أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - -المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-















المزيد.....


-المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 15:34
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


"الصحفية والكاتبة الإيطالية الشيوعية روسّانا روسّاندا." ومحاولة تجديد اليسار.
إنغار سولتي*
ترجمة:حازم كويي

الأساس الذي انطلق منه الشيوعيون في أوروبا الغربية كحركة جماهيرية كان النضال ضد الاحتلال الفاشي.
ينطبق هذا بشكل خاص على فرنسا وإيطاليا. ففي فرنسا، نما "حزب الـ75 ألف الذين أُعدِموا" من 30 ألف عضو في ثلاثينيات القرن العشرين إلى نصف مليون عضو عام 1945. أما في إيطاليا، فارتفع عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد فقط من 15 ألفاً إلى 1.7 مليون، ليصبح وبسرعة واحداً من أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم.
يرجع نجاح الشيوعيين الإيطاليين أيضاً إلى إستقلالهم السياسي. فقد شدد زعيمهم باليميرو تولياتي، الرفيق القديم لغرامشي، على هذا الاستقلال. كما عزز خلفهُ إنريكو برلينغوير هذا "الطريق الإيطالي إلى الاشتراكية". حتى خصومه اليساريون داخل الحزب، مثل بييترو إنغراو، روسانا روساندا، ولوتشيو ماغري، تبنوا هذا التوجه.
لم تكن سياسة الحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) تابعة بشكل حصري أو مطلق لاتحاد الجمهوريات السوفييتية، بل اتسمت بالاستقلال. قالت روسانا روساندا إن سر النجاح كان في أن الحزب "كان لا يزال مكانًا للنقاش والخلاف".

حزب لم يبقَ منه شئ
بعد عام 1989، لم يتبقَ شئ من هذا الحزب العريق. لم يفقد فقط أعضاءه وناخبيه، بل فقد اسمه وهويته. اعتقدت قيادته أن مصطلح "شيوعي" وبرنامجه القديم أصبحا عائقاً في الانتخابات. فتحوّل الحزب أولًا إلى "حزب اليسار الديمقراطي" ذي الطابع الاجتماعي الديمقراطي (PDS)، وفي عام 2007 اندمج مع ديمقراطيين مسيحيين يساريين بقيادة رومانو برودي (الذي أصبح لاحقاً رئيساً للمفوضية الأوروبية) ليشكل "الحزب الديمقراطي" (PD) وهو حركة تجميعية بلا هوية واضحة، متكيفة مع النيوليبرالية، ومستلهمة بشكل صريح من "الحزب الديمقراطي" الأميركي: قليل من الاجتماعية، قليل من الخُضرة، لكن في العمق حزب ليبرالي بالكامل ومعادٍ للماركسية.
اليوم، لا يتعدى عدد أعضاء هذا الحزب 150 ألفاً، ولا يزيد عدد ناخبيه عن خمسة ملايين. لولا تفكك الحزب الشيوعي الإيطالي وانهياره الذاتي، لما تمكن بيرلوسكوني، وحزب الرابطة (Lega)، و"التحالف الوطني" من تحقيق تلك النجاحات. وبدون هذا الانهيار، لما كانت جورجيا ميلوني ـ الفاشية أو ما بعد الفاشية ـ تحكم إيطاليا اليوم. إن إيطاليا تقدم صورة عن مستقبل بلد رأسمالي متوحش بلا يسار.

هيمنة ثقافية مناهضة للفاشية
في عام 1975، تحدث المؤرخ والماركسي البريطاني إريك هوبزباوم، الذي كان قريباً من تيار "الشيوعية الأوروبية" في إيطاليا، عن استمرار "هيمنة ثقافية للتوجهات المناهضة للفاشية والديمقراطية والتقدمية" داخل "الحياة الوطنية الإيطالية" نتيجة للدور القيادي الذي لعبه الشيوعيون في المقاومة ضد الفاشية، وهو ما يختلف عما حدث في ألمانيا الغربية. فبعد عام 1945، بدا وكأنه لم يعد هناك وجود لأي مثقفين من اليمين في إيطاليا. فكيف تحولت هذه البلاد إلى بلاد بيرلوسكوني وميلوني؟

