أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهران ممداني إلى جمعيات شعبية















المزيد.....

الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهران ممداني إلى جمعيات شعبية


حازم كويي

الحوار المتمدن-العدد: 8586 - 2026 / 1 / 13 - 14:54
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
    


بهسكار سونكارا(*)
غابرييل هتلاند(*)
ترجمة: حازم كويي


إذا كان زهران ممداني يريد الوفاء بوعوده الانتخابية، فإنه يحتاج إلى مؤسسات تمكّن الطبقة العاملة وتمنحها قوة فعلية. ومن خلال الجمعيات الشعبية، يمكن في نيويورك بناء ثقافة سياسية جديدة قائمة على الديمقراطية القاعدية.
كان انتصار زهران ممداني أكثر من مجرد نجاح مفاجئ خارج الدورات الانتخابية التقليدية. لقد أظهر أن السياسات الاشتراكية-الديمقراطية، حين تُخاض بانضباط وبُعد نظر وطاقة عالية، قادرة على أن تحظى بتأييد واسع ــ حتى في مدينة تُعرف بترسّخ هياكل السلطة فيها وبالفيتوهات الصامتة التي يفرضها الأثرياء.
لم تنجح حملة ممداني لأن سكان نيويورك تحوّلوا فجأة إلى منظّرين أيديولوجيين، بل لأنه بدا مقنعاً وصادقاً، ومهتماً على نحو جدي بتحسين حياة الناس. وقد استجاب الناخبون والناخبات بشكل إيجابي لبرنامج يركّز على جعل تكاليف المعيشة في متناول الجميع، ويتناول مشكلات يومية ملموسة مثل السكن والإيجارات، والنقل العام، ورعاية الأطفال، وأسعار المواد الغذائية ــ وكذلك لمرشّح رأوا فيه شخصاً يمكن الوثوق بقدرته على أن يناضل فعلياً من أجلهم.
استندت الحملة إلى وعد بالتغيير ــ ليس فقط على مستوى السياسات الجديدة، بل أيضاً في طريقة ممارسة السياسة نفسها، وفي كيفية إعادة تشكيل العلاقة بين الطبقة العاملة وأصحاب السلطة في المدينة. وهذا البعد الثاني لا يقل أهمية عن الأول. فالسعي إلى تحقيق سكن ميسور التكلفة من دون تغيير العلاقات القائمة بين المواطنين والحكومة ينطوي على خطر العودة إلى أنماط مألوفة: من جهة، حكومة تقدمية مقيّدة بنخب معادية لها وبعوائق إجرائية ومؤسسية، ومن جهة أخرى، قاعدة اجتماعية لا تُستنهَض إلا كل بضع سنوات خلال الحملات الانتخابية، لتتبدد من جديد ما إن تبدأ فعلياً مرحلة الحكم وإدارة الشأن العام.
لهذا السبب، ينبغي على ممداني أن يأخذ على محمل الجد فكرة جعل الجمعيات الشعبية جزءاً أساسياً من استراتيجيته في الحكم. فبدون إعادة صياغة العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، لن تفشل إدارته في تحقيق طموحاتها الاشتراكية الواضحة فحسب، بل ستواجه أيضاً صعوبات في إنجاز حتى الأهداف التقدمية الأكثر اعتدالاً.

الجمعيات الشعبية كأداة للحكم

ينبغي أن تظل «القدرة على تحمّل التكاليف» كلمة السر لكل اشتراكي واشتراكية في مدينة نيويورك. فقد كان موضوع تكاليف المعيشة هو ما أوصل مامداني إلى السلطة، وستُقاس حكومته بمدى قدرتها على تحقيق نتائج ملموسة في هذا المجال. غير أن الاشتراكية لا يمكن اختزالها في مجرد قائمة فحص لإجراءات إعادة التوزيع، مهما كانت هذه الإجراءات ضرورية ومُلِحّة.
في جوهره، تشكّل الاشتراكية الديمقراطية مشروعاً لبناء قوة الطبقة العاملة عبر نضالات جماعية مشتركة. فالهدف لا يقتصر على تحقيق إصلاحات فورية، بل يتجاوز ذلك إلى إرساء الأسس لمجتمع يتخطّى الرأسمالية. ولا تسعى الاشتراكية الديمقراطية فقط إلى تحسين مستوى المعيشة من خلال إعادة التوزيع وتوسيع الخدمات العامة، بل تهدف أيضاً إلى تعزيز قدرة الطبقة العاملة على اتخاذ قرارات جماعية بشأن القضايا التي تشكّل حياتها. وهذان الهدفان مترابطان ترابطاً لا انفصام له: فالمكاسب المادية تفتح المجال أمام المشاركة السياسية، والسلطة السياسية تمكّن من انتزاع مكاسب إضافية، والدفاع عنها، وتوسيعها.

