|
|
ستون عاماً على الثورة الثقافية الصينية: تاريخ تجربة فاشلة
حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8710 - 2026 / 5 / 19 - 16:49
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
فيليكس فيمهوير(*) ترجمة: حازم كويي
تتجنب الرواية التاريخية الرسمية الخوض في الثورة الثقافية، رغم أنه لا يوجد حدث تاريخي آخر في تاريخ جمهورية الصين الشعبية موثّق بهذا القدر من التفصيل.
في 16 أيار/مايو 2026 تحلّ الذكرى الستون لانطلاق «الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى». وقد بدت هذه الحركة الجماهيرية، في نظر ماو تسي تونغ، محاولةً للتشكيك في هيمنة البيروقراطية الحزبية الجامدة داخل نظام الاشتراكية الدولتية. وكان يُفترض، وفقاً لماو، أن تُمنح فئة الشباب على وجه الخصوص فرصة تاريخية لكي تتكوّن، عبر نضال جديد، بوصفها «الوريثة للثورة»، وذلك لمنع «عودة الرأسمالية» بعد رحيل الجيل القديم من القيادات الثورية. لكن تمرّد الجماهير انتهى إلى صراعات بين الفصائل وحروب أهلية دامية في الأقاليم. ولم تُنتج الثورة الثقافية نموذجاً جديداً للتمثيل السياسي يشكّل بديلاً تحررياً عن ديكتاتورية الحزب اللينيني.
المحاولة الرسمية لطيّ الصفحة يُعدّ 16 أيار 1966، رسمياً في الصين، بداية الثورة الثقافية. ففي ذلك اليوم عمّمت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني منشوراً داخلياً دعا إلى «ثورة ثقافية» داخل المؤسسات الثقافية والتعليمية ووسائل الإعلام والجامعات. ووفق الرواية الرسمية الحالية، أعقبت ذلك عشرة أعوام من الفوضى، لم تنتهِ إلا عام 1976 مع اعتقال «عصابة الأربعة»، أي الجناح اليساري في قيادة الحزب المحيط بزوجة ماو،جيانغ تشينغ. وفي عام 1981، وصفت اللجنة المركزية الثورة الثقافية بأنها «أكبر انتكاسة وأفدح خسارة» تعرّض لها الحزب والدولة والشعب منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، مؤكدة أن هذه الحركة يجب «نفيها بالكامل». وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، أعادت قيادة الحزب الاعتبار إلى عدة ملايين من الضحايا.[1] ولم تُحمَّل مسؤولية أعمال العنف فقط لـ«عصابة الأربعة» وجنرالات «زمرة لين بياو»، الذين أُدينوا في محاكمات استعراضية، بل قُدِّم أيضاً آلاف المتورطين في الأقاليم إلى القضاء. لكن القيادة الجديدة بقيادة تنغ هسياو بينغ، رفضت المضي في عملية شاملة لـ«إزالة الماوية». وبدلاً من ذلك، طوّرت التفسير الذي ما يزال معتمداً حتى اليوم: فمع أن ماو تسي تونغ ارتكب خطأً استراتيجياً جسيماً حين طرح فكرة الثورة الثقافية، فإن المسؤولية عن الإعدامات الجماعية واضطهاد مئات الآلاف من كوادر الحزب تقع، بحسب الرواية الرسمية، على «الزمرتين المضادتين للثورة» المرتبطتين بجيانغ تشينغ ولين بياو. وكان دنغ نفسه، شأنه شأن كثير من الكوادر الذين أُعيد الاعتبار إليهم – ومن بينهم والد، شي تشونغشون – من ضحايا الثورة الثقافية. ومع ذلك، رأت قيادة دنغ أن «نفي» مؤسس الحزب والجيش والدولة بصورة جذرية من شأنه أن يقوّض الشرعية التاريخية للنظام بأكمله. غير أن تقديم «عصابة الأربعة» بوصفها كبش فداء لم يكن مقنعاً على الإطلاق، إذ كان واضحاً منذ سنوات الثورة الثقافية أن ممثلي هذه المجموعة لم يكن بإمكانهم بلوغ مواقع النفوذ العليا إلا بفضل دعم ماو نفسه. وفي عام 2021، أعاد تشي جين بينغ، التأكيد، في قرار صادر عن اللجنة المركزية بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، على الحكم القاضي بـ«النفي الكامل» للثورة الثقافية. وترى الحكومة أن هناك مبرراً قوياً لقمع الذاكرة الجماعية المرتبطة بتلك المرحلة، يتمثل في الحقيقة المؤلمة المتمثلة بأن الصراعات الفصائلية داخل قيادة الحزب آنذاك دفعت الدولة إلى حافة الانهيار. أما التفسير الرسمي لتاريخ الحزب، الصادر عام 2021، فيُفرد مساحة واسعة لإنجازات جمهورية الصين الشعبية، بينما يخصص للثورة الثقافية فقرة واحدة فقط. ومنذ سنوات، تشنّ السلطات حملة رسمية ضد ما تسميه «العدمية التاريخية»، وهو مصطلح يُطلق، وفق القراءة الرسمية، على الآراء التي «تُبالغ» في التركيز على أخطاء الحزب الشيوعي الصيني التاريخية.