روسانا روساندا: حياة في قلب المقاومة والتجديد
إن سيرة المثقفة الماركسية روسانا روساندا، التي وصَفت نفسها بأنها "مثقفة برجوازية نموذجية اختارت أن تصبح شيوعية"،فيها إجابات على هذا السؤال. وُلدت روسانا في مدينة بولا في إقليم إستريا، حيث كانت والدتها تملك جزراً صغيرة، وترعرعت في ميلانو، وبدأت دراستها هناك عام 1941، حيث درست الفلسفة والأدب وتاريخ الفن. في عام 1943، التحقت بالمقاومة المناهضة للفاشية من خلال أستاذها في الفلسفة أنطونيو بانفي، الذي تزوجت لاحقاً ابنه رودولفو. وضمن صفوف المقاومة، كانت تؤدي دور المراسِلة تحت اسمها الحركي "ميرندا". ومن قلب (المقاومة)، انضمت روساندا إلى الحركة العمالية الشيوعية، وكغيرها من ملايين الناس في تلك الفترة، التحقت بالحزب الشيوعي مباشرة بعد الحرب، لتصبح خائنة لطبقتها الاجتماعية.
كما هو الحال بالنسبة لجيلها، لم ترَ روساندا أي تناقض بين الفن والشيوعية، بين حبها للأدب ونضالها الطبقي. كانت عاشقة للسينما والأدب، وكتبت طوال حياتها عن طيف واسع من المواضيع. تناولت قضايا الاقتصاد السياسي والإمبريالية بنفس الأناقة التي كتبت بها عن فرجينيا وولف ومؤرخ الفن آبي وإربورغ. قامت بترجمة أعمال مثل "الحرف القرمزي" لهوثورن، و"أنتيغونا" لسوفوكليس، و"ماركيزة فون أوه" لهاينريش فون كلايست، و"المخدوعة" لتوماس مان. لقد أدخلت روساندا هذا الرصيد الثقافي البرجوازي إلى قلب الحركة العمالية.
في ميلانو، تولت بداية إدارة "بيت الثقافة" التابع للحزب الشيوعي، ثم أصبحت عضوة في مجلس المدينة، وعضوة في اللجنة المركزية، ومنذ عام 1963، نائبة في البرلمان الإيطالي.

حلمها كان تحرير البشرية.
كانت تحلم بالثورة العالمية. وعندما كُلفت عام 1962 من الحزب ومن "لجنة ديمقراطية" غير حزبية بزيارة إسبانيا سراً في ظل حكم فرانكو لاستطلاع فرص الحزب الشيوعي هناك وإمكانية حدوث "ثورة ديمقراطية"، ذهبت بنفسها، بحثت عن "علامات توهج"، وطرحت سؤالاً كبيراً: "هل يمكن أن تعود الثورة إلى جدول أعمال الغرب؟"
لم تكن تشعر بأنها تحتاج لتبرير دورها القيادي كامرأة. عن مسيرتها قالت: "كنا واثقات من أنفسنا، لأننا كنا نعرف ـ بعد أن رأينا كيف تعيش أمهاتنا وعماتنا ـ ما الذي لا نريده. أعلى مستوى من التعليم والمشاركة النشطة تُميزالدول الرأسمالية المتقدمة ـ على عكس الدول التابعة في الأطراف ـ لا تتحقق عبر "حرب " كـ "اقتحام قصر الشتاء"، بل عبر "حرب مواقع"، أي صراع كتلة تاريخية من الطبقات غير المتضادة على الهيمنة. ومن هنا، فإن نقطة الانطلاق لبناء الاشتراكية تكون أفضل.
"النضج الاجتماعي للثورة"، كما تراه روساندا، يتمثل في تجاوزها للحدود السياسية البحتة، وهو ما يجعلها "أكثر جذرية من ثورة سياسية"، و"ليست يعقوبية، وبالتالي غير سلطوية".
أما السؤال المركزي في الثورة، فتطرحه روساندا بهذا الشكل:
"أي نوع من الدولة والمؤسسات قادر على أن يضمن للطبقة العاملة وللشعب ـ بوصفهم تكويناً معقداً ـ الحفاظ على التحالف الثوري، وفي الوقت نفسه تغيير المؤسسات التي ورثناها عن تقسيم العمل الاجتماعي، وبالتالي التأسيس لعقلانية إنتاج مختلفة؟"
الحزب ليس غاية بحد ذاته. إنما يُعرّف من خلال فائدته في تحقيق التحرر الثوري للطبقة العاملة، على يد الطبقة العاملة نفسها.
شغلت روساندا مسألة حركة الثورة في الحلقات الأضعف في النظام الإمبريالي العالمي، حيث لم تكن تقودها البروليتاريا الصناعية بل الفلاحون الصغار والعمال الزراعيون بالدرجة الأولى. وفي المقابل، كانت تهتم باستقرار الرأسمالية في مراكزها.
وفي الأطراف، حيث، بحسب لينين، تنكسر "السلسلة الإمبريالية" أولاً، يجب التحضير للصدام الثوري بعناية: "كلما كانت البنية الاجتماعية أقل نضجاً ، كلما ازدادت أهمية دور الطليعة في تقليص المسافة بين شروط الاستغلال التي لا تُحتمل والانفجار المفتوح للصراع، وذلك عبر إخراج المستغلين والمضطهدين من جهلهم أو استسلامهم، وجعلهم... ثواراً"
لكن بما أن نجاح الثورة في الأطراف يعتمد على حدوثها في المراكز، فإن التركيز يجب أن يكون هناك. ففي المراكز يسود استقرار مختلف تماماً، مما يقتضي شكلاً مختلفاً من الحزب: حزب جماهيري قائم على الطبقة.

