حازم كويي
الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 20:16
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
الاشتراكية في الولايات المتحدة الحزب الاشتراكي القديم و"الاشتراكيون الديمقراطيون في أمريكا" الجدد – مقارنة تاريخية (الجزء الخامس )
ديفيد دوهالدي*
ترجمة حازم كويي
خلاف داخلي من صنع الذات تحت تأثيرات خارجية
إن الخلافات الداخلية داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، هي كما أُشير سابقاً، في جوهرها نتاج داخلي، أي إنّ الانقسامات والنقاشات تنبع في الغالب من داخل المنظمة نفسها وليس من خارجها.
فبينما كان مئات الأعضاء قد شاركوا لفترة طويلة في منظمات أخرى قبل انضمامهم إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، هناك عشرات الآلاف من الأعضاء الجُدد الذين لم ينتموا سابقاً إلى أي جماعة اشتراكية، وهم يخوضون الآن داخل الـمنظمة تجربتهم الأولى في منظمة يسارية كبرى.
تتفاعل هذه المجموعات المختلفة فيما بينها، ومن الواضح أنّ العديد من التكتلات تتأثر أيضاً بعوامل خارجية – سواءاً كانت معاصرة أو تاريخية. فلكل تكتل قصته الخاصة ومساره الفكري والتنظيمي.
وتهدف القائمة التالية إلى تقديم نظرة عامة على أبرز الفصائل داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا (DSA) التي تتنافس حالياً على القيادة الوطنية، مع التركيز في العرض على مواقفها من النضالات العمالية والمعارك الانتخابية.
·" خبز و ورود":
يعود أصل هذا "التكتل اليساري" الى تأسيسه في بداية العقد الثاني من الألفية (حوالي 2010)، أي قبل الزيادة الهائلة في عدد أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
منذ تأسيسه، كانت "خبز وورود" ممثَّلة بشكل دائم في اللجنة الوطنية (NPC)، حيث يشغل هذا التكتل حالياً ثلاثة مقاعد.
يجذب هذا التكتل بشكل خاص الأعضاء الناشطين في الحركة العمالية، ولا سيما الناشطين النقابيين في القواعد العمالية، وكذلك أولئك المهتمين ببناء حزب يساري مستقل عن الحزب الديمقراطي.
يتأثر أعضاء "خبز وورود" بأفكار وتجارب مجموعات اشتراكية حالية وسابقة، مثل Solidarity (التضامن) والاشتراكيين الأمميين (International Socialists) من سبعينيات القرن العشرين.
· تكتل الشيوعيين:
هي مجموعة من الأعضاء الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم شيوعيون، وكانوا يتعاونون فيما بينهم في ولاية كاليفورنيا قبل انضمامهم إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا. لاحقاً أصبحوا نشطين كجماعة تحالفية داخل المنظمة وخارجها.
يُركّز أعضاء هذا التكتل على العمل في الحركات العمالية وحركات المستأجرين، في محاولة لمواجهة ما يسمونه "تفكك الطبقة العاملة". وهم يُعطون أهمية خاصة لما يسمونه نضالات الحياة اليومية ــ سواء في مكان العمل أو في الأحياء السكنية ــ بهدف إعادة بناء التشكّل الطبقي وتعزيز الوعي الجماعي.
أما قضايا القيادة اليسارية أو السعي للحصول على مناصب في النقابات أو منظمات الحركات الاجتماعية، فهي ذات أهمية ثانوية بالنسبة لهم.
وبالمقارنة مع تكتلات أخرى داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، سلا يُبدون اهتماماً كبيراً بالعمليات الانتخابية، لكنهم يشاركون في حملات انتخابية دعماً لبعض المرشحين المنتمين إلى الـمنظمة.
· تكتل الإنبثاق:
هو تكتل آخر من الأعضاء الذين يُعرّفون أنفسهم بأنهم شيوعيون. نشأ هذا التكتل عام 2018 من مجموعة يسارية في نيويورك، ومنذ عام 2025 أصبح منظماً على مستوى وطني في عموم الولايات المتحدة.