وإلى جانب ذلك، ثمة حجة أقل طموحاً من حيث الخطاب، لكنها لا تقل إقناعاً لصالح الجمعيات الشعبية: فهي يمكن أن تساعد إدارة ممداني عملياً في عملية الحكم نفسها.
ممداني سيتولّى منصبه وسط شبكة معقدة من القوى المقاومة داخل المؤسسات والاقتصاد. فالسلطة في نيويورك لا تقتصر على قاعة المدينة (City Hall) وحدها. فهي تُمارَس أيضاً من قبل الملاك الذين يمكنهم عرقلة سياسة إسكان تقدمية، ومن قبل ممثلي الأعمال الذين يمكنهم التأثير على الاستثمارات وتهديد المدينة بسحب رؤوس الأموال، ومن قبل نخبة سياسية متمرسة في استخدام العراقيل الإجرائية، كما أنها محدودة ببنية ولاية نيويورك التي تقيد صلاحيات العمدة.

ولتجاوز هذه العوائق المتوقعة، يحتاج ممداني إلى قاعدة منظمة قادرة على ممارسة الضغط بما يتجاوز دورات الحملات الانتخابية، ومواجهة إعتراضات النخبة، وتغيير ميزان القوى في الصراعات السياسية الفعلية. وتوفر الجمعيات الشعبية وسيلة لبناء هذه القدرات والكفاءات. فالأمر لا يقتصر على رمزية المشاركة، بل يتعلق بإنشاء مؤسسات تربط أولويات الحكومة السياسية بالعمل الجماعي داخل المدينة نفسها.
عملياً، يعني ذلك إنشاء فضاءات مؤسساتية منتظمة يشارك فيها الناس العاديون في اتخاذ القرارات التي تؤثر على أحيائهم وحياتهم اليومية. وإذا ما أُديرت هذه الاجتماعات بشكل جيد، يمكن أن تخلق هذه الجمعيات نوعاً من الحياة المجتمعية وتدعمها، وتبني شبكات مشاركة دائمة، وتساعد في تحويل الدعم الانتخابي المتقطع إلى قوة سياسية مستدامة ومتينة. وستوفر الجمعيات، إلى جانب الإصلاحات الناتجة عنها ضمن مشروع أوسع للسياسة الجماهيرية، فوائد مادية للطبقة العاملة.

تشير الدراسات حول المؤسسات التشاركية في مدن أمريكا اللاتينية إلى أن نجاح هذه المؤسسات يعتمد على تمكين مشاركة واسعة. وعند تحقيق ذلك، يمكنها أن تحدث تحسينات حقيقية وذات صلة بحياة الناس اليومية. ومن خلال منح العمال والفقراء القدرة على المشاركة في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم والمساهمة بشكل فعّال، يمكن للجمعيات الشعبية تعزيز التمكين السياسي الذاتي للطبقة العاملة. ومن هذا المنطلق، تُعد هذه الجمعيات مفتاحاً لتحقيق رؤية الاشتراكية الديمقراطية.
علاوة على ذلك، يمكن للجمعيات الشعبية أن تساعد في توليد التأييد أو على الأقل القبول للسياسات التقدمية: فالدراسات تتكرّر في إثبات أن الناس يميلون إلى قبول القرارات ــ حتى تلك التي لا يوافقون عليها شخصياً ــ إذا اعتقدوا أن العملية كانت عادلة وشاملة وذات معنى. وبالتالي، فإن المشاركة مهمة ليس فقط من أجل النتائج، بل أيضاً من أجل الشرعية السياسية نفسها.