" Manifesto " البيان
بعد أسابيع قليلة من هذه التأملات، تم طرد روساندا عام 1969 من الحزب الشيوعي الإيطالي، مع عدد من اليساريين داخل الحزب. السبب كان تأسيسهم صحيفة مستقلة: (البيان).
لطالما شكّل تأسيس منبر مستقل سبباً للطرد من الأحزاب الشيوعية، كما حدث مع صحيفة The Reasoner التي أصدرها إي. بي. تومبسون عام 1956 بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي، والغزو السوفيتي للمجر، مما أدى إلى خروج "اليسار الجديد الأول" من الحزب الشيوعي البريطاني. ومثلما حصل في "نقاش دوسلدورف" عام 1984 الذي إنتقد نهج الحزب الشيوعي الألماني (DKP) الشعبوي تجاه حركة السلام.
لكن على عكس ذلك، لم يكن" Manifesto " مجرّد نقد داخلي لسياسات الحزب تجاه الاتحاد السوفيتي، فحتى في إيطاليا كان الابتعاد النسبي عن "الاشتراكية الواقعية" ممكناً ومقبولاً لدى التيارين الوسطي واليميني في الحزب.
ما كان محورياً في نقد التيار اليساري، هو أن "الطريق الإيطالي" لم يعد يقود إلى الاشتراكية، بل يعبر عن التخلي عن الثورة لصالح أوهام إصلاحية. ولهذا السبب، لا لموقفهم من سحق "ربيع براغ"، جاء قرار الطرد.
لم تكن ولادة" Manifesto " قفزة عاطفية، بل نتيجة عملية اغتراب طويلة. تعود روساندا ببدايتها إلى عام 1962، في رحلتها إلى إسبانيا الفرانكوية. تلك الرحلة، بحسب تعبيرها، "أظهرت شكوكاً" كانت لاحقاً "الشرارة الأولى".
شعرت حينها أن "الوقائع، حين تُسلّط عليها ضوء التجربة، تكشف عن أنماط ونسب مختلفة" عمّا كانت تحدده الأحزاب الشيوعية.
كان التوجه السياسي تجاه إسبانيا يتمثل في "الثورة الديمقراطية"، التي، بدعم من جبهة شعبية، ستؤسس على أنقاض الديكتاتورية البائدة مساراً نحو الاشتراكية. وكان يُفترض أن يُعزز النضال ضد فرانكو، هذه الحركة كفيلين بتجنيبنا هذا المصير". ولم تبدأ في التفكير بشكل أعمق في مسألة الأنوثة إلا في أواخر السبعينيات.
مكانة الطبقة العاملة الحقيقية تنبع من جذورها المادية داخل آلية النظام نفسه.
ترتكز استراتيجية روساندا الثورية للغرب على تصور غرامشي، الذي يرى أن الثورة في
الهزيمة كانت حاضرة. "فعلياً، لم يُطردوني إلا بعد ثلاث سنوات، لكن الانفصال حدث حينها بالفعل."
تُعتبر خيانة الثورة في الشرق، من وجهة نظر اليسار الحزبي، الصورة المعاكسة لعملية التحول الاشتراكي الديمقراطي في الغرب. فسياسة الاتحاد السوفيتي الخارجية، التي كانت مدفوعة أساساً بهاجس تأمين بقائها وتجنب الصدام مع الولايات المتحدة، منعت وقوع ثورات جديدة. في الوقت الذي لم يعد فيه الاتحاد السوفيتي يسعى لتصدير الثورة، ونظر بتشككٍ إلى مغامرات تشي غيفارا في الكونغو أو بوليفيا، لم يبق الحزب الشيوعي الإيطالي ثورياً إلا بالاسم.