كان لـ تكتل الإنبثاق في السابق عدة مقاعد في اللجنة الوطنية (NPC)، وهو يشغل حالياً منصب الرئيس المشارك للجنة الدولية (International Committee) داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
يتبنى التكتل سياسة أممية ومواقف إلغائية (abolitionist)، أي يسعى إلى إلغاء البُنى القمعية مثل السجون والشرطة والنظام العنصري. كما يدعو إلى حملات انتخابية ذات طابع نضالي طبقي، تُبرز الصراع الاجتماعي بدلاً من التكيّف مع المؤسسات القائمة.
يهدف أعضاؤه إلى بناء منظمة شبيهة بالحزب، لكنهم يفصلون هذا المشروع عن مسألة دعم المرشحين في الانتخابات العامة.
ويُفضّل التكتل العمل النقابي القاعدي (من الأسفل)، على أن يكون ذلك جزءاً من استراتيجية اشتراكية أشمل للتنظيم، تشمل أيضاً العمال والعاملات المستبعدين من الهياكل النقابية التقليدية.
· الأساس:
يدُعى هذا التكتل من أحدث التكتلات داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، وله جذور في مجموعات داخلية سابقة لم تعد موجودة اليوم. كانت تلك المجموعات تتبنّى مواقف اشتراكية ـ بيئية (ecosocialist)، أي تدمج بين الاشتراكية والبيئة، وكانت تدعو إلى تطبيق صفقة خضراء جديدة (Green New Deal).
يشتهر تكتل "الأساس" بتحذيراته من تصاعد خطر الفاشية، وبمواقفه الداعية إلى استراتيجيات انتخابية وتنظيمية أكثر مرونة فيما يخص الطبقة العاملة. هذه الرؤية كانت لتتوافق أكثر مع "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" القديمة، أي المنظمة قبل توسّعها الكبير.
غير أن دعوتهم الصريحة لتحويل الـمنظمة إلى منظمة جماهيرية حقيقية، إلى جانب انتقادهم اللاذع لما يسمونه "مستنقع المنظمات غير الحكومية (NGOs)"، تُظهر توجهاً أكثر راديكالياً من الاتجاهات السابقة داخل المنظمة.
حالياً، يشغل تكتل "الأساس" خمسة مقاعد في اللجنة الوطنية (NPC)، من بينهم آشيك صديّق، الرئيس المشارك الوطني لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
· التكتل الاشتراكي التحرري:
منذ عام 2017، يمثّل هذا التكتل داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا التيار الاشتراكي التحرري، الذي يقوم على موقف نقدي ومعارض بطبيعته تجاه الدولة.
يرى أعضاء التكتل أن السياسيين الاشتراكيين المُنتخبين في المناصب العامة لا ينبغي أن يؤثروا على قرارات أو توجهات منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، بل يجب أن يكونوا خاضعين للمساءلة أمام المنظمة، وأن يستخدموا مناصبهم لخدمة بناء القوة المستقلة للطبقة العاملة.
يؤمن أعضاء التكتل أيضاً بضرورة الإعلان العلني عن الهوية الاشتراكية، وبالعمل على بناء نقابات أكثر ديمقراطية وأكثر نضالية، يكون فيها العمل المباشر والدعم المتبادل عنصرين أساسيين في الممارسة والتنظيم.
· مجموعة الوحدة الماركسية:
يعود أصل هذا التكتل إلى التقاليد الماركسية لكارل كاوتسكي، أحد القادة البارزين في الاشتراكية الديمقراطية الألمانية. يتبنّى أعضاؤه مواقف كانت جوهرية في الحزب الاشتراكي الأمريكي (SP) خلال فترة يوغين ف. دبس (Eugene V. Debs)، أبرزها التأكيد على أهمية المشاركة في الانتخابات، ولكن بغرض الدعاية والتعبئة السياسية أكثر من السعي للفوز المباشر، إضافةً إلى الدعوة إلى إصلاح دستوري شامل.
ترتبط مجموعة الوحدة الماركسية ارتباطاً وثيقاً بمجلة «Cosmonaut»، رغم أن المجلة ليست لسان حال رسمي للتكتل.
