أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - ديناميكية العقل العلمي: بين مرونة الثقة وجدلية الشك














المزيد.....

ديناميكية العقل العلمي: بين مرونة الثقة وجدلية الشك


كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي

(Kamal Ghobrial)


الحوار المتمدن-العدد: 8713 - 2026 / 5 / 22 - 08:52
المحور: قضايا ثقافية
    


في الفضاءات الفكرية التقليدية، غالباً ما يُنظر إلى الثقة و الشك بوصفهما ضدين يطرد أحدهما الآخر؛ حيث يتأرجح المرء وفق هذا المنظور الدوجماتيقي بين طمأنينة اليقين الدائم بمخرجات العقل، أو الغرق في مستنقع الشك العدمي الشامل. كما وتحت وطأة هذه الثنائية، يجد الفكر الدوجماطيقي الغيبي فرصته في تبرير إيمانه وتسليمه المطلق بما لديه من نصوص ومورثة، تقدم له ما يعتبره حقائق نهائية وثابتة، هرباً من نسبية المعرفة.
وفي المقابل، يقف الفوضويون والعدميون على النقيض تماماً، حيث يسيئون استخدام الشك العلمي ويتخذون منه ذريعة لنفي وجود أي حقيقة موضوعية من الأساس، محولين أداة الفحص والتطوير إلى معول هدم عبثي.
غير أن المنهج العلمي المادي يكسر هذا الاحتكار الثنائي بين الجمود والعدمية؛ فالشك المنهجي لا يهدف إلى نفي الحقيقة الموضوعية للكون، بل يهدف إلى حماية العقل من التكلس والجمود، وضمان مواكبته المستمرة للقوانين المادية المتجددة بكفاءة ودقة.
تقدم لنا الفلسفة العلمية الحديثة منظوراً أعمق وأكثر حيوية، يتجلى في مقولة بليغة توضح أن:
"الثقة بالعقل لا تعني الثقة فيما يتوصل إليه بصورة مطلقة دوجماتيقية، وإنما هي ثقة في قدرة العقل المتبني للمنهج العلمي على تصحيح وتطوير ما يتوصل إليه بصورة مستمرة"
من هذا المنطلق، يتحول الشك من أداة للهدم إلى الدعامة الأساسية التي تُبنى عليها مصداقية العقل.

أولاً: وهْم المطلق والوقوع في الفخ الدوجماطيقي:
إن أكبر إساءة يمكن أن تُوجه إلى العقل البشري هي تحويل منتجاته المؤقتة إلى "أصنام فكرية" جامدة (الدوجماطيقية). عندما نتعامل مع النظريات العلمية أو الحقائق المعرفية كحقائق مطلقة ونهائية، فإننا نلغي طبيعة العقل ككائن حي ينمو ويتطور.

الثقة الحقيقية بالعقل: ليست إيماناً أعمى بالنتائج، بل هي إيمان بـ "آلية التفكير" نفسها.

الجمود الفكري: يحدث عندما نخلط بين "أداة المعرفة" (العقل والمنهج) وبين "مادة المعرفة" (النتيجة المؤقتة التي وصلنا إليها اليوم).
العقل الذي يتبنى المنهج العلمي يدرك تماماً أنه يتعامل مع واقع معقد ومتغير، وأن أدوات الرصد والتحليل تتطور يوماً بعد يوم. لذلك، فإن القيمة الحقيقية للعقل لا تكمن في تقديم "إجابات أبدية"، بل في امتلاكه الشجاعة المعرفية لإعادة النظر في تلك الإجابات وتطويرها.

ثانياً: الشك المنهجي كأداة للبناء لا الهدم
قد يتوهم البعض أن إخضاع مخرجات العقل للشك الدائم يقلل من هيبته أو يزعزع الثقة فيه. لكن الواقع المعرفي يثبت العكس تماماً؛ فالشك هنا ليس شكاً "سفسطائياً" أو عبثياً يهدف إلى إنكار الحقيقة، بل هو "شك منهجي علمي".

"الشك هو غربال المعرفة؛ لا يُبقي إلا على ما يصمد أمام النقد والتجربة."