وحين وقع انقلاب تشيلي عام 1973، الذي أُجهض بدعم من الجيش المدعوم من الولايات المتحدة، ولم يُعارَض من الاتحاد السوفيتي أو الصين، شعرت روساندا بأن شكوكها تأكدت ـ خاصة بالمقارنة مع انتصار الثورة الكوبية عام 1959.
وفي عام 1977، كتبت:
"الربط بين الاشتراكية الواقعية والحركات المناهضة للإمبريالية والاشتراكية والرأسمالية في الغرب بدأ بالانفكاك في الستينيات، لأسباب عدة: بسبب تزايد وضوح دور الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى، والانقسام بينه وبين الصين، وبسبب السياسة الخارجية المتقلبة للصين، التي تراوحت بين العزلة والدفاع عن بلدان العالم الثالث المعزولة، وأخيراً الغزو الكارثي لتشيكوسلوفاكيا."
منذ ذلك الحين، باتت "مساعدات الثورة" التي تقدمها موسكو وبكين "تندمج شيئاً فشيئاً مع مصالحهما على رقعة الشطرنج العالمية".
أما فيتنام، فكانت بالنسبة لها النقطة الفاصلة: "لقد استُنزف كل شئ... رفاقنا الفيتناميون انتصروا، نعم، لأن الصين والاتحاد السوفيتي كانا موجودين، ولكن أيضاً رغم وجودهما."
بالإجمال، لم تعُد "الاشتراكية الواقعية نموذجاً ولا ضمانة لثورات مستقبلية أو من نوع مختلف".
بعد تجربة تشيلي، بدأ فكر روساندا يدور حول سؤال: كيف يمكن لثورة في إيطاليا أن تتجنب هذا المصير؟
ومن هنا جاء سؤالها الجديد: "هل الثورة ممكنة أصلاً، دون دعم أو ضمانة من الاتحاد السوفيتي أو الصين؟"
كما اعتقدت أنه "لا توجد ثورة يمكنها أن تتجاهل ضرورة أن تتعامل مع أزمة الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي ، من الداخل والخارج، كأزمتها الخاصة، العميقة والعاجلة."
بهذا التفكير الذي يوازن بين التوازنات الوطنية والدولية، نظّمت روساندا عام 1977 مؤتمراً دولياً مهماً حول "المجتمعات ما بعد الثورية" في الشرق.
وهذا النمط من التفكير يبتعد سنوات ضوئية عن الأخلاقوية اليسارية الشائعة اليوم، التي تحتفل مثلاً بانتخابات سيريزا في اليونان أو الثورة البوليفارية، وتحوّلها إلى شاشة إسقاط لأحلامها، لكنها،وما إن تُمنى هذه المشاريع بالهزيمة، حتى تدير لها ظهرها وتُشيطنها.
هذا النمط من اليسار، بحسب النص، يتحول إلى "أداة طيّعة للإمبريالية الغربية ولحرب باردة جديدة مدمِرة"، وهو يسار لم ينجح حتى الآن في بلورة موقف واضح من الصين.
روساندا كانت تعرف هذه الوضعية اللامسؤولة. ففي عام 1981 كتبت:
"اليسار القديم والجديد معاً يتشبث بكل ثورة جديدة تلوح في الأفق... نعيش على هامش تحوّلاتها ونضالاتها، ما عدا حين تنهزم، عندها ننسحب بامتعاض وكآبة. (...) نحن نعرف أخطاء الآخرين بالتفصيل، نحب خيبات الأمل ونُضخّمها بدقة، كي نُبرّر انحرافاتنا وتنازلاتنا الخاصة."