ويُظهر نجاح الفعالية الأخيرة «العمدة يستمع» (The Mayor Is Listening)، التي التقى خلالها ممداني بالمواطنين والمواطنات لمدة اثنتي عشرة ساعة، مثالاً حياً على ذلك. فقد ركّزت التغطيات الصحفية المُتحمسة على هذه الفعالية على أن مامداني لن يحكم خلف ظهر سكان نيويورك، بل في حوار مباشر معهم. كانت الفعالية ناجحة من هذه الناحية، لكنها كانت محدودة بالطبع: فالعمدة الجديد استمع فعلياً، لكنه لم يقدّم وعوداً جديدة. هنا يمكن للجمعيات الشعبية أن تستثمر الطاقة والحماس الذي أطلقته هذه الفعالية، وتحوّله إلى عملية أوسع للسياسة الجماهيرية والمشاركة الديمقراطية الفعلية.
هناك أيضاً دلائل عديدة على أن المؤسسات التشاركية المصممة جيداً يمكن أن تقلّل من الاستقطاب وتعزز الوحدة ــ حتى في القضايا السياسية المثيرة للجدل، مثل تغير المناخ في الولايات المتحدة. فالتجارب المشتركة في النقاشات يمكن أن تسد الفجوات الأيديولوجية والاجتماعية. ويمكنها مواجهة الجمود الذي يهيمن اليوم على المؤسسات الحكومية والمجتمع المدني على حد سواء. ونظراً من أن الناس يميلون إلى الثقة بالمعلومات القادمة من أقرانهم أكثر من تلك القادمة من السياسيين، يمكن لهذه الجمعيات أن تعمل أيضاً كقنوات اتصال موثوقة، لا مجرد هيئات لاتخاذ القرار. ومثال على ذلك الجمعيات التي تمتلك صلاحية طلب معلومات من خبراء، تُناقش بعد ذلك في الاجتماعات المشتركة، لتصل بطريقة ما إلى جمهور أوسع.
باختصار: ليست الجمعيات الشعبية عبئاً أو مشتتة للعمل الحكومي. بل هي على العكس شكل من أشكال الحكم يعزز موقع إدارة مامداني بدل أن يضعفه.

كيف يمكن أن تعمل الجمعيات الشعبية
لا توجد وصفة واحدة لعمل الجمعيات الشعبية، فقد اتخذت أشكالاً مختلفة في سياقات متنوعة: التخطيط التشاركي للميزانية، المجالس الصحية وهيئات المياه في أمريكا اللاتينية، مجالس الأحياء والمنصات المدنية في أوروبا وأمريكا الشمالية؛ لجان المناخ في فرنسا وأماكن أخرى. وكانت النتائج مختلفة جداً أيضاً.

غالباً ما يُشار إلى التخطيط التشاركي للميزانية باعتباره قصة نجاح. وفي أماكن مثل بورتو أليغري في البرازيل، كان هذا حقيقياً: فقد أُعيد التفاوض على أولويات الإنفاق، وتم تحسين الوصول إلى الخدمات العامة، وعُززت ثقافة المشاركة والمساءلة، ومنحت السكان وسيلة فعّالة لتحقيق تحسينات مادية ملموسة ــ من تعبيد الطرق إلى إضاءة الشوارع وحتى خطوط الحافلات الجديدة. أما في الولايات المتحدة، فقد طُبّق التخطيط التشاركي للميزانية غالباً على نطاق أصغر بكثير: كانت هذه الهيئات تسيطر على جزء بسيط فقط من الميزانيات المحلية، وحققت نتائج محدودة وبأقل نطاق.
الدروس المستفادة من ذلك ليست أن الجمعيات الشعبية غالباً ما تفشل، بل أن طريقة تصميمها وتنظيمها تلعب دوراً حاسماً. فالمؤسسات يمكن أن تكون أداة للتمكين والمشاركة بقدر ما يمكن أن تصبح مصدر إحباط. وبدل الإصرار على شكل تصميم واحد، الأجدوى تحديد مجموعة من المبادئ الأساسية التي تمكن الجمعيات الشعبية من تعزيز القدرة السياسية للطبقة العاملة وبناء القدرات التنظيمية والحشدية.
أولاً، يجب أن توفر الجمعيات للناس العاديين فرصاً حقيقية وفاعلة للتأثير على القرارات التي تمس حياتهم. فالمشاركة دون تأثير تُعدّ ضمانة للسخرية واليأس السياسي. إذا كانت الجمعيات تُنظر إليها كمجرد فضاءات نقاش رمزية بلا تأثير ملموس على السياسة أو الاستراتيجية، فإن مصداقيتها تتلاشى بسرعة.
ثانياً، يجب أن تُصمّم الجمعيات بحيث تشجّع النقاشات البناءة. الأمر لا يقتصر على التعبير عن الشكاوى أو سرد التفضيلات فقط، بل على إنشاء فضاءات منظمة يستطيع فيها المشاركون تقييم التسويات، الاستماع إلى الحجج المعارضة، وشرح أسباب تفضيل مسار عمل على آخر. إن إقامة هذه الفضاءات النقاشية مهمة ليس فقط لأسباب عملية، بل أيضاً لأنها تمنح غير النخب فرصة «لتعلّم كيفية الحكم على أنفسهم». كما أن النقاشات والمداولات تُعد وسيلة فعّالة لتوحيد العمال والطبقة العاملة على الرغم من الانقسامات المختلفة القائمة مثل العرق، الجنس، اللغة، الأصل، القدرات والإعاقات، وغيرها الكثير.
من المهم أيضاً ملاحظة أن المؤسسات التشاركية، إذا لم تُصمّم بعناية، تميل إلى إعادة إنتاج أوجه عدم المساواة القائمة فيما يتعلق بالوقت والثقة والخبرة السياسية. بعبارة أخرى، يمكن أن تتحول إلى مكان لقاء للنشطاء فقط. هذا الخطر لا يشكّل سبباً ضد الجمعيات الشعبية، بل يؤكد مرة أخرى على ضرورة الهيكلة والتنظيم الدقيق. تتطلب المشاورات وجود وسطاء، جداول أعمال واضحة، ومسارات محددة لاتخاذ القرار. كما أن إتاحة الوصولأمر جوهري: يجب تحديد أوقات وأماكن الاجتماعات بما يتوافق مع ساعات العمل ورعاية الأطفال، وإعداد صيغ تشارك الأشخاص غير المألوفين بالإطار السياسي الرسمي.
هنا تلعب القيادة السياسية دوراً حاسماً. فإذا كانت الجمعيات الشعبية ستتجاوز الأشخاص المنخرطين سياسياً مسبقاً لتصبح أدوات للمشاركة الأوسع للطبقة العاملة، يجب على مامداني وفريقه الحكومي بدء العملية وقيادتها بنشاط. ويشمل ذلك: تحديد الأولويات بوضوح، التأكيد على أن المشاركة في الجمعيات ستؤثر فعلياً على القرارات السياسية، ودمج الملاحظات الواردة من الاجتماعات بشكل مرئي في أجندة الحكومة. من دون هذا النوع من القيادة، تميل الفضاءات التشاركية إلى أن تقتصر على من هم بالفعل نشطون ومتمرسون في العمل السياسي.

في نيويورك، يجب تنظيم الجمعيات على مستويين:
جمعيات الأحياء: يمكن عقدها مرة شهرياً في المدارس أو المكتبات أو مراكز مجتمع هيئة الإسكان بمدينة نيويورك. ستركّز هذه الجمعيات على قضايا ملموسة مثل السكن والنقل والأمن في الحي، أي ضمن نطاق جغرافي محدود نسبياً، مع إشراك موظفين مختصين من الإدارة المحلية.
جمعيات على مستوى المناطق الأكبر: يمكن عقدها كل ثلاثة أشهرلمناقشة الأولويات الأوسع نطاقاً، خصوصاً المتعلقة بالميزانيات والمشاريع الكبرى، وتقييمها. وتُختتم كل دورة سنوية للاجتماعات باتخاذ قرار واضح أو تحديد أولويات يتم دمجها في الجداول الزمنية الرسمية ومقترحات الميزانية.
لكي تنجح هذه العملية، تحتاج الجمعيات الشعبية إلى خدمات الترجمة، ورعاية الأطفال، وتعويضات مالية للميسّرين والموظفين الدائمين. كما يجب تنسيق مواعيد الاجتماعات مع الدورات الحالية لاتخاذ القرارات، مثل ميزانيات الولاية والمدينة، بحيث تصبح بمثابة بوابة إلى السلطة المؤسسية الفعلية، إلى أن تتوافق البنى التشاركية في المدينة مع المقترح الأشمل الذي تم استعراضه هنا. وينبغي أن تصاحب كل جمعية نهجاً أوسع للحكم الجماهيري: يشمل ذلك مشاريع تُطلق من قاعة المدينة، حملات ميزانية ومعلوماتية، دعم العمل التطوعي واسع النطاق (مثل فريق تطوعي برعاية المدينة)، وإعادة تشكيل الهياكل والمؤسسات والعمليات القائمة ضمن إطار متكامل وفعّال.
وبالطبع، سيكون لا بد من تقديم تنازلات وعقد تسويات ــ بين جمعيات الأحياء والجمعيات الموضوعية، بين الوظائف الاستشارية والملزمة للجمعيات، وبين صيغ الاجتماعات الشخصية والهجينة. ومع ذلك، يجب أن تُوجَّه جميع القرارات دائماً بالهدف الأسمى: تعزيز القدرة الفعلية للطبقة العاملة وبناء قاعدة اجتماعية قادرة على تنفيذ الإصلاحات المستهدفة والحفاظ عليها.

الديمقراطية داخل المؤسسات الحكومية وخارجها
هذه التأملات والأسئلة ليست جديدة. ففي سبعينيات القرن الماضي، كتب المنظّر الماركسي (نيكوس بولانتزاس) أن كلاً من الاشتراكية الديمقراطية والدولة الاشتراكية السوفيتية كانتا تتسمان بالشك تجاه المبادرات الجماهيرية: فالأولى كانت ترغب في إدارة الرأسمالية من الأعلى باسم الطبقة العاملة، بينما قامت الثانية بقمع التعددية باسم إرادة الشعب. البديل الذي حدده بولانتزاس هو (استراتيجية الديمقراطية المزدوجة): إعادة تشكيل المؤسسات التمثيلية مع توسيع أشكال الديمقراطية المباشرة خارج الجهاز الحكومي.
وفي هذا السياق، لا تُرفض الانتخابات أو أشكال الحكم التمثيلية، بل يُبرز الإمكان لتعميقها. ومن منظور بولانتزاس، لا تُقوّض الديمقراطية التمثيلية بتنظيم المواطنين بحيث تصبح لديهم القدرة على ممارسة الضغط وابتكار أفكار جديدة ومحاسبة القيادات، بل على العكس، "تُقوّى". وتصبح هذه الحركة بمثابة حصن ضد كل من الجمود التقني الاستشاري وردود الفعل السلطوية.
لا تزال هذه الرؤية جذابة ومقنعة: فالحكومة التي تحكم من برج عاجي في قاعة المدينة دون قاعدة شعبية قوية، معرضة للانزلاق نحو شكل تقني من الاشتراكية الديمقراطية. قد يحقق هذا الشكل تحسينات فردية ومتدرجة، لكنه يترك علاقات القوة الأساسية دون مساس.
لدينا في نيويورك الحظ بأننا اخترنا شخصاً ليس نسخة عن بيل دي بلازيو، بل اشتراكياً مطلعاً على الأفكار الديمقراطية الراديكالية، وواعٍ أيضاً بحدود السياسات التي أثارت الحماسة السياسية، وضرورى تحويل هذه الطاقة السياسية إلى تغييرات مؤسساتية مستدامة.

نقطة البداية
القوة التي أظهرها حملة مامداني أكبر بكثير من القوة الفعلية للطبقة العاملة المنظمة في المدينة. فمعظم الناس ببساطة مشغولون، متشككون، وغير معتادين على الانخراط السياسي المستمر.
ولهذا السبب بالذات، تعتبر الجمعيات الشعبية مهمة. فهي يمكن أن تعمل كجسور بين الدعم الانتخابي والتنظيم الدائم. ويمكن لجمعيات الأحياء والمناطق، التي تتناول قضايا ملموسة، أن تقرب الناس من البرنامج الذي أوصل ممداني إلى السلطة، تمنحهم دوراً في تشكيله، وتمكّنهم من فهم أنفسهم كفاعلين سياسيين، وليس مجرد ناخبين.
بهذا المعنى، لا تُعد الجمعيات الشعبية مجرد وسيلة لتوحيد حركة موجودة بالفعل وتركيزها. بل هي قبل كل شئ أداة لبناء هذه الحركة من الأساس. فهي توفّر فرصة لترجمة الحماس الانتخابي إلى قدرة ديمقراطية مستدامة على الفعل، وتهيئ، من الأعلى، فالشروط اللازمة لمشاركة قاعدية لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل.
لقد أتيحت لزهران ممداني فرصة نادرة. عليه أن ينظر إلى حماس السكان كمورد مؤقت يمكنه استخدامه أو الاستثمار فيه كأساس لنوع جديد من السياسة. الجمعيات ليست حلاً شاملاً لكل شئ، لكن بدون مؤسسات تعزز، إلى جانب الإصلاحات المادية، القدرة السياسية على الفعل، سيكون من الأصعب الوفاء بالوعود الانتخابية ــ وأسهل تقويض الزخم الذي تحقق.
إذا أرادت الاشتراكية الديمقراطية أن تكون أكثر من مجرد إدارة مدينة تقدمية، يجب أن تجد تعبيراً مؤسساتياً وفي نيويورك، يجب أن يبدأ ذلك بإتاحة مكان حقيقي للناس العاديين على طاولة النقاش ومنحهم القدرة على المشاركة في صياغة المستقبل.



بهسكار سونكارا(* ) كاتب، ومؤلف كتاب The Socialist Manifesto: The Case for Radical Politics in an Era of Extreme Inequality.

غابرييل هتلاند(*) هو أستاذ مشارك لدراسات أمريكا اللاتينية والكاريبي وللمجتمع اللاتيني في جامعة SUNY ألباني، ومؤلف كتاب Democracy on the Ground: Local Politics in Latin America’s Left Turn (2023).



#حازم_كويي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاشتراكية في الولايات المتحدة(4)
- الاشتراكية في الولايات المتحدة (3)
- مجزرة عيد الميلاد المنسيّة في أمريكا
- الاشتراكية في الولايات المتحدة الجزء 2
- الاشتراكية في الولايات المتحدة
- الأحزاب اليمينية تُحوِّل القسوة إلى أمرٍ عادي
- «الاشتراكية ليست طوباوية – إنها مفعمة بالحياة»
- الجيل زدّ يتظاهر في جميع أنحاء العالم
- الإرث السياسي ل«أفقر رئيس في العالم»
- زهران ممداني: انتصار اشتراكي في نيويورك
- وجهة نظر ماركس عن الديمقراطية
- زوهران ممداني: «الاشتراكي الذي يريد أن يغيّر نيويورك»
- نحن نصنع التاريخ
- العقل يتفوّق على الذكاء الاصطناعي
- -مسألة الحزب-
- الولايات المتحدة والذكاء الاصطناعي: «هيمنة تكنولوجية عالمية»
- الذكاء الأصطناعي، ذكي لكن للأسف غير مربح
- هل تحتاج نظرية الفاشية إلى تجديد؟
- إنجلز: العقل المنظم وراء النظرية الماركسية
- سر التجربة الصينية: من الفقر إلى أضخم طبقة وسطى في العالم


المزيد.....




-  نظام بوتين وترسيخ دولة إمبريالية جديدة في روسيا
- ترامب يحذر إيران من إعدام المتظاهرين: سنتخذ -إجراءً حازماً- ...
- بيان اللجنة المركزية لحزب النهج الديمقراطي العمالي في دورتها ...
- بريطانيا تطالب بتغيير جذري في إيران وتشيد بالمتظاهرين
- -المساعدة قادمة-.. رسالة ترامب إلى المتظاهرين الإيرانيين وال ...
- اختطاف في كاراكاس
- الولايات المتحدة: فهم ”عقيدة الأمن القومي الجديدة“ ومستتبعات ...
- الحزب الشيوعي العراقي: لا للضغط على معيشة المواطن.. والحل بإ ...
- Why Is the US Left So Chickensh_t?
- Right Message, Wrong Messengers: A Brief History of Oil and ...


المزيد.....

- الرأسمالية والاستبداد في فنزويلا مادورو / غابرييل هيتلاند
- فنزويلا، استراتيجية الأمن القومي الأميركية، وأزمة الدولة الم ... / مايكل جون-هوبكنز
- نظريّة و ممارسة التخطيط الماوي : دفاعا عن إشتراكيّة فعّالة و ... / شادي الشماوي
- روزا لوكسمبورغ: حول الحرية والديمقراطية الطبقية / إلين آغرسكوف
- بين قيم اليسار ومنهجية الرأسمالية، مقترحات لتجديد وتوحيد الي ... / رزكار عقراوي
- الاشتراكية بين الأمس واليوم: مشروع حضاري لإعادة إنتاج الإنسا ... / رياض الشرايطي
- التبادل مظهر إقتصادي يربط الإنتاج بالإستهلاك – الفصل التاسع ... / شادي الشماوي
- الإقتصاد في النفقات مبدأ هام في الإقتصاد الإشتراكيّ – الفصل ... / شادي الشماوي
- الاقتصاد الإشتراكي إقتصاد مخطّط – الفصل السادس من كتاب - الإ ... / شادي الشماوي
- في تطوير الإقتصاد الوطنيّ يجب أن نعوّل على الفلاحة كأساس و ا ... / شادي الشماوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية - حازم كويي - الوفاء بالوعود الانتخابية يتطلّب سلطة شعبية: لماذا يحتاج زهران ممداني إلى جمعيات شعبية