أكياس من الوثائق ومن المفارقات أن السنوات الأولى من الثورة الثقافية، بين منتصف عام 1966 و1968، تُعدّ من أكثر الأحداث توثيقاً في تاريخ جمهورية الصين الشعبية. ويعود ذلك إلى طبيعة الحركة نفسها وإلى فقدان الدولة السيطرة في تلك المرحلة. فقد سمحت القيادة المركزية للحزب، ولو مؤقتاً، للجماهير بتأسيس منظماتها الخاصة وإصدار مجلات ومنشورات صغيرة. وبذلك خرجت إلى العلن، بصورة غير مسبوقة، الصراعات الفصائلية داخل الحزب وكذلك التوترات الاجتماعية داخل المجتمع. كما اندلعت تمرّدات ضد الأجهزة الحزبية المحلية، اقتُحمت خلالها الأرشيفات للاستيلاء على مواد تدين الكوادر الحزبية الموجودة في ملفاتهم الرسمية. وفي بعض الفترات، كانت الرسالة القادمة من بكين تقول إن من حق أي شخص انتقاد الجميع، باستثناء ماوتسي تونغ ووزير الدفاع لين بياو. وقد تجاهلت التنظيمات الجماهيرية الانضباط الحزبي والقنوات الإدارية المعتادة، وراحت، عبر شبكات توزيعها الخاصة، تنشر الأخبار والوثائق الداخلية للحزب وتصريحات القيادات الصادرة من بكين في مختلف أنحاء البلاد. وحتى التصريحات غير الرسمية والخطب غير المنشورة لماو،حيث جرى تداولها من دون أي تفويض رسمي، بهدف تحقيق التفوق في الصراعات الدائرة على المستوى المحلي. بعد الإعلان الرسمي عن انتهاء الثورة الثقافية عام 1976، انتهى المطاف بالعديد من وثائق مئات التنظيمات الجماهيرية في أيدي جامعين وهواة أرشفة من الأفراد. وخلال ثمانينيات القرن الماضي، لم تُعِر السلطات هذا الأمر اهتماماً كبيراً في العادة. وحتى مطلع الألفية الجديدة، كان بالإمكان – مع قليل من الحظ – شراء وثائق تاريخية قيّمة بأكياس كاملة من أسواق السلع المستعملة، بأسعار لا تتجاوز قيمة الورق المستعمل. وقد أتاح الحارس الأحمر السابق سونغ يونغي، في الولايات المتحدة قاعدة بيانات حول الثورة الثقافية تضم أكثر من عشرة آلاف وثيقة متاحة للجمهور. كذلك تتيح قاعدة البيانات «إرث ماو » التابعة لـ جامعة فرايبورغ، تحميل ملفات ووثائق تتعلق بالمعالجات القضائية لتلك المرحلة مجاناً. إن هذا الكمّ الهائل من الوثائق المتاحة خارج نطاق سيطرة الحزب الشيوعي الصيني يَعِدُ بتقديم نظرة نادرة إلى داخل جهاز الحزب والمجتمع الصيني في آنٍ واحد. وهنا تحديداً تكمن الحساسية والانفجار الكامن في موضوع «الثورة الثقافية». كما ينشط، داخل الصين وخارجها، عدد كبير من شهود تلك المرحلة. فكثير منهم استجابوا بحماسة، وهم في سن الشباب، لدعوة ماوتسي تونغ إلى التمرد. غير أن تجارب القمع أو الترحيل القسري إلى الأرياف دفعت بعضهم إلى مسار طويل من المراجعة والنقد الذاتي استمر مدى الحياة. ومن الأمثلة على ذلك المجموعة المحيطة بالمجلة الرقمية «Jiyi» («الذاكرة»). وحتى سنوات قليلة مضت، كان يُسمح للمجلة بالتداول المحدود عبر الإنترنت داخل الصين، لكن هيئة تحريرها اضطرت لاحقاً إلى مغادرة البلاد. وتتمثل إحدى مشكلات التعامل مع إرث الثورة الثقافية في أن المشاركين النشطين في مرحلتها المبكرة باتوا اليوم في الثمانين من العمر أو أكثر.