إن الشك المنهجي هو المحرك الأساسي لحركة التطور العلمي. لولا شك "أينشتاين" في مطلقية الزمان والمكان عند "نيوتن"، ولولا شك علماء ميكانيكا الكم في حتمية الفيزياء الكلاسيكية، لبقيت البشرية تراوح مكانها في أطر فكرية ضيقة. الشك العلمي هو الذي يدفع الباحث إلى اختبار فرضياته مراراً وتكراراً، والبحث عن الثغرات قبل أن يجدها غيره.

ثالثاً: المفارقة الوجودية للعقل العلمي:
الشك في منتجات العقل هو السند الأكبر للثقة فيه. كيف ذلك؟

إننا لا نثق في العقل العلمي لأنه "معصوم من الخطأ"، بل نثق فيه لأنه الأداة الوحيدة التي تمتلك القدرة الآلية الدؤوبة على اكتشاف أخطائها وتصحيحها.
هذه المرونة، وهذا السعي المستمر نحو التطوير، هو ما يجعل العقل جديراً بالقيادة والريادة. إنه نظام مفتوح يرحب بالنقد لأنه يتغذى عليه ليتطور.

هكذا يتضح لنا أن الثقة بالعقل والشك في منتجاته هما وجهان لعملة واحدة اسمها "الوعي العلمي". إن نزع صفة الإطلاق والقداسة عن مخرجات العقل ليس إضعافاً له، بل هو تحرير لطاقاته الكامنة.
السند الأكبر للعقل ليس في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، بل في امتلاك المنهج الدقيق والمنفتح الذي يصحح المسار كلما انحرف، ويطور المعرفة كلما اتسعت آفاق البشرية.
إنها ثقة في "الرحلة والمنهج"، وليست مجرد محطة وقوف عابرة.



#كمال_غبريال (هاشتاغ)       Kamal_Ghobrial#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بكين ومركز ثقل النظام الدولي الجديد
- قراءة في خريف -الأمة الخالدة-
- السلفية والأرثوذكسية.. القطار يتجه للخلف
- لماذا لم يحقق الذكاء الاصطناعي ما أراده نيتشه
- بنيوية الخلاف الأرثوذكسي البروتستانتي: صراع الطقس والفردانية
- الأناجيل الغنوصية (Gnostic Gospels)
- المسافة بين المفردة Singularity وظهور الإنسان
- إعلام -المنطلقات المسبقة-: حين يغتال الانحياز المهنية
- أمريكا وإيران: قوة التكنولوجيا ضد صمود الأيديولوجيا
- الفصام بين العقل المحض والعقل العملي
- سحر الشعارات ومرارة الواقع: لماذا تنجذب الجماهير لما يُهلكها ...
- القبطية الأرثوذكسية فرعونية في رداء مسيحي
- اعتماد الإخوان المسلمين كجزع شجرة الإرهاب
- الخير وامتلاك جدارة مواجهة الشر
- الإنسان إله الانتظام في الفوضى الوجودية
- أوروبا والرهان الانتحاري: هل غاب الوعي عن -عرين- القارة العج ...
- الصراع ذلك العمود الفقري للوجود
- المسيحية الغربية وعبقرية التأقلم
- دولة الإمارات العربية المتحدة والاستبداد المستنير
- إسرائيل ولبنان ومعاهدات السراب


المزيد.....




- واشنطن تأمل باتفاق مع إيران وسط استمرار تبادل الرسائل.. وغار ...
- فرنسا: لوكورنو يعتبر أن الحرب في الشرق الأوسط -ستطول- ويعلن ...
- روبيو يؤكد على عزم واشنطن تغيير النظام في كوبا بالتزامن مع و ...
- النفق والاغتيالات وليلة القدر والرئيس الذي سلم مفاتيح قصره.. ...
- أستراليات مرتبطات بتنظيم الدولة يغادرن مخيما في سوريا
- مع تعثر المفاوضات.. الاحتلال يُطبق سيطرته على 60% من قطاع غز ...
- واشنطن تفقد أوراقها في حرب أوكرانيا.. هل تتقدم أوروبا؟
- عاجل| قائد الجيش اللبناني: التطاول على الجيش والتشكيك بدوره ...
- دفعوا حياتهم لإنقاذ 140 طفلا.. سان دييغو تودع ضحايا المركز ا ...
- الساعات الذكية تفقد بريقها.. لماذا بدأ المستخدمون بالاستغناء ...


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - كمال غبريال - ديناميكية العقل العلمي: بين مرونة الثقة وجدلية الشك