من الناحية الفكرية، يتأثر أعضاؤها بـ الحزب الشيوعي لبريطانيا العظمى (Communist Party of Great Britain)، وتتمتع المجموعة حالياً بـ ثلاثة مقاعد في اللجنة الوطنية (NPC) داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
· النجم الشمالي:
تعود جذور تأسيس "النجم الشمالي" إلى أعضاء كانوا نشطين في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا قبل عام 2016. ينتمي هؤلاء الأعضاء في الأصل إلى مجموعات مثل: الحركة الأمريكية الجديدة، اللجنة التنظيمية للاشتراكيين الديمقراطيين، التي اندمجت لتشكيل الـمنظمة، لجان المراسلة، والمنشقون عن الحزب الشيوعي الأمريكي CPUSA بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
بالإضافة إلى الحزب الشيوعي الأمريكي ومجموعات يسارية أخرى. انضم إلى هذا التكتل أيضاً أعضاء جدد في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
يدعم "النجم الشمالي" بناء جبهة شعبية لمواجهة حركة MAGA ("جعل أميركا عظيمة مجدداً")، ويرى الأعضاء أن علاقة منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا بالحزب الديمقراطي هي مسألة تكتيكية فقط، ولا ينبغي أن تتحول إلى قرار فلسفي أو أيديولوجي أساسي.
يدعم التكتل مرشحين سياسيين متنوعين، بما في ذلك أعضاء من الحزب الديمقراطي وغير الاشتراكيين الآخرين. وبسبب فهمه لتاريخ الولايات المتحدة، ليس لدى "النجم الشمالي" رغبة في تأسيس حزب جديد.
حالياً، لا يمتلك هذا التكتل تمثيلاً في اللجنة الوطنية (NPC) لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، ولم يُرشح أي من أعضائه لمقاعد هذا الجهاز في عام 2025.
"النجم الأحمر":
نشأت هذه الفصيلة في سان فرانسيسكو، لكنها تطورت لتصبح فصيلاً وطنياً داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
يُعرّف أعضاء "النجم الأحمر" أنفسهم بأنهم ماركسيون- لينينيون، لكنهم يعملون بشكل مستقل عن الأحزاب الشيوعية القائمة. يسعى التكتل إلى تحويل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلى حزب طليعي، وينتقد استراتيجية المنظمة الانتخابية لكونها قريبة جداً من الحزب الديمقراطي.
كما يُبدونَ استياءهم من استراتيجية النقابات الحالية لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، ويصفونها بأنها «طوعية» و«إصلاحية».
حالياً، لدى "النجم الأحمر" ثلاثة أعضاء في اللجنة الوطنية (NPC)، من بينهم ميغان رومر، الرئيسة المشاركة الوطنية.
· "الإصلاح والثورة":
تأسس هذا التكتل بواسطة مجموعة من الأعضاء الذين كانوا نشطين سابقاً في التيار التروتسكي، وانضموا إلى منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا بعد خروجهم منه.
يدعو التكتل إلى مشاركة الماركسيين في المنظمات الاشتراكية الرئيسية، على عكس بعض كوادر البديل الاشتراكي الذين فضلوا العمل بمعزل عن هذه المنظمات.
تتوافق مواقف الإصلاح والثورة النقابية والانتخابية مع جذورها التاريخية: فهي ترى نفسها ملتزمة بـ دعم النضال القاعدي داخل النقابات ودفع مشروع تأسيس حزب جديد مستقل عن الحزب الديمقراطي. حالياً، لدى التكتل عضوين في اللجنة الوطنية (NPC) لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا.
· "الأغلبية الاشتراكية":
يعود أصل هذا التكتل إلى التحضيرات للمؤتمر الوطني لعام 2019، ومنذ ذلك الحين يمثل في اللجنة الوطنية (NPC)، ويشغل حالياً أربعة مقاعد.
ينتمي غالبية أعضائه إلى المناطق الحضرية الكبرى، لكن ليس بشكل حصري. وهم معروفون بمشاركتهم الفعّالة في الحملات الانتخابية، بما في ذلك العمل مع المسؤولين الاشتراكيين المُنتخبين. لذلك، يسعون إلى أوسع تعبئة مُمكنة لأغراض الحملات الانتخابية ويمنحون المسؤولين الاشتراكيين المنتخبين هامشاً معيناً من الحرية في اتخاذ القرارات.