الهجوم على «أصحاب السلطة السائرين في الطريق الرأسمالي» تركّز الأبحاث الأكاديمية الحديثة بصورة خاصة على التحولات الراديكالية التي شهدتها الثورة الثقافية في مراحلها المختلفة، وكذلك على التفاوتات الإقليمية الكبيرة في تأثيراتها.[ 2] في البداية، انطلقت الحركة مع التعميم الداخلي الصادر في 16 أيار 1966 بوصفها حملة «تطهير» استهدفت قطاعات التعليم والإعلام والثقافة. ولم تكن تختلف كثيراً عن الحملات التي نظّمتها قيادة الحزب في السنوات السابقة. وقد اعتُبر الأعداء الأساسيون هم العاملون في المجال الثقافي الذين تلقوا تعليمهم في ظل النظام القومي القديم، إضافة إلى ما سُمّي بـ«ممثلي البرجوازية» داخل الحزب والدولة والجيش. وكان يُتهم هؤلاء بأنهم يفتقرون إلى الحزم في مواجهة «السلطات البرجوازية الرجعية». وتدور نقاشات في الأبحاث المعاصرة حول ما إذا كان هدف ماوتسي تونغ في البداية مجرد إطلاق حملة في ميدان السياسة الثقافية، أم أن الأمر كان مناورة استراتيجية تهدف إلى إقصاء رئيس الدولة ليو شياو من السلطة. فداخل قيادة الحزب كانت هناك خلافات بشأن المسار الذي ينبغي أن تسلكه الصين بعد المجاعة الكبرى (1959–1961). فقد أيّد ليو وشياو بينغ توسيع الأسواق المحلية و«تفكيك الكومونات الزراعية» جزئياً من أجل استقرار الوضع التمويني، بينما دعا ماو، بعد تجاوز الأزمة عام 1962، إلى تصعيد الصراع الطبقي. ولم تبدأ الثورة الثقافية بالخروج عن نمط الحملات التقليدية إلا عندما تشكّلت في حزيران 1966، مجموعات «الحرس الأحمر» في المدارس الثانوية وجامعات بكين. فقد شرع هؤلاء، بمبادرة ذاتية، في انتقاد إدارات المدارس والجامعات عبر الصحف الجدارية والاجتماعات الجماهيرية. أما ليو شياو، الذي كان يشرف على الإدارة اليومية لجهاز الحزب، فقد أرسل فرق عمل تضم أكثر من سبعة آلاف كادر إلى الجامعات بهدف إعادة الحركة إلى مسارات يمكن السيطرة عليها. وخلال ذلك تعرّض العديد من الناشطين للانتقاد والتهديد بالقمع. حدث التحول الراديكالي عندما عاد ماوتسي تونغ من مقر إقامته الصيفي في هوهان إلى بكين. ففي 5 أغسطس نشر ماو صحيفة جدارية خاصة به دعا فيها إلى: «اقصفوا المقرات القيادية!». كما ندّد بما وصفه بـ«قمع» الطلبة، معتبراً إياه شكلاً من «الإرهاب الأبيض». وعلى إثر ذلك، أصدرت الحكومة المركزية تعليمات بسحب فرق العمل الحزبية من جميع المؤسسات. وما إن انتشرت هذه الأخبار عبر وسائل الإعلام الوطنية حتى شهدت المدارس والجامعات في أنحاء البلاد هجمات على الإدارات والهيئات القيادية. وفي العاصمة خصوصاً خرج العنف، لفترة من الوقت، عن السيطرة. ووفق أرقام رسمية لاحقة، فقد قُتل في ما عُرف بـ«آب الأحمر» وبداية سبتمبر أكثر من ألف شخص في بكين وحدها تحت التعذيب على أيدي الحرس الأحمر، ومن بينهم عدد كبير من المعلمين في أشهر المدارس النخبوية في البلاد.