب. هي مرحلة تباطؤ وانكسار موضعي مؤقت، وليست نهاية المطاف. إنها لحظة تاريخية حرجة تتطلب من العقلانيين والمفكرين والمصلحين في كل العالم الدفاع عن "القيم الإنسانية المشتركة": العقل، والعدالة، والحرية المسؤولة، وحرمة النفس البشرية؛ لأن قطار الحضارة قد يتعطل في محطة ما، لكنه لن يرجع إلى الوراء أبداً.
إن المواجهة الحالية بين تطرف "اليسار الليبرالي والعدمية" من جهة، وبين "الارتداد الأيديولوجي والمحافظة" من جهة أخرى، لن تنتج حلاً وسطاً تلفيقياً بينهما.
النتيجة التاريخية القادمة ستكون طَوْراً حضارياً جديداً بالكامل؛ وعياً بشرياً يتجاوز مادية وتفكيكية الحداثة الفائقة، دون أن يعود إلى سجن الأيديولوجيات القديمة — أي "مولوداً جديداً" يحمل نضج التجربتين وينطلق نحو آفاق أرقى.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديناميكية العقل العلمي: بين مرونة الثقة وجدلية الشك
- بكين ومركز ثقل النظام الدولي الجديد
- قراءة في خريف -الأمة الخالدة-
- السلفية والأرثوذكسية.. القطار يتجه للخلف
- لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه
- بنيوية الخلاف الأرثوذكسي البروتستانتي: صراع الطقس والفردانية
- الأناجيل الغنوصية (Gnostic Gospels)
- المسافة بين المفردة Singularity وظهور الإنسان
- إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية
- أمريكا وإيران: قوة التكنولوجيا ضد صمود الأيديولوجيا
- الفصام بين العقل المحض والعقل العملي
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير


المزيد.....




- استخبارات إستونيا: خسائر بشرية متزايدة قد تدفع روسيا نحو تعب ...
- فيديو متداول لـ-اشتباك بين سائح آسيوي وشاب سوري-.. ما حقيقته ...
- مصدر مطلع: قادة خليجيون يحثون ترامب على قبول مقترح إيران لوق ...
- برباعية في شباك ليون .. برشلونة بطل أوروبا للسيدات للمرة الر ...
- لماذا حشدت الصين أكثر من 100 سفينة عسكرية قرب تايوان؟
- ربان سفينة في -أسطول الصمود-.. عملية الاحتجاز رافقتها معاملة ...
- حشد مقلق.. هل أصبحت عودة تايوان إلى الصين مسألة وقت؟
- تزايد لافت في أعداد رافضي الخدمة العسكرية في ألمانيا
- المغرب: الملك محمد السادس يُصدر عفواً عن المشجعين السنغاليين ...
- إصلاحات لإجراءات -الغرين كارد-.. فرصة أم فخ؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - كمال غبريال - الحضارة الإنسانية وصراع الأضداد