ينخرط الأعضاء في أنشطة متنوعة ضمن الحركة العمالية وفي أدوار مختلفة، دون تبنّي استراتيجية محددة للنقابات.
أما بالنسبة للحلفاء الخارجيين، فهُم مرتبطون بالأطر القيادية لـ الطريق الليبرالي، وهي منظمة ما بعد ماوية.
· "ينابيع الثورة":
ينتمي هذا التكتل إلى المجموعات الداخلية الأحدث داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، ونشأ على أساس القائمة الانتخابية المناهضة للصهيونية في مؤتمر منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا لعام 2023.
تركز الشبكة بشكل واضح على السياسة الدولية وتعتبر نفسها ثورية. ومن أجل تعزيز الحركة العمالية، يدعم التكتل قراراً للتخطيط للاحتفال باليوم الأول من أيار/مايو 2028، يهدف إلى جمع أقسام الحركة العمالية اليسارية والثوار الاشتراكيين معاً.
أما بخصوص الاستراتيجيات الانتخابية، فيدعو هذا التكتل إلى معايير موحدة لضمان أن المرشحين الذين يحصلون على توصية من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا يحظون بالدعم على المستوى الوطني وليس فقط الإقليمي. حالياً، لدى التكتل أربعة أعضاء في اللجنة الوطنية (NPC)، من بينهم اثنان يشغلان مناصب رسمية.
هناك فصائل ومجموعات مصالح أخرى في منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا غير المذكورة هنا، ويجري جزء من التنظيم عبر شبكات مرتبطة بالمنشورات مثل "العاصفة" أو اللجان الوطنية. على سبيل المثال، غالباً ما يظهر الأعضاء المشاركون في العمل التضامني العالمي كـ كتلة موحدة ويقدمون أنفسهم على هذا الأساس.
في تقييمي، فإن التوترات والخلافات السياسية القادمة من خارج الهياكل التقليدية لمنظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا ترتبط أقل بممارسات الاختراق الداخلي، وأكثر بـ تقليد محدد لدى اليسار الأمريكي، يتمثل في موقف مناهض للمؤسسة (Anti-Establishment) أو تفاؤل ثوري، وهو ما كان موجوداً أيضاً في العناصر الأكثر راديكالية من الحزب الاشتراكي الأمريكي (SP) في الماضي.
الصراعات بين الأجيال
غالباً ما تُختزل الصراعات السياسية في الولايات المتحدة إلى خلافات بين الأجيال بشكل نمطي، حيث تحاول الطبقة الحاكمة أحياناً اللعب على التناقضات بين الأجيال. يحدث ذلك، على سبيل المثال، في القضايا المتعلقة بالتقاعد والضمان الاجتماعي، التي تستفيد منها بعض الفئات العمرية بشكل أكبر من غيرها.
لذلك، من الطبيعي توخي قدر من الشك تجاه التفسيرات المبنية على الفروق بين الأجيال، إلاّ أن هذه التفسيرات توفر أحياناً رؤى حقيقية يصعب إيجادها بطرق أخرى.
يكفي النظر إلى التغير الكبير في الأعمار الذي صاحب إعادة تشكيل لمنظمة الديمقراطيين الأشتراكيين في اميركاالجديدة للحصول على فكرة عن التوترات المحتملة بين الأجيال المختلفة داخل المنظمة.
منذ تدفق الأعضاء الجُدد بعد فوز دونالد ترامب في انتخابات 2016، انخفض متوسط عمر أعضاء منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا إلى النصف. ففي عام 2013، كان متوسط العمر 67 عاماً، بينما أظهرت أول دراسة استقصائية كبيرة بعد 2016 أن المتوسط أصبح 33 عاماً.
في الماضي، كان بإمكان الأجيال السابقة من أعضاء الـمنظمة الاستفادة من التوجيه والإرشاد من رفاق أكبر سناً، لكن مع العدد الهائل من الأعضاء الجدد، أصبح من المستحيل تقريباً تقديم مستوى مماثل من الدعم والإرشاد لهم اليوم.