[3] ويرى بعض الباحثين أن القطيعة النهائية بين ماو وليو شياو تعود أساساً إلى الخلاف حول ما إذا كان ينبغي ترك الجماهير تتحرك بحرية، أم حصر الحركة ضمن حملة منضبطة تقودها لجان الحزب وفرق العمل. وكان بين أوائل عناصر «الحرس الأحمر» في بكين عدد كبير من أبناء وبنات كبار مسؤولي الحزب والجيش، وقد تبنّوا ما عُرف بـ«نظرية السلالة الدموية». وكانت هذه النظرية تقوم على أن قيادتهم للحركة حق طبيعي لهم بسبب «أصولهم الحمراء» الثورية. وخلال «آب الأحمر»، داهم الحرس الأحمر منازل من اعتبروا أنهم «أعداء طبقيون»، وأخضعوهم لجلسات «النقد» العلنية بهدف إذلالهم والتشهير بهم. وقد حاول كثير من الضحايا الهروب من الإهانة والتعذيب عبر الانتحار. كما لعب الحرس الأحمر دوراً أساسياً في تدمير المعابد والكنائس والعمارة الإمبراطورية والقبور والكتب القديمة وكل ما ربطوه بالثقافة «الإقطاعية». وتركتهم السلطات يتصرفون بحرية لعدة أسابيع، بل أصدرت تعليمات للشرطة بعدم التدخل. ومع ذلك، يبقى موضع جدل ما إذا كان الهدف الحقيقي لماو هو مهاجمة «الأعداء الطبقيين» القدامى والثقافة «الإقطاعية». ففي 8 أغسطس 1966 حاولت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، عبر ما عُرف بـ«قرار النقاط الست عشرة» الخاص بالثورة الثقافية البروليتارية الكبرى، إعطاء الحركة اتجاهاً جديداً. وقد ورد في القرار:
«إن الهدف الرئيسي للهجوم في الحركة الحالية هم أولئك الموجودون داخل الحزب الذين يشغلون مواقع سلطة ويسلكون الطريق الرأسمالي». ولم تُذكر أسماء محددة، بل تُرك للجماهير أن تكشف بنفسها «الأعداء» بين الكوادر الحزبية. كما منح القرار التلاميذ والطلبة حق تعليق الصحف الجدارية وإجراء «نقاشات كبرى» بصورة مستقلة. وفيما يتعلق بأعمال العنف المفرطة، ظلّ موقف اللجنة المركزية للحزب متذبذباً وملتبساً. فمن جهة، دعت إلى خوض «النضال بالكلمات لا بالقبضات». لكنها، من جهة أخرى، أكدت أنه – باستثناء حالات «الثورة المضادة النشطة» – لا ينبغي اتخاذ إجراءات ضد التلاميذ والطلبة بسبب «المشكلات» الناجمة عن الحركة. كما أُعلن عن تأسيس «لجان الثورة الثقافية» التي كان من المفترض انتخابها وفق مبادئ كومونة باريس لعام 1871. غير أن تحويل الحركة إلى إطار مؤسساتي وتنظيم انتخابات منتظمة كان أمراً مستحيلاً وسط الفوضى السائدة آنذاك. وبدأت مجموعات جديدة توجه انتقادات متزايدة إلى الحرس الأحمر الأوائل، متهمةً إياهم بالسعي إلى حماية امتيازاتهم بوصفهم أبناء الكوادر الحزبية. وقد لاقت مقالات نُشرت في مجلات التنظيمات الجماهيرية صدىً واسعاً، إذ هاجمت بشدة «نظرية السلالة الدموية». وطالبت تلك المقالات بالسماح لجميع الشباب بالمشاركة في الثورة الثقافية، بغضّ النظر عن خلفياتهم العائلية. وفي بعض الفترات، انحازت وسائل الإعلام المركزية رسمياً إلى هذا النقد الموجّه لـ«نظرية السلالة الدموية». وأدى ذلك إلى إطلاق دينامية جديدة دفعت قطاعات واسعة من الشباب إلى تأسيس مجموعاتها الخاصة من الحرس الأحمر. ولم يعد تركيز هذه المجموعات موجّهاً نحو «الأعداء الطبقيين» القدامى، بل نحو «أصحاب السلطة السائرين في الطريق الرأسمالي» داخل جهاز الحزب نفسه.