أمل 1968
كانت روساندا تعاني من جمود الثورة في الشرق والغرب. وفي "1968" العالمي ـ بما فيه "ربيع براغ" ـ رأت إمكانية لإحياء حركة العمال بروح ثورية جديدة.
تحدثت عن كيف أن "عام 1968 جرف معه كآبتي".
الـ"Ingraiani "، وهم جناح الحزب اليساري المتأثر ببييترو إنغراو، كانوا يرون العالم في حالة حركة.
سافرت روساندا بسيارتها "ألفا روميو" إلى باريس لتدرس انتفاضة مايو.
في عام 1968 صدر كتابها عام الطلاب، حيث دعت إلى تحالف بين انتفاضة الطلبة وحركة العمال.وبما أن العديد من الطلاب فسروا فشل الثورة المأمولة بعدم وجود صلة فعلية مع الطبقة العاملة، نشأت روابط جديدة.
ما شدّ روساندا، البالغة من العمر 44 عاماً آنذاك، إلى 1968، هو روح التمرّد. كانت تريد أن "تُعدي" بها الحركة العمالية التقليدية.
وبعد أربعة عقود، تأملت قائلة:
"جيل 68 امتلك الزخم لكسر التقاليد، لكنه لم يكن يملك ثقافة سياسية خاصة به. في المقابل، كان الحزب الشيوعي الإيطالي يحمل تقاليد سياسية عريقة، لكنه فقد إرادة التغيير الاجتماعي. أعتقد أنه كان من المُفترض أن يحدث حوار بين هذه الثقافة السياسية المتجذّرة في خبرات مآسي التاريخ من جهة، وبين حاجات الشباب من جهة أخرى. لكنه لم يحدث."
بيان "" Manifesto كان من المفترض أن يشكل أساس قوة ثورية جديدة.
في 9 أيلول/سبتمبر 1970،فقد نُشِر هناك بيان جاء فيه أن "المنظور الشيوعي" هو "البديل الوحيد للاتجاهات الكارثية في المجتمع الحالي". لكن "الطريق البرلماني" نحو الاشتراكية هو "وهم". لقد أصبح "الإصلاح الاجتماعي الديمقراطي" "ركيزة للرأسمالية ودولتها". ويُنظر إلى "الاندماج التبعي للحزب الشيوعي الإيطالي (PCI) في المجال الحكومي" كاستراتيجية احتواء من قبل البرجوازية لن تحل الأزمة بل "ستزيدها تفاقماً". المطلوب هو "ضرورة تطوير نظرية الثورة في الغرب" عبر "تحفيز جديد لبناء قوة ثورية حقيقية".
لكن روسّاندا ليست طائفية. فهي تدرك أهمية حزب جماهيري قائم على الطبقة من أجل الثورة في الغرب. وتكتب لاحقاً:
"أنا أعرف صمت وثقل كلمات الشيوعيين القدماء. وأعرف أيضاً أنه لا جدوى من الانشغال بالتفاصيل المتعلقة بالحزب ـ فهذا طقس لتثبيت الذات لدى الجماعات المُنشقة، ولم نكن آنذاك بعد من تلك الجماعات (...) الحقيقة أن هناك رحلات لا يمكن خوضها إلا على متن سفن كبيرة".

أشعل " Manifesto " في البداية ديناميكية كبيرة.
نشأت مجموعات محلية في جميع المدن الكبرى تقريباً في إيطاليا. وكتبت روسّاندا: "لم تكن انقساماً، بل كانت نزيفاً حقيقياً لا يهدأ". الجريدة التي بدأت تصدر يومياً في 28نيسان/أبريل 1971، وصلت بسرعة إلى 60 ألف مشترك.
المشروع الحزبي الأساسي كان "حزب الوحدة البروليتارية" (PSIUP). وقد جذب أيضاً قوى أخرى، من بينها المنظّر الماركسي ليليو باسو، الذي انسحب بشكل مثير من منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي (PSI) بعد إنتخابه مباشرة، لينضم إلى الـ PSIUP.
لكن كل محاولات تأسيس حزب جديد باءت بالفشل. وفي الانتخابات مني الـ PSIUP بهزيمة قاسية. وباقتراح من برلينغوير، انضم الحزب مجدداً عام 1984 إلى الحزب الشيوعي الإيطالي ـ ولكن من دون روسّاندا.

مهزومة، لكنها محقّة
في صعود النيوليبرالية، ترى روسّاندا السبب الجوهري للهزيمة التي حطمت حركة الطبقة العاملة في الغرب والحركات المناهضة للإمبريالية في دول الجنوب، وزادت الضغط أيضاً على الاشتراكية الواقعية. وترى في إنهيار هذه الأخيرة كارثة. ففي عام 1994، تكتب عن "قوة الجذب" التي "أسقطت معها، مع أنظمة الشرق، فكرة إمكانية وجود مجتمع بديل بأكمله". لكنها تضيف: "أزمة الفضاء ’الثوري‘ كانت قد بدأت منذ وقت طويل".
إن تحوّل الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية إلى الليبرالية، الذي عارضته بكتاباتها، والذي شمل أيضاً تدهور الحزب الشيوعي الإيطالي إلى الحزب الديمقراطي (PD)، تراه تعبيراً عن محو فكرة "التحول الاجتماعي" برمّتها. وهي ترى في حرب الكويت شرارة انطلاق إمبريالية جديدة. وفي بيان مشترك مع إنغراو عام 1995، كتبا:
"كانت حرب الخليج هي التحول في الوضع الجيوسياسي العالمي"، حيث "تم تجريب ليس فقط تكنولوجيا مرعبة جديدة، بل أيضاً مفاهيم فكرية لا تقل إثارة للقلق، تم إضفاء الشرعية عليها: مفهوم ’الحرب العادلة‘، ومصطلح ’تدخل الشرطة الدولي‘، الذي تم من خلاله تتويج سلطة جديدة تدّعي الحق في فرض نظام عالمي جديد" يعيد "هيمنة الشمال على نصف الكرة الجنوبي".

اختفاء اليسار الاشتراكي تماماً أصاب روسّاندا بالذهول.
في عام 2018، تشتكي قائلة: "كل شئ، كل شئ ضاع. لم يعد يُسمع صوت المُهانين والمُحتقَرين في أي مكان".
وفي عام 2005، تصدر سيرتها الذاتية بعنوان "ابنة القرن العشرين"، التي تروي فيها ذكرياتها حتى عام 1969. وتصف نفسها بأنها "شيوعية مهزومة". لكن الشيوعية بالنسبة لها "فشلت فشلاً ذريعاً يستوجب بالضرورة مواجهة هذا الفشل". لأنها "قد تكون أخطأت، لكنها لم تكن على خطأ".
توفيت روسّانا روسّاندا في عام 2020 وهي في سن متقدمة (96عاماً).
قبل عام من وفاتها، كانت لا تزال نشطة، حيث ظهرت في مناسبة نظّمتها الحزب اليساري الصغير La Sinistra. ، وبعد وفاتها، علّق راديو "دويتشلاند فونك" الألماني بالقول:
"من مثلها، وطريقتها في العيش والكتابة، أصبح المثقفون اليساريون من طرازها نادرين للغاية. ولكن، ما إذا كانت حياتها قد انتهت بالهزيمة – فإن ذلك سيقرره التاريخ وحده".

إنغار سولتي*: كاتب ألماني،مؤلف عدة كتب،يعمل في مؤسسة روزا لوكسمبورغ.



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهر ...
- الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
- الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
- مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2
- الاشتراكية في الولايات المتحدة
- الأحزاب اليمينية تُحوِّل القسوة إلى أمرٍ عادي
- «الاشتراكية ليست طوباوية – إنها مفعمة بالحياة»
- الجيل زدّ يتظاهر في جميع أنحاء العالم
- الإرث السياسي ل«أفقر رئيس في العالم»
- زهران ممداني: انتصار اشتراكي في نيويورك
- وجهة نظر ماركس عن الديمقراطية
- زوهران ممداني: «الاشتراكي الذي يريد أن يغيّر نيويورك»
- نحن نصنع التاريخ
- العقل يتفوّق على الذكاء الاصطناعي
- -مسألة الحزب-
- الولايات المتحدة والذكاء الاصطناعي: «هيمنة تكنولوجية عالمية»
- الذكاء الأصطناعي، ذكي لكن للأسف غير مربح
- هل تحتاج نظرية الفاشية إلى تجديد؟
- إنجلز: العقل المنظم وراء النظرية الماركسية


المزيد.....




- في مواجهة العنصرية: إما اشتراكية أو بربرية (حوار مع شادي بخا ...
- الجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع تدين الاستفزازات ...
- إيران تستشهد بتصريح نائب ترامب عن مواجهة المتظاهرين -العنيفي ...
- هل تحتاج البيئة إلى ماركس؟
- نبيلة منيب: سلطة التعيين تقوِّض سلطة الانتخاب
- اي بلد تهدد فيه الشرطة المتظاهرين بشكل علني؟
- Indonesia Joins Board of Peace, Betrays Palestine
- This Is the Deep State that Trumpists Love
- Suppressing and Killing the Other: An American Tradition
- Welcome to Palestine, Minnesota: Life Under Occupation


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - -المناضلة الشيوعية التي أُقصيت من الحزب الشيوعي الإيطالي-