تتفاقم الفجوة بين الأجيال بسبب الخبرات الحياتية المختلفة جداً بين أفواج الـمنظمة، وخصوصاً بين آلاف أعضاء جيل الألفية و "جيل زد" الذين انضموا بعد 2016، وبين أعضاء الجيل الأكبر من جيل الألفية، و"الجيل إكس" X، وجيل الطفرة السكانية الذين شكّلوا منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا قبل 2016.بالنسبة للأعضاء الأكبر سناً، الذين يتذكرون برامج "المجتمع العظيم" (Great Society) وتوسيع الدولة الرعائية، وينظرون إلى الدولة كقوة إيجابية بشكل عام، انضم إليهم بشكل رئيسي أشخاص أصغر سناً لم يعرفوا سوى تجارب مخيبة للآمال مع الديمقراطيين في السلطة.
على سبيل المثال، يمكن التفكير في الإصلاحات النيوليبرالية مثل قانون الرعاية الصحية "أوباما كير" Obamacare)) عهد الرئيس أوباما، أو الإجراءات الاشتراكية المحدودة زمنياً مثل مساعدات جائحة كوفيد خلال إدارة بايدن، التي انتهت في اللحظة التي كان الناس فيها بأمس الحاجة إليها.
تؤدي هذه الخبرات الحياتية والسياسية المختلفة إلى أن الأشخاص، رغم امتلاكهم نفس مستوى المعلومات تقريباً، يعتمدون على استراتيجيات مختلفة تماماً.
حتى في الحزب الاشتراكي الأمريكي (SP)، كان هناك تعدد في الأعمار: بعض الأعضاء ركزوا على العمل النقابي التقليدي، بينما ركز آخرون على دعم العمال الزراعيين.
لذلك، فإن الصراعات بين الأجيال في الحركة الاشتراكية ليست جديدة تماماً، ففي القرن الماضي، كانت الخبرات الحياتية المختلفة تجعل من الصعب أحياناً إيجاد أرضية مشتركة بين الأعضاء.
في عام 2020، عندما حاول الأعضاء الأكبر سناً وحلفاء دفع القادة الشباب في المنظمة لدعم إدارة بايدن، وكان ذلك غالباً بدون جدوى، ذكّر هذا بـ صراع مشابه وقع في ثلاثينيات القرن الماضي.
بحسب إيرفينغ هووي (1985، ص. 55)، لم يتمكن الحرس القديم في الحزب آنذاك من إقناع النشطاء الشباب بموقفهم: "مهما كانت كلماتهم صحيحة، فإن لحنها كان خاطئاً."
في الأجواء الفوضوية لبداية ثلاثينيات القرن العشرين، كان الاشتراكيون من الحرس القديم عاجزين عن التفاعل مع الجديد أو المألوف غير المعتاد. فقد فقدوا الشغف بالثورة والتمرد، وهو شئ يُفترض أن يكون جزءاً من طبيعة الاشتراكيين منذ أيام البدايات. لم يستطيعوا ببساطة فهم ما الذي كان يدفع الشباب في الولايات المتحدة عام 1933 إلى الانخراط في ما وصفه بـ "الراديكالية اليسارية المفرطة".
يوضح مثال آخر سوء الفهم، ولكن هذه المرة بالعكس، فيما يتعلق بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني. فقد كان قليل جداً من الأعضاء الشباب ضمن المجموعة التي أعلنت، كما ذُكر أعلاه، انسحابها من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا بسبب ما اعتبروه نقصاً في التعاطف مع ضحايا عملية حماس.
حتى لو كان بعض الأعضاء الشباب يتفهمون بعض حجج المُنسحبين، فإن مواقف وأفعال الحكومات الإسرائيلية والمقاومة الفلسطينية خلال حياتهم الخاصة هي التي تشكل وجهة نظرهم وأيضاً وجهة نظر الأعضاء الأكبر سناً تجاه الصراع الحالي.
غالباً ما تتطور هذه الاختلافات إلى صراعات فصائلية، ويكون أصلها اختلاف وجهات النظر حول نفس المشكلة، المستندة إلى خبرات حياتية مختلفة مرتبطة بالفئات العمرية.
لكن لا ينبغي التقليل من شأن الصراعات الداخلية والخصومات داخل منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا، فهي قد تكون مدمرة بالفعل. كما أنه لا يوجد ضمان بأن الـمنظمة لن تواجه مستقبلاً تراجعاً سريعاً أو حتى انهياراً كاملاً.