[4] وخلال النصف الثاني من عام 1966، توقفت الدراسة في المدارس والجامعات. كما أصدرت الحكومة المركزية تعليمات للسلطات بتأمين السفر المجاني للشباب عبر القطارات في مختلف أنحاء البلاد، إضافة إلى توفير أماكن إقامة لهم. وبهذا انتشرت الحركة بسرعة هائلة كالنار في الهشيم. وفي العديد من المناطق اندلعت صراعات بين مجموعات موالية كانت تدافع عن اللجان الحزبية المحلية، وبين «المتمرّدين» الذين سعوا إلى إسقاط الكوادر الحزبية في مواقعهم المحلية. وعندما عاد ماوتسي تونغ مطلع نوفمبر 1966 ليعلن تأييده العلني للتمرد مرة أخرى، لم يعد أحد يرغب في الظهور بمظهر الموالي للسلطة القائمة. ومع احتدام الصدامات بين التنظيمات الجماهيرية، أخذ الوضع يفلت تدريجياً من السيطرة. وفي بكين تصاعدت الصراعات الفصائلية داخل مجموعات الحرس الأحمر في الجامعات إلى مواجهات عنيفة، ما أدى في نهاية المطاف إلى فقدانها مكانتها بوصفها «الطليعة» القيادية للحركة.
التمرد البروليتاري واحتواؤه حرصت الحكومة المركزية، في البداية، على عدم تعريض الإمدادات والتخطيط الاقتصادي للخطر، ولذلك لم تسمح لعمّال المصانع الصناعية بتأسيس تنظيماتهم الجماهيرية الخاصة أو بالمشاركة في الحركة أثناء ساعات العمل. لكن في نوفمبر 1966 انتزع العمال في شنغهاي، المركز الصناعي الأهم في البلاد، تنازلاً من الحكومة المركزية بعد أن قاموا باحتلال خطوط السكك الحديدية، حيث حصلوا على حق تشكيل مجموعات «متمرّدة» خاصة بهم. وفي تلك المرحلة، بدأت فئات مختلفة من السكان تستخدم الخطاب الرسمي للتمرد للتعبير عن استيائها ومطالبها. ففي شنغهاي مثلاً، طالب العمال المتعاقدون الذين يعيشون أوضاعاً هشة بحقوق مساوية لتلك التي يتمتع بها العمال الدائمون في المؤسسات. كما عاد أشخاص كانت الحكومة قد أرسلتهم إلى الأرياف، من دون إذن، إلى المدن. كذلك طالب كوادر حزبيون كانوا قد خُفِّضت مراتبهم في حملات سابقة لعام 1966 بإعادة الاعتبار إليهم. وكان الجميع يحاولون تحميل «أصحاب السلطة السائرين في الطريق الرأسمالي» مسؤولية مشكلاتهم. غير أن هذه اللحظة من «الثورة الثقافية الشعبية» لم تستمر طويلاً. ففي مطلع يناير 1967، استولى تحالف من مجموعات العمال المتمردين في شنغهاي على السلطة، بمباركة من ماوتسي تونغ. وكانت الحكومة المحلية القديمة قد أصبحت عاجزة عن مواصلة إدارة شؤون المدينة. وسرعان ما أطلقت السلطة الجديدة حملة ضد ما أطلقت عليه اسم «الاقتصادوية». وبهذا المصطلح جرى تجريم كل محاولة لاستخدام الثورة الثقافية لتحقيق مطالب أو مصالح اقتصادية خاصة. وفي شنغهاي، ازدادت الأمور تعقيداً لأن بعض مجموعات المتمردين لم تُدمج في النظام الجديد. ولذلك قامت القيادة الجديدة بقمع التنظيمات المعارضة، ما أدى إلى اندلاع صراعات فصائلية عنيفة في الشوارع. ويُظهر ذلك أن ماو لم يكن يعارض العنف الفصائلي بحد ذاته، طالما أن الطرف المنتصر هو معسكره، وطالما أن العنف يسهم في تثبيت النظام الجديد. كما منع استخدام مصطلح «كومونة شنغهاي»، كي لا ينشأ انطباع بأن الدور القيادي للحزب الشيوعي الصيني قد أصبح من الماضي.