ما يجب أن يكون واضحاً هو أن التاريخ الأمريكي يظهر أن أسلوب النقاش الحاد، وأحياناً القاسي، داخل المنظمة ــ وهو ما يمكن تسميته الثقافة الديمقراطية للـمنظمة ــ هو أمر شائع في المنظمات الاشتراكية الكبيرة التي تضم تحت سقفها تيارات مختلفة ومتنوعة.
الخلاصة
الموضوع الذي يُسبّب أكبر انقسام حالياً داخل "الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" (DSA) هو نوع المشاركة الانتخابية. تتساءل المنظمة: هل ستشارك في المستقبل بقوائم انتخابية مستقلة؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف ومتى؟ وكيف تُمارس المساءلة على المسؤولين المُنتخبين من التيار اليساري تجاه منظمتهم الاشتراكية؟
قبل أكثر من قرن، كان الحزب الاشتراكي الأمريكي (SP) يهتم فقط بالسؤال الأخير، إذ كان من المتفق عليه بين الأعضاء أن مرشحيهم يشاركون في الانتخابات فقط عبر تذكرة الحزب الاشتراكي (وليس الحزب الديمقراطي). ومع ذلك، سرعان ما نشأت الخلافات حول التعاون مع النقابات والاتحادات العمالية، وما إذا كانت النقابات المهنية أم النقابات الصناعية الأكثر أهمية.
بينما تستمر بعض الانقسامات القديمة في الحركة الاشتراكية، مثل تلك المتعلقة بسلوك الأعضاء الذين يشغلون مناصب عامة، هناك أسئلة قد اختفت وأخرى جديدة ظهرت.
لا يمكن لأحد التنبؤ بما ستكون نقطة الخلاف المركزية في "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" بعد خمس سنوات. قد يتم بحلول ذلك الوقت حل مسألة القوائم الانتخابية المستقلة، ويصبح جانب آخر من العمل التنظيمي والسياسي أكثر أهمية من مسألة الحزب نفسها.
بغض النظر عن ذلك، يبقى المبدأ المعروف في السياسة الأمريكية: كل السياسة محلية.
على الرغم من أن الـمنظمة ممثلة تقريباً في جميع الولايات الخمسين وتشكل جزءاً من حركة اشتراكية عالمية، إلاّ أن جميع أعضائها ومعظم حلفائها على المستوى الوطني يعلمون جيداً أن تأثيرهم الأكبر يكون في المدن والمجتمعات المحلية التي يتمتعون فيها بالقوة والتنظيم الجيد، وليس على المستوى الفيدرالي.
مع ذلك، يمكن للنجاحات المحلية أن تولد تأثيراً واسع النطاق. فمثلاً، أدى انتخاب اشتراكيين في نيويورك لشغل مناصب مهمة إلى تأثيرات ملموسة على السياسة الوطنية وأثار الآمال في مناطق أخرى.
كما أن الطموحات الجدية للترشح للرئاسة غالباً ما تكون مقتصرة على من فازوا سابقاً في الانتخابات المحلية، مثل عضوة الكونغرس عن نيويورك ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز (AOC).
وعلى الرغم من صحة القول بأن كل السياسة محلية، فإن الانتخابات الرئاسية المقبلة ستظل في السنوات القادمة تحدد النقاش السياسي في الولايات المتحدة، سواءاً كان ذلك بطريقة إيجابية أو سلبية.
وقد التزمت المنظمة بدعم مرشح أو مرشحة للرئاسة في عام 2028. هل ستكون ألكساندريا أوكاسيو- كورتيز؟ أم شخص آخر؟ هذه المسألة ستُحسم في الوقت المناسب.
ما سيظل ذا أهمية برامجية مركزية للـمنظمة هو دور وتطور الحركة العمالية.
مع ذلك، لا تزال الاستراتيجية المناسبة للتعامل مع الانخفاض المستمر في عضوية النقابات غير واضحة، خاصة في ظل الهجمات على قوانين العمل الجماعي الوطنية. إذ ترسل الحكومة الحالية، كما فعلت حكومة رونالد ريغان سابقاً، رسالة واضحة لأصحاب العمل: نحن ندعمكم في تفكيك النقابات.
سيواصل أعضاء "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" جهودهم لتعزيز قاعدة الحركة النقابية، لكن جميع النقابيين سيضطرون، في مواجهة هذا المُعاكس القوي، إلى التعامل مع أسئلة صعبة، من بينها كيفية بناء حركة عمالية قوية، ناهيك عن حركة اشتراكية قوية.
أخيراً، يمكن الافتراض أن المجموعات الداخلية داخل الـمنظمة ستستمر في الوجود وستستمر أيضاً في التأثير على عمليات اتخاذ القرار في المنظمة لسنوات عديدة قادمة.
من المحتمل أن تتشكل تحالفات جديدة بينها وأن يتم تأسيس تكتلات جديدة، في حين قد تنحل مجموعات أخرى. ومع ذلك، ستظل الـمنظمة تحتفظ بطابعها كمنظمة تحالفية ونقطة التقاء لليسار الأمريكي، وليس فقط لللاشتراكيين الديمقراطيين كما كان الحال لعقود طويلة.
يجب على اليسار الأمريكي المتنوع الذي يشكل اليوم "منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين في أمريكا" أن يتعاون لحل القضايا المهمة والمشاركة في النقاشات السياسية، كما فعل الحزب الاشتراكي الأمريكي سابقاً. أفضل طريقة لمواجهة التحديات هي التعاون المشترك، وأفضل طريقة لاغتنام الفرص هي أيضاً العمل الجماعي، لا الانعزال أو الانقسام.
وأفضل وسيلة للحفاظ على حركة اشتراكية موحدة تحت سقف كبير هي الوحدة الديمقراطية في الرأي والممارسة، وليس التوافق التنظيمي الكامل.
--------------------------------------
· ديفيد دوهالدي: هو رئيس "صندوق الاشتراكيين الديمقراطيين الامريكيين"، وهي منظمة تعليمية غير ربحية شقيقة للحزب الاشتراكي الأمريكي. وهو المدير السياسي السابق للحزب الاشتراكي الأمريكي.
§ المصادر والمراجع:
- Ackerman, Seth. “A Blue-print- for a New Party.“ Jacobin, no. 23 (2016): 101-111
https://jacobin.com/2016/11/bernie-sanders-democratic-labor-party-ackerman
- Arlook, Ira, et al. “An Open Letter to the New New Left From the Old New Left,” The Nation, April 16, 2020
https://www.thenation.com/article/activism/letter-new-left-biden/
- Barclay, Bill, Leo Casey, Jack Clark, Richard Healey, Deborah Meier, Maxine Phillips, Chris Riddiough and
- Joseph M. Schwartz. “The Dangers of Factionalism in DSA,” In These Times, March 30, 2021
https://inthesetimes.com/article/dsa-socialist-alternative-entryism-socialism-marxism
- Barrett, James R. (2017): Russian Revolution and CPUSA, Rosa-Luxemburg-Stiftung – New York Office,
https://rosalux.nyc/what-went-wrong
- Blanc, Eric. “The Ballot and Break.” Jacobin. Accessed June 2, 2025
https://jacobin.com/2017/12/democratic-party-minnesota-farmer-labor-floyd-olson
- Buhle, Mari Jo, Paul Buhle, and Dan Geograkas. Encyclopedia of the American Left. Oxford University Press, 1998
- Burnham, Linda, Max Elbaum, and Maria Poblet. Power Concedes Nothing: How Grassroots Organizing Wins Elections.´-or-Books, 2022.
- Casey, Leo, et al. “Out of Loyalty to Democratic Socialism: Why We are Leaving
DSA.” The New Republic, November 9, 2023: https://newrepublic.com/article/176781/open-letter-why-leaving-democratic-socialists-america
- Davis, Mike. Prisoners of the American Dream. Verso, 2018.