حروب أهلية في الأقاليم بعد «عاصفة يناير» في شنغهاي عام 1967، دعت وسائل الإعلام المركزية في مختلف أنحاء البلاد إلى قيام «اليسار البروليتاري» بعمليات «استيلاء على السلطة» بهدف إنشاء نظام جديد. وكان من المفترض أن تحلّ «لجان الثورة» محلّ أجهزة الحزب المحلية المنهارة، على أن تتكوّن هذه اللجان من ممثلين عن الكوادر الحزبية القديمة، وجيش التحرير الشعبي، والتنظيمات الجماهيرية. وفي نهاية يناير، أصدر ماوتسي تونغ تعليماته للجيش بدعم عمليات «الاستيلاء على السلطة» بصورة نشطة. غير أن هذه العمليات لم تنجح إلا في أربع مقاطعات فقط من أصل 22 مقاطعة وخمس مناطق ذاتية الحكم. أما في أجزاء واسعة من البلاد فقد انزلقت الأوضاع إلى حرب أهلية فعلية. وفي كل من تشينغ يانغ والتيبت، اللتين كانتا آخر المناطق استقراراً، لم يتم تشكيل لجان ثورية معترف بها من قبل بكين إلا في نهاية عام 1968. أما النقاشات السياسية حول الأوضاع الاجتماعية أو حول مسألة الانحدار العائلي، التي كانت حاضرة بقوة في النصف الثاني من عام 1966، فقد تراجعت تقريباً خلال عامي 1967 و1968. إذ بات الصراع يدور أساساً حول المنافسة على السلطة بين الفصائل المختلفة أثناء تأسيس النظام الجديد. وفي العديد من المناطق كان الخلاف محتدماً حول أيّ التنظيمات الجماهيرية تمثل فعلياً «اليسار» الذي ينبغي على الجيش دعمه. وفي بعض الحالات القصوى، وصل الأمر إلى انقسامات داخل القوات المسلحة نفسها، حيث قامت الفصائل العسكرية المتناحرة بتسليح تنظيمات جماهيرية متعارضة. كما انقسم «المتمرّدون» في كل مكان إلى فصائل متعادية، راحت تؤيد أو تعارض الحكومات الإقليمية الجديدة، ولا سيما قبل حصول هذه الحكومات على الاعتراف الرسمي من السلطة المركزية. وكثيراً ما تعذّر الاتفاق على أيّ الكوادر القديمة يمكن اعتبارها «ثورية» وبالتالي يحق لها التمثيل داخل لجان الثورة. وفي نهاية المطاف، أصبحت جميع لجان الثورة تقريباً – باستثناء ست مقاطعات فقط – تحت قيادة الجيش. بل إن بعض الأقاليم وأجزاء حيوية من البنية التحتية وُضعت مباشرة تحت الإدارة العسكرية، ووصل الأمر أحياناً إلى إعلان الأحكام العرفية. وفرض الجيش النظام الجديد عبر موجات من القمع المنظم من الأعلى. فخلال حملات «تطهير الصفوف الطبقية» (1968–1969)، وحملة «كشف الزمرة المضادة للثورة المرتبطة بـ16 أيار»، وحملة «ضربة واحدة، وثلاثة ضد» عام 1970[5]، شهدت البلاد اعتقالات جماعية وعمليات إعدام واسعة. وكانت الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب، والوشايات، وحالات الانتحار بعد جلسات النقد العلني، جزءاً يومياً من الحياة السياسية آنذاك. وقد قام عالم الاجتماع الأميركي Andrew Walder بتحليل أكثر من ألفي سجلّ تاريخي محلي رسمي. واستناداً إلى هذه الإحصاءات، يقدّر عدد ضحايا الثورة الثقافية بما يتراوح بين 1.1 و1.6 مليون إنسان.[6] واللافت أن الغالبية الساحقة من هؤلاء الضحايا سقطت بعد فرض النظام الجديد بقيادة الجيش. وبذلك تجاوز عدد ضحايا ما سُمّي بـ«الإرهاب الأخضر» – في إشارة إلى لون الزي العسكري – عدد ضحايا «الإرهاب الأحمر» الذي مارسته حشود الحرس الأحمر في آب/أغسطس 1966 أو خلال الصراعات المسلحة بين الفصائل عام 1967.
استعادة جهاز الحزب في صيف عام 1968، استدعى ماوتسي تونغ قادة الحرس الأحمر في جامعات بكين إلى لقاء معه، ليعلن أن «زمنهم قد انتهى». وبعد ذلك دخلت إلى الجامعات ما عُرف بـ«فرق دعاية أفكار ماو تسي تونغ من العمال والجنود» لتتولى السيطرة على السلطة فيها. وقد كُلِّفت هذه الفرق بإعادة «تربية» الطلبة المصنَّفين كـ«برجوازيين صغار» وفق الصياغة الرسمية الجديدة. ولم تختلف هذه الخطوة كثيراً عن فرق العمل التي أرسلها ليو شياو إلى الجامعات عام 1966. ومع إرسال ملايين خريجي المدارس الثانوية إلى الأرياف ابتداءاً من النصف الثاني من عام 1968، تم عملياً تفكيك حركة الحرس الأحمر داخل المدارس. وبعد تأسيس آخر لجان الثورة في شتاء 1968، دفع ماوتسي تونغ نحو عقد المؤتمر التاسع للحزب الشيوعي الصيني في العام التالي، وبدأت عملية إعادة بناء اللجان الحزبية على مختلف المستويات. كما أن تصاعد النزاع الحدودي مع الاتحاد السوفييتي عزّزَ الحاجة إلى إعادة ترسيخ احتكار الدولة لاستخدام القوة. وبحلول المؤتمر الحزبي في أبريل 1969، كانت الحكومة قد بدأت بالفعل بحلّ التنظيمات الجماهيرية. وفي العديد من «لجان الثورة»، كان العسكريون وكوادر الحزب قد همّشوا ممثلي تلك التنظيمات إلى حد كبير.
ماو واستعادة الكوادر الحزبية اضطر ماو تسي تونغ في نهاية المطاف إلى الاعتراف بأنه لا يمكنه حكم البلاد من دون الكوادر الحزبية القديمة. ولذلك أُعيد جزء كبير منهم إلى مواقع القيادة خلال المؤتمر التاسع للحزب. أما رئيس الدولة ليو شياو، فقد جرى الإبقاء عليه على قيد الحياة داخل السجن بهدف أن يُستخدم في المؤتمر الحزبي لإعلان «انكشافه» بوصفه «خائناً». لكنه توفي في 12 تشرين نوفمبر 1969 أثناء احتجازه، نتيجة التعذيب المتكرر وحرمانه من الرعاية الطبية. ورغم أن المؤتمر التاسع أعلن «انتصار الثورة الثقافية البروليتارية الكبرى»، فإن مرحلة المشاركة الشعبية النشطة والمستقلة كانت قد انتهت إلى حد كبير. فقد «التهَمَت الثورة أبناءها» أو أُرسلوا إلى الأرياف. وبدل أن يصبحوا «ورثة الثورة»، أصيب كثير من الناشطين الذين انخرطوا في حركة 1966 بخيبة أمل، خصوصاً بعد أن شاهدوا بأعينهم فقر سكان الأرياف. ولم تؤدِّ حملة ماو الأخيرة إلى إنتاج أشكال دائمة وجديدة لتمثيل الجماهير داخل النظام السياسي، كما لم تنجح في إقامة بديل حقيقي لهيمنة الحزب اللينيني. وفي نهاية المطاف، شكّلت تجربة الثورة الثقافية أساساً دفع كثيراً من الصينيين بعد وفاة «الرئيس العظيم» إلى الترحيب بالابتعاد عن الماوية، وإلى تبني سياسات «الإصلاح والانفتاح» بصورة إيجابية.
فيليكس فيمهوير(*): هو أستاذ دراسات الصين الحديثة في جامعة كولن الألمانية، ومن أحدث كتبه: «الصين: أرض التناقضات والتنوع» (دار PapyRossa، 2024). كما يدير قناة يوتيوب «Studying Maoist China»، وهو عضو مؤسس في «المنتدى النقدي حول الصين» الذي ينظم نقاشات بصورة منتظمة.
المصادر:
[1] Zur Diskussion der Zahlen siehe Daniel Leese: Maos langer Schatten. Chinas Umgang mit der Vergangenheit, München 2020, S. 245f.
[2] Für eine ausführliche Darstellung siehe Felix Wemheuer: A Social History of Maoist China: Conflict and Change, 1949–1976, Cambridge 2019, S. 196–206.
[3] Wang Nianyi: Dadongluan de niandai, Beijing 2009, S. 53.
[4] Für eine ausführliche Darstellung siehe Yiching Wu:Die andere Kulturrevolution 1966–1969: Der Anfang vom Ende des chinesischen Sozialismus (übersetzt und herausgegeben von Ralf Ruckus), Wien 2019, Kapitel 3.
[5] Das bedeutete Zuschlagen gegen die „Konterrevolution“ sowie Kampf gegen „Korruption und Veruntreuung“, „Profitgier“ und „Verschwendung“.
[6] Andrew Walder: Agents of Disorder: Inside China’s Cultural Revolution, Cambridge MA 2019, S. 186–189.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي.جزء 2
-
صعود الفاشية: تاريخٌ مُقلق
-
بين الأستقلالية والتسلسل الهرمي
-
طرق نحو الاشتراكية البلدية في مدينة نيويورك
-
الإمبريالية بلا أقنعة
-
مئة يوم من رئاسة ممداني: حصيلة مرحلية إيجابية
-
الأمل واليأس في زمن رأسمالية الكوارث
-
ترامب يضع كوبا في حالة تأهّب
-
تاريخ الثورة العالمية للرأسمالية
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و-الاش
...
-
-المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-
-
الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر
...
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
-
مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2
-
الاشتراكية في الولايات المتحدة
-
الأحزاب اليمينية تُحوِّل القسوة إلى أمرٍ عادي
-
«الاشتراكية ليست طوباوية – إنها مفعمة بالحياة»
-
الجيل زدّ يتظاهر في جميع أنحاء العالم
المزيد.....
-
تعازينا الحارة في وفاة والد شهاب احد معتقلي بانر فلسطين
-
بلاغ المكتب السياسي لحزب النهج الديمقراطي العمالي
-
مهدي عامل (توطئة لمختارات »الماركسية العربية والتحرر الوطني«
...
-
ردي على مقال جريدة جريدة المُناضل-ة الموقع بقلم الصديق علي أ
...
-
بوليفيا.. مواجهات عنيفة بين الشرطة ومتظاهرين ضد الرئيس
-
عقوبات أمريكية على وكالة الاستخبارات الكوبية وقادة كبار
-
خرجوا شهاب يدفن أبوه
-
تآكل الديمقراطية الأوروبية
-
«نباتات الذاكرة» وجذور النضال ضد الإخفاء القسري
-
في عيد ميلاده.. أشرف عمر يدفع ثمن “فرشته” خلف القضبان
المزيد.....
-
مقدمة في الاقتصاد الماركسي - حلقة دراسية للاتجاه البلشفي الأ
...
/ كوران عبد الله
-
أفكار حول مقال رزكار عقراوي عن الذكاء الاصطناعي
/ ك كابس
-
روسيا: قوة إمبريالية أم “إمبراطورية غير مهيمنة في طور التكوي
...
/ بول هوبترل
-
بعض المفاهيم الخاطئة حول الإمبريالية المعاصرة
/ كلاوديو كاتز
-
فلسفة التمرد- نقد الايديولوجيا اليسارية الراديكالية
/ ادوارد باتالوف
-
كراسات شيوعية :تقرير عن الأزمة الاقتصادية العالمية والمهام ا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الثورة التحريريّة - التوجّه الإستراتيجي و البرنامج الأساسي -
...
/ شادي الشماوي
-
هناك حاجة إلى دفن النظام الرأسمالي و ليس إلى محاولة - دَمَقر
...
/ شادي الشماوي
-
ليست أزمة ثقافة: الجذور الطبقية والتاريخية لإشكالية الاندماج
...
/ رزكار عقراوي
-
المنظّمة الشيوعيّة الثوريّة ، المكسيك و الثورة التحريريّة
/ شادي الشماوي
المزيد.....
|