- Democratic Socialists of America. 2019 DSA National Convention Results,
https://docs.google.com/document/d/126wVQCrdpfzS1KfPr6vsVY3rKtMXhKZTH4Lq2oohDh8/edit?tab=t.0
- Democratic Socialists of America, 2023 DSA National Convention Results,
https://docs.google.com/document/d/e/2PACX-1vTEFzaQzwTqBFSevH4iumgVoKV2XSjw_iviS0TZAvUzhI_9182hm5iVxKgmXDC9BwHr7kt0onsi5qGk/pub
- Democratic Socialists of America. Convention Compendium, 2025 DSA National Convention, https://docs.google.com/document/d/1pDJ5u_JRSt4bc7TOcXJAjBnKvBcz6RZ4NDBrJnylQNQ/edit?tab=t.w3ibfjqb4wyr
- Democratic Socialists of America. National Electoral Committee Report to the [2019] DSA National Convention, https://drive.google.com/file/d/10JONOfjcqNWoDTSrl_8XYatWRDx-pSvC/view
- Democratic Socialists of America. Resistance Rising: Socialist Strategy in the Age of Political Revolution,
https://www.dsausa.org/files/2016/06/Resistance_Rising.pdf
- Democratic Socialists of America, National Electoral Commission. Past Endorsements,
https://electoral.dsausa.org/our-campaigns/past-endorsements/
- Dreier, Peter. The 100 Greatest Americans of the 20th Century. The Nation Books, 2012.
- Dubofsky, Melvyn. We Shall Be All: A History of the Industrial Workers of the World. Quadrangle, 1969.
- Duhalde, David. “Socialist Across Generations: We Need to Talk.” Democratic Left, March 21,2021. https://www.dsausa.org/blog/socialists-across-generations-we-need-to-talk/
- Featherstone, Liza. “A Century Ago, Socialists Represented New Yorkers in State Government.”
- Jacobin, https://jacobin.com/2020/07/history-socialism-new-york-dsa-state-assembly
- 44 Rosa Luxemburg Stiftung New York Office
- Fleischman, Harry. Norman Thomas. W.W Norton Company Inc., 1964.
- Fletcher Jr., Bill. Interview with David Duhalde, July 7, 2025.
- Green, James. Grassroots Socialism. Louisiana State University Press, 1978.
- Hillquit, Morris. History of Socialism in the United States. Dover, 1971.
- Hillquit, Morris. Socialism Summed Up. The H.K Fly Company Publishers, 1911.
- Howe, Irving. Socialism and America. Harcourt Brace Jovanovich Publishers, 1985.
- Isserman, Maurice. The Other American: The Life of Michael Harrington. Public Affairs, 2000.
- Isserman, Maurice. “Why I Just Quit DSA.” The Nation, October 23, 2023 https://www.thenation.com/article/activism/quit-dsa-gaza-israel/
- Isserman, Maurice. “Egalitarian Idealists and Authoritarian Zealots: A Cautionary Memoir,” Liberties 5, no. 2 (2025): 170-195.
- Kipnis, Ira. The American Socialist Movement 1897–1912. Columbia University Press, 1952.
- Kazin, Michael. Interview with David Duhalde, June 17, 2025
- Kluever, Joshua. “The Golden Age of Pragmatic Socialism: Wisconsin Socialists at the State Level, 1919-37, The Journal of the Gilded and Progressive Era, No. 22 (2023): 204-223.
- Laidler, Harry W. Socialism in the United States: A Brief History. League for Industrial Democracy, 1952.
- Mahon, Griffin. “A 2023 Guide to Caucuses in DSA.” The Call, July 23, 2023
https://socialistcall.com/2023/07/27/dsa-caucuses-guide-2023/
- Moody, Kim. The Rank-and-File Strategy: Building a Socialist Movement in the US (2000). Accessed June 12, 2025
https://solidarity-us.org/rankandfilestrategy/
- Ross, Jack. The Socialist Party of America: A Complete History. Potomac Books, 2015.
- Salvatore, Nick. Eugene V. Debs: Citizen and Socialist. University of Illinois Press, 1982.
- Sombart, Werner. Why is There No Socialism in the United States? M.E Sharpe, 1976.
- Weinstein, James, The Long Detour: The History and Future of the American Left. Westview Press, 2003.
- Weinstein, James. The Decline of Socialism in America: 1912-1925. Vintage Books, 1967.
- Young, Ethan (2012): Lehrer im Streik: Lektionen aus Chicago, wie man sich wehren kann, Rosa-Luxemburg-Stiftung – New York Office,
https://rosalux.nyc/de/lehrer-im-streik-lektionen-aus-chicago-wie-man-sich-wehren-kann.
#حازم